خالد منتصر
سؤال سأله شيخ إخوانى على قناة إخوانية، لم يكن بنفس الصيغة، لكنه كان بصيغة شخصية، يسألنى: «لماذا أنت غاضب من كلام ضياء العوضى، وزعلان على ثوابت الطب، وفى نفس الوقت الذى تسمح لنفسك بالكلام فى الدين، وثوابت الدين؟»، وقبل أن أناقش الفرق الذى تسبب فى هذا اللغط، وأثاره هذا السؤال المفخخ، المشحون بالمغالطات المنطقية، سأرد على الشيخ وأقول: إذا كنت تعتبر انتقاد المشايخ والفقهاء، لعباً فى الثوابت الدينية، فالمشكلة عندك، وليست عندى، فقد اختزلت الإسلام فى أشخاص، جعلتهم أصناماً، تتعبد لهم،
وتلقى إليهم بالقرابين كل صباح، هذا ليس شأنى، ولا تحملنى مسؤوليته، ولا أعبأ به، والرد ببساطة على مسألة ثوابت الطب، وثوابت الدين، وإظهار من انتقد ضلالات العوضى، بأنه شخص متحجر، لا يريد للثورة العلمية العوضية، أن تنتشر فى العالم، هو رد يعتمد على التفرقة بين العلم والمعرفة، فالطب Science والدين knowledge، وهناك فرق كبير، لا أقصد به أن هذا أفضل من ذاك، ولكنى أؤكد بهذه التفرقة، على أن لكل مجاله، وأدواته، وأيضاً طرق مناقشته، وتفنيد أطروحاته، وأفكاره، الطب يعتمد على التجربة والدليل والشك المزمن، أما الدين فيعتمد على الإيمان واليقين والتصديق الذى لا تساوره ذرة شك، حتى ولو كان بدون دليل، إلا أدلة العنعنة، والمرويات، والقصص، ولا ينفع مع أصحاب اليقين الدينى، أن تحاول البحث عن حفريات، وتطبيق علم الجيولوجيا، ولكن مسموح أن تطرحه لبيان وجهة نظرك النقدية، فى أى دين، والمجتمعات الصحية فكرياً، هى التى تجدد فكرها الدينى، من خلال وضعه على طاولة التشريح، والرد على السؤال المطروح فى عنوان المقال،
أننا قد هاجمنا العوضى لأنه منع الإنسولين بدون دليل علمى، أو بحث منشور، يبين ويوضح فائدة منعه عن مريض السكر النوع الأول، الذى ليس فى جسمه إنسولين، وهذا القرار بمثابة إعدام، لكن سيد القمنى أو فرج فودة أو شحرور، الذين تتهمونهم بأنهم هاجموا الثوابت، وأن مثلهم مثل العوضى، فهم عندما انتقدوا البخارى مثلاً، أو الشيخ الشعراوى، أو آراء ابن تيمية الفقهية وفتاويه.. إلخ، هم لم يقتلوا أحداً، ولم يمنعوا أدوية، ولم يكن لهم ضحايا أوقفوا مثبطات مناعة، أو امتنعوا عن تناول كورتيزون فجأة... إلخ، هم حركوا المياه الراكدة لتلك المعارف الدينية، سأحاول معك لعبة عصف ذهنى حول الفرق بين المجالين، لعلك تقتنع عزيزى المتسائل، سواء كنت من ألتراس العوضى، أو من المتعاطفين، أين المغالطة المنطقية؟، المغالطة هى بالبلدى أنك قد خلطت أبو قرش على أبو قرشين، أو سألت أتوبيس كام بيروح فين، واندهشت من استغراب من تلقى عليه بسؤالك!، فهناك فرق واضح، وجوهرى، الفرق الجوهرى أن الطب لا يملك ثوابت مقدسة، بمعنى التحريم على النقد، بالعكس، الطب قائم على الشك والنقد والمراجعة المستمرة، كل دواء وكل بروتوكول طبى قابل للمراجعة والتعديل والإلغاء إذا ظهر دليل أقوى، الطب نفسه ألغى علاجات، كان يعتقد سابقًا أنها صحيحة، وسحب أدوية من الأسواق، بعد أن لاحظ أعراضاً جانبية خطيرة، يعترف، ويصحح، لديه تلك الآلية، لكن هل الدين يقبل ذلك، ويستجيب لمن يقول مثلاً: «احذف نصاً مقدساً، وضع نصاً بديلاً»؟!،
بالطبع لا، لذلك قلت إنه فرق منهج وآلية، بين علم ومعرفة، نأتى إلى الطب نفسه كعلم، هناك فرق بين نقد علمى مبنى على أدلة، وبين منع الإنسولين أو تحريض الناس ضد الأدوية بدون دليل، أو منع الناس من الفراخ بحجة أنها «تسبب رعباً لمن يأكلها»!، أنت من حقك أن تنتقد الطب ونظامه، وفى الغرب بالفعل ينتقدون رأسمالية الطب والتصنيف الطبقى للمرض، ويدخلون معارك مع شركات الأدوية للاهتمام بالفقراء، ويهاجمون نظم التأمين الصحى البطيئة، وكثرة الاعتماد على الآلة.. إلخ، لكن لكى تنتقد نظام الأدوية كله، وتقرر إلقاءه فى سلة القمامة، لابد أن تقدم بديلاً يخضع للتجربة والإحصاء والدراسات، لكن أن تقول لمريض سكر: «سيبك من الإنسولين، وأدوية الضغط اللى بتموتك»، فهذا ليس رأياً فكرياً، بل تعريض مباشر لإنسان للغيبوبة والموت والجلطات وبتر الساق والعمى... إلخ.
نفلا عن المصرى اليوم





