فاطمة ناعوت
ما إن يرحلُ إنسانٌ، حتى يخرجَ علينا سَدَنةُ الجحيم من شقوق الهواتف. لا يحرسون معبدًا، ولا يقفون على باب مقدّس، بل يحملون مفاتيح الجنّة والنار.
ينبطحون خلف هواتفهم، ويترهّلون على صفحات التواصل الاجتماعى يبحثون بعيونهم المتلصصة عن خبر رحيل مفكّر أو فنان أو أديب، ليفتحوا معاجم التطاول والبذاءة والمراهقة الفكرية. هَلَك، نَفَق، غار من الحياة فى ستين... ثم يتبارون فى ثِقَل الظلّ والاستظراف السمج والتنمّر على المُشيّعين فى الجناز والمعزّين فى واجب العزاء. هذا كافر، وتلك فاجرة، وهذا لا تجوز عليه الرحمة، وتلك هاربة من القبر، وهذا غافَل ملكَ الموت وفرّ، هذه ثوبها مكشوف، وتلك شعرها دون غطاء؟! حتى العمر، الذى هو بيد الله وحده لا شريك له فيه، يسخرون منه! وكأن كبار السنّ يُطيلون أعمارهم بالاقتصاص من أعمار المتنمرين! أين تعلّم هؤلاء أن ملامح الوجوه وأعمار الخلق أمورٌ تجوز السخرية منها، مُتناسين أنهم يتجرّأون على الله تعالى ذاته؛ الذى سوّى أشكالنا، وقررّ أعمارنا؟!
أىُّ زمن هذا الذى تحوّل فيه الموتُ، وهو أقدسُ لحظة فى التجربة الإنسانية، إلى سيركٍ للتنمّر والبذاءة والاغتيال المعنوى؟! تصوّروا أن أكثر من ٣٠٠٠ تعليق على صورة عزاء، ليس من بينها: «الله يرحمه»، أو «إنّا لله وإنّا إليه راجعون»، ولا كلمة عزاء واحدة لأهل المتوفى قد تخفّف عن قلب مصدوع! أو على الأقل شىءٌ من خشوع أمام جلال الموت بالصمت الجميل! فقط شماتة، وسخرية، وتكفير، وتلصُّص على ملابس النساء! متى أصبح الوقوف أمام النعوش مادةٌ لمحاكم التفتيش الرقمية؟!
مَن هؤلاء؟! من أين جاءوا؟ هل هم حقًا أحفادُ الشعب المصرى المثقف الذى عرفته الخمسينيات والستينيات؟ شعب: طه حسين، وعبد الرحمن بدوى، وزكى نجيب محمود، ومصطفى مشرّفة، وسهير القلماوى، وأحمد شوقى، ونجيب محفوظ، وأم كلثوم، وعبد الوهاب؟ الشعب الذى كان يختلف بأدب، ويحزن بنُبل، ويواسى فى الشدائد، ويحترمُ مشاعر الآخرين، ويقف أمام الموت فى خشوع؟ أمعقول أن أولئك القناصة المترهلون خلف شاشات الهواتف هم أبناء أولئك العظماء الذين شكّلوا وجه مصر الحديث؟ بل هل هم أحفاد الجدّ المصرى القديم الذى صنع أول حضارات الأرض وأعظمها؟ كيف انحدرنا من مجتمعٍ نبيل يدرك أن لحظات الموت مقامٌ للمؤازرة، إلى حثالات ترى الموتَ فرصةً لإطلاق الأحقاد المكبوتة ومعاجم التدنى؟!.
مَن أولئك ومِن أين جاءوا الذين نصّبوا أنفسَهم وكلاءَ لله على الأرض، حاشاه تعالى أن يجعل له وكلاءَ هو الأقربُ إلينا من حبل الوريد؟ من أى فجٍّ تسلّلت جحافلُ السدنة المتبجحين الذى يوزعون على الخلق صكوكَ الرحمة والعذاب، مفاتيحَ الجنة والنار؟ وإذا افترضنا جدلا أنهم حُماة العقيدة، وفق زعمهم الكذوب، فهل أقلُّ من تأكيد زعمهم بالتحلّى بنظافة اللسان وعفّة القول، كما تأمرنا العقائدُ والأديان؟ يُقرّرون مِن لدُنهم مَن سيُغفر له ومَن يُقصى من رضوان الله، فهل أقلُّ من أن ينظّفوا صحائفهم من ألفاظ البذاءة والانحطاط؟! كيف يُكتب عن الفضيلة بمفردات الرذيلة؟!
فى المحكّات والشدائد تتعرّى النفوسُ من دُثُر الزيف وتتساقط الأقنعة، وتظهر الوجوهُ دون مساحيق تجميل، فتظهر أخلاقُ النفوس بجلاء. وكلُّ إنسان يرى العالمَ بعين قلبه. الفاضلُ: يرى الناسَ فُضلاءَ فى كل حال، ويظنّ فيهم الخيرَ. والدَنِسُ: يرى الناسَ أدناسًا غارقين فى الرذيلة. النظيفُ: يرى العالمَ نظيفًا، ويلتمس للناس الرحمة، والملوَّثُ قلبُه: لا يرى إلا عيوبَه وخطاياه منعكسةً على صفائح الآخرين، فينهال عليهم بالسباب واللعنات. وهذا ما سمّاه علمُ النفس: «الإسقاط». أن يُلقى المرءُ مخازيه وآثامَه على الناس؛ كى يهرب من مواجهتها فى نفسه والاعتراف بها. يمارسون، دون أن يدروا، نوعًا من «التطهّر الأرسطي» المشوَّه؛ حيث يتطهّرون من خطاياهم بإلصاقها بغيرهم، فيشعرون بنقاءٍ زائف كلما لوّثوا سمعة إنسان. لهذا يتحولون إلى صائدى موتى. لأن منازلة الأحياء تحتاج إلى شجاعة، بينما منازلة الموتى معركةٌ سهلة مضمونةُ النتائج لا يمارسها إلا الجبناء من وراء الشاشات، ضامنين أنهم ناجون من العقاب والصفعات. لكنهم لا يدرون أن معجمهم الواطئ يكشف لنا تدنى أخلاقهم وانحطاط تعليمهم وتربيتهم وبيئتهم، وهذا الكشفُ فى ذاته، هو الصفعة الكبرى.
فى رسالته «فلسفة الموت»، يُنبئنا الدكتور «عبد الرحمن بدوى» أن الموت هو الوجود الأصيل للإنسان، ومنتهى إمكانات النضوج البشرى. لهذا تظهر الكرامةُ الحقيقية للإنسان فى أسلوب وقوفه أمام لحظات الفناء. أمام الموت يُختبر معدنُ البشر؛ لأنه لحظة تأمل فى هشاشتنا جميعًا. كلُّنا ذاهبون إلى الباب نفسه، حُفاةً عُراةً من الألقاب واليقينيات. عند الموت تضع الحروبُ أوزارها، فلا يحقُّ لإنسان أن يدنّس قبر أخيه؟ أولئك السَّدنة لا يشوّهون الموتى بل أنفسهم يصفعون. فالضباع وحدها تعوى فى جنائز الموتى.
نقلا عن المصرى اليوم





