د.ماجد عزت إسرائيل

في تقديري، فإن أي حديث عن مسار العائلة المقدسة يجب أن يبدأ من حقيقة لا تقبل الجدل، وهي أن هذا المسار ليس مجرد مشروع سياحي أو إداري أو استثماري، بل هو تراث ديني وتاريخي وروحي حيّ، يرتبط بذاكرة الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، وبهوية مصر المسيحية، وبواحد من أقدس المسارات الدينية على أرضها. ومن هنا، فإن النظر إلى مشروع القانون المقدم بشأن إنشاء الهيئة العامة لمسار العائلة المقدسة يفرض علينا التوقف بجدية أمام عدد من الملاحظات الجوهرية، لا من باب الرفض لمبدأ التنظيم، بل من باب الحرص على ألا يتحول التنظيم إلى انتزاع ضمني للدور الأصيل للكنيسة أو إلى خلق بنية إدارية قد تثير من الإشكاليات أكثر مما تحل.
 
على أية حال، إن جوهر الاعتراض لا ينصب على فكرة حماية المسار أو تطويره أو تأمينه أو إبرازه عالميًا، فهذه كلها أهداف مشروعة وضرورية، بل إنني من المؤمنين بضرورة وجود رؤية وطنية متكاملة لصون هذا المسار وتأهيله على المستويات الأثرية والدينية والسياحية والأمنية والخدمية. لكن السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه هنا هو: هل تتحقق هذه الأهداف من خلال إنشاء هيئة جديدة بصلاحيات واسعة، دون تحديد واضح لعلاقتها بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية، صاحبة الولاية الروحية والتاريخية على الجزء الأكبر من مواقع المسار؟
 
إن ما يثير القلق في الصياغات المطروحة هو أنها تمنح الهيئة المقترحة اختصاصات واسعة تتعلق بالإدارة، والأراضي، والمنشآت، والموارد المالية، والتخطيط، والتصرف، في حين لا يظهر دور الكنيسة في هذا البناء إلا في صورة تمثيل محدود، لا يرقى إلى حجم مسؤوليتها التاريخية ولا إلى طبيعة المكان نفسه. فالكنائس والأديرة الداخلة ضمن مسار العائلة المقدسة ليست مواقع خالية أو مهجورة أو مجرد نقاط تراثية تنتظر من يكتشفها من جديد، بل هي أماكن عبادة حية، لها تاريخ مستمر، ووظيفة روحية قائمة، وارتباط مباشر بالوجدان الكنسي والشعبي منذ قرون طويلة.
 
ومن هنا، فإن النصوص التي تتحدث عن نقل تبعية بعض الأراضي والمنشآت الواقعة في نطاق نقاط المسار تفتح بابًا واسعًا لعدد من التساؤلات القانونية المشروعة:
ما المقصود تحديدًا بالأراضي الواقعة في نطاق المسار؟
 
ومن يحدد الحدود الفعلية لهذا النطاق؟
 
وما الفارق بين الأثر الديني والأثر السياحي؟
 
وما الضمانات التي تمنع التوسع مستقبلًا في تفسير النصوص بما قد يمس ممتلكات كنسية قائمة، أو أراضي ملاصقة لمواقع مقدسة، أو منشآت مرتبطة مباشرة بخدمة المكان وخصوصيته الروحية؟
 
وهل تكفي العبارات العامة في قانون بهذه الحساسية، أم أن الأمر يحتاج إلى نصوص أكثر ضبطًا ووضوحًا وحسمًا؟
وأرى كذلك أن مشروع القانون، بصيغته المتداولة، يتجاهل رصيدًا مهمًا من الأفكار والطروحات والدراسات السابقة التي قُدمت حول مسار العائلة المقدسة، سواء داخل مصر أو خارجها، ومنها ما طُرح في روما مارس 2023م، فضلًا عن الجهود البحثية والكنسية والأكاديمية التي تناولت هذا الملف من زوايا متعددة.
 
وهذا في حد ذاته يطرح سؤالًا آخر: هل بُني المشروع على حوار واسع مع الكنيسة والمتخصصين والباحثين في التراث القبطي وتاريخ المسار، أم أننا أمام صياغة إدارية متعجلة لم تُتح لها مساحة كافية من التشاور والتوافق؟
 
ثم إن مسار العائلة المقدسة، في صورته المعروفة كنسيًا وتاريخيًا، لا يقتصر فقط على بعض النقاط المشهورة أو المتداولة إداريًا، بل يضم محطات أخرى ذات أهمية روحية وتاريخية لم تحظَ في بعض الطروحات بالوضوح أو الحضور اللازم. ومن هنا، فإن أي مشروع قانون أو هيئة أو خطة تنفيذية لا بد أن يستند إلى خريطة علمية وكنسية مكتملة للمسار، لا إلى انتقاء إداري لبعض المحطات دون غيرها. فحذف محطة، أو تهميش أخرى، أو اختزال المسار في نقاط محدودة، لا يمس فقط الجغرافيا، بل يمس الذاكرة الدينية نفسها.
 
وفي الوقت ذاته، لا بد من التأكيد بوضوح أن المطالبة بدور أصيل للكنيسة لا تعني إطلاقًا إقصاء الدولة أو الحد من سلطتها التنظيمية، بل على العكس، إن حماية مسارات العائلة المقدسة وتأمينها وصونها من التعديات والعشوائيات والاستغلال غير المشروع هي مسؤولية وطنية مشتركة، لا يمكن أن تنهض بها الكنيسة وحدها، ولا الدولة وحدها. فالدولة مطلوبة في التأمين، والتنظيم، والتخطيط، والبنية التحتية، والحماية القانونية، وإدماج المسار في المشروعات القومية والسياحية، لكن الكنيسة هي المرجعية الأصيلة في ما يتعلق بهوية المكان، وخصوصيته الدينية، ووظيفته الروحية، وتاريخه الكنسي، وحدود التعامل معه.
 
وهنا أؤكد أن الحل لا يكمن في الصدام بين الدولة والكنيسة، ولا في تصوير المسألة وكأنها معركة اختصاص، بل في الوصول إلى صيغة تشاركية واضحة وعادلة، تقوم على الاعتراف بأن الكنيسة ليست "ضيفًا" على هذا الملف، وليست مجرد "ممثل" ضمن مجلس إدارة، بل هي شريك أصيل وصاحب صفة مباشرة في هذا المشروع. وأي مشروع وطني ناجح في هذا المجال لا بد أن يُبنى على قاعدة: الدولة تنظم وتحمي وتؤمّن وتدعم، والكنيسة تقود في ما يخص طبيعة المكان وذاكرته ووظيفته الروحية.
 
ومن المهم أيضًا ألا يُنظر إلى إنشاء هيئة جديدة وكأنه الحل الوحيد. فالدولة لديها بالفعل وزارات وأجهزة قائمة: وزارة السياحة والآثار، وهيئة تنشيط السياحة، والتنمية المحلية، والمحافظات، ووزارة الداخلية، وجهات التخطيط، وغيرها. ولذلك يصبح السؤال مشروعًا: هل المشكلة فعلًا في غياب كيان إداري جديد، أم في ضعف التنسيق بين الكيانات الموجودة أصلًا؟ لأن إنشاء هيئة جديدة دون ضبط اختصاصاتها قد يؤدي إلى تضارب في الصلاحيات، ويخلق أزمات قانونية وإدارية، ويفتح الباب أمام تأويلات غير مأمونة في المستقبل.
 
 ومن الزاوية الدستورية، فإن المسألة تحتاج إلى قدر كبير من الانتباه، لأن التعامل مع الكنائس والأديرة والمواقع ذات الطبيعة الدينية يجب أن يراعي نصوص الدستور المصري، وبخاصة ما يتصل بـ شؤون المصريين المسيحيين الدينية، وما يقتضيه ذلك من احترام للدور الكنسي في كل ما يتعلق بالأماكن المقدسة ووظيفتها الدينية وإدارتها الروحية. فليس من المقبول أن يتحول قانون يفترض أنه لحماية المسار إلى مدخل يثير المخاوف حول تآكل الولاية الكنسية أو تهميشها تدريجيًا.
 
إنني أرى أن المطلوب اليوم ليس فقط تعديل بعض الصياغات، بل إعادة بناء المشروع كله على أساس التوافق الحقيقي، عبر حوار جاد تشارك فيه الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، والمتخصصون في التاريخ القبطي، والباحثون في آثار مسار العائلة المقدسة، والجهات القانونية والدستورية، ومؤسسات الدولة المعنية. كما أرى ضرورة أن يتضمن أي مشروع نهائي ضمانات صريحة وواضحة، تؤكد:
 
أن الكنيسة شريك أصيل في إدارة ملف المسار.
 
أن أي تصرف في الأراضي أو المنشآت أو النطاقات المحيطة لا يتم إلا بضوابط محددة ومعلنة.
 
أن جميع المحطات المعروفة كنسيًا وتاريخيًا تُراجع مراجعة علمية دقيقة. لأن هناك نقاط جديدة نذكر على سبيل المثال وليس الحصر المنطقة الأثرية ببرية شيهيت جنوب شرق وادي النطرون. 
 
أن حماية المسار وتأمينه وصيانته تتم في إطار احترام كامل للطابع الديني للمكان.
 
لا إعادة تشكيل الملكية أو الولاية أو المرجعية.
 
وأخيرً؛ فإن مسار العائلة المقدسة أكبر من أن يُدار بعقلية إدارية ضيقة، وأعمق من أن يُختزل في ملف استثماري أو سياحي فحسب. إنه جزء من روح مصر وتاريخها المسيحي، ومشروعه الحقيقي يجب أن يكون مشروع شراكة وطنية واعية تحفظ حق الدولة، وتصون حق الكنيسة، وتحمي التراث، وتؤمن المستقبل.