1 ـ نَنشُرُ عَلَى (3) ثَلَاثَةِ أَجْزَاءٍ مَوْضُوعَ:

 ✍️ الِأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طُوسْ...

الجُزْءُ الأَوَّلُ:
أَمَامَ انْقِسَامَاتِ الكَنِيسَةِ وَمُحَاوَلَاتِ الوَحْدَةِ وَالإِشْكَالِيَّاتِ وَالصُّعُوبَاتِ
نَحْنُ المُؤْمِنِينَ بِالمَسِيحِ أَمَامَ انْقِسَامَاتِ الكَنِيسَةِ وَمُحَاوَلَاتِ الوَحْدَةِ
بِقَلَمِ: ✍️ الِأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طُوسْ...
دِرَاسَةٌ مُحَايِدَةٌ وَتَارِيخِيَّةٌ وَلَاهُوتِيَّةٌ وَكِتَابِيَّةٌ وَمَجْمَعِيَّةٌ وَآبَائِيَّةٌ وَرُوحِيَّةٌ وَنَفْسِيَّةٌ وَاجْتِمَاعِيَّةٌ.
مُقَدِّمَةٌ:

  إِنَّ انْقِسَامَاتِ الكَنِيسَةِ هِيَ جُرْحٌ عَمِيقٌ يَنْزِفُ فِي جَسَدِ المَسِيحِ عَلَى مَرِّ التَّارِيخِ، جُرْحٌ لَمْ يُشْفَ بَعْدُ بِسَبَبِ ضَعْفِنَا البَشَرِيِّ وَتَعَصُّبِنَا وَخَوْفِنَا وَصِرَاعَاتِنَا الدَّاخِلِيَّةِ. وَكُلَّمَا رَفَضْنَا دَعْوَةَ الرَّبِّ إِلَى الوَحْدَةِ وَالمَحَبَّةِ، كُلَّمَا زِدْنَا هٰذَا الجُرْحَ اتِّسَاعًا وَعُمْقًا، فَيَسِيلُ أَلَمُ التَّفَرُّقِ بَيْنَنَا وَيُثْقِلُ شَهَادَتَنَا أَمَامَ العَالَمِ.

  فَالِانْقِسَامُ لَيْسَ مُجَرَّدَ اخْتِلَافٍ فِي الرَّأْيِ، بَلْ هُوَ جِرَاحٌ رُوحِيَّةٌ تُصِيبُ وَحْدَةَ الجَسَدِ الكَنَسِيِّ، وَتُضْعِفُ صَوْتَ الإِنْجِيلِ فِي حَيَاتِنَا. وَعِنْدَمَا تَتَحَوَّلُ الخِلَافَاتُ إِلَى إِدَانَاتٍ مُتَبَادَلَةٍ، وَالتَّفَاهُمُ إِلَى رَفْضٍ، فَإِنَّنَا نُشْرِكُ جَرْحَ المَحَبَّةِ بَدَلَ أَنْ نَكُونَ أَدَوَاتِ شِفَاءٍ وَبِنَاءٍ.

  وَلِذٰلِكَ نَحْتَاجُ إِلَى رُجُوعٍ صَادِقٍ إِلَى قَلْبِ الإِنْجِيلِ، حَيْثُ يُدْعَى كُلُّ مُؤْمِنٍ إِلَى المَحَبَّةِ وَالغُفْرَانِ وَالتَّوَاضُعِ، لِكَيْ تَتَحَوَّلَ جُرُوحُ الِانْقِسَامِ إِلَى بَذُورِ رَجَاءٍ وَوَحْدَةٍ فِي المَسِيحِ.

وَفِي هٰذِهِ المُقَدِّمَةِ
  نَطْرَحُ أَسْئِلَةً جَوْهَرِيَّةً وَمُهِمَّةً وَعَمِيقَةً لِفَحْصِ الضَّمِيرِ أَمَامَ اللهِ وَالذَّاتِ وَالنَّاسِ وَالتَّارِيخِ.
1 ـ لِمَاذَا الِانْقِسَامَاتُ وَالفُرْقَةُ وَالكَرَاهِيَةُ وَالتَّعَصُّبُ؟
2 ـ لِمَاذَا يَتَحَمَّلُ المُؤْمِنُونَ بِالمَسِيحِ اخْتِلَافَاتِ قَادَةِ الكَنَائِسِ وَانْقِسَامَاتِ الكَنِيسَةِ عَبْرَ الأَجْيَالِ؟
3 ـ لِمَاذَا يَدْفَعُ المُؤْمِنُونَ بِالمَسِيحِ البُسَطَاءُ الثَّمَنَ فِي أَشْيَاءَ لَا نَاقَةَ لَهُمْ فِيهَا وَلَا جَمَلَ؟
4 ـ بِمَاذَا تُفِيدُ كُلُّ هٰذِهِ الخِلَافَاتِ وَالصِّرَاعَاتِ وَالجَوْهَرُ وَالإِيمَانُ فِي عُمْقِهِ وَاحِدٌ؟
5 ـ لِمَاذَا يَخْتَلِفُ قَادَةُ الكَنَائِسِ وَهُمْ خُدَّامٌ فِيهَا، وَلَا يَمْلِكُونَ فِيهَا شَيْئًا، وَالمَالِكُ الوَحِيدُ لَهَا هُوَ الرَّبُّ الَّذِي أَسَّسَ هٰذِهِ الكَرْمَةَ وَهُمْ فَقَطْ فَاعِلُونَ؟
6 ـ بِمَاذَا سَيُجِيبُونَ عِنْدَمَا يُطْلَبُ مِنْهُمْ إِعْطَاءُ حِسَابِ الوَكَالَةِ؟
7 ـ وَمَاذَا سَيَكُونُ إِجَابَتُهُمْ؟ دَفَنَّا الوَزْنَةَ! (مت 25: 18).
8 ـ مَاذَا سَيَقُولُ الرَّبُّ لَهُمْ؟
9 ـ هَلْ سَيَقُولُونَ: طُفْنَا البَحْرَ وَالبَرَّ وَأَتَيْنَا بِهِمْ وَجَعَلْنَاهُمْ أَوْلَادَ جَهَنَّمَ؟
  "وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الكَتَبَةُ وَالفَرِّيسِيُّونَ المُرَاؤُونَ! لأَنَّكُمْ تَطُوفُونَ البَحْرَ وَالبَرَّ لِتَكْسَبُوا دَخِيلًا وَاحِدًا، وَمَتَى حَصَلَ تَصْنَعُونَهُ ابْنًا لِجَهَنَّمَ أَكْثَرَ مِنْكُمْ مُضَاعَفًا." (مت 23: 15).

  فِي حِينَ إِرَادَةِ الرَّبِّ: المَحَبَّةُ وَالوَحْدَةُ وَالإِيمَانُ وَالرَّجَاءُ وَالخَلَاصُ وَالحُرِّيَّةُ وَالتَّنَوُّعُ وَالِانْفِتَاحُ... لِلْبَشَرِيَّةِ وَلِكُلِّ إِنْسَانٍ، بَعِيدًا عَنِ الكُرْهِ وَالتَّعَصُّبِ وَالِانْقِسَامَاتِ وَالخُصُومَاتِ...

  وَالرَّبُّ صَلَّى قَائِلًا: "لِيَكُونَ الجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا وَاحِدًا فِينَا، لِيُؤْمِنَ العَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي." (يو 17: 21).
  "جَسَدٌ وَاحِدٌ، وَرُوحٌ وَاحِدٌ، كَمَا دُعِيتُمْ أَيْضًا فِي رَجَاءِ دَعْوَتِكُمُ الوَاحِدِ. رَبٌّ وَاحِدٌ، إِيمَانٌ وَاحِدٌ، مَعْمُودِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، إِلَهٌ وَآبٌ وَاحِدٌ لِلْكُلِّ، الَّذِي عَلَى الكُلِّ وَبِالكُلِّ وَفِي كُلِّكُمْ." (أف 4: 4 ـ 6).

فَأَمَامَ هٰذِهِ النُّصُوصِ نَقِفُ لِنَتَأَمَّلَ
  فِي رِسَالَةِ القِدِّيسِ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ أَفَسُسَ (أف 2: 13 ـ 19). وَحَّدَ الرَّبُّ الإِلَهُ إِسْرَائِيلَ وَالأُمَمَ،
  وَفِي إِنْجِيلِ الرَّبِّ يَسُوعَ الَّذِي كَتَبَهُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا (يو 17: 1 ـ 26) صَلَّى الرَّبُّ لِأَجْلِ الكَنِيسَةِ أَيْ التَّلَامِيذِ وَالمُؤْمِنِينَ مَعًا.
  وَفِي رِسَالَةِ القِدِّيسِ بُولُسَ الرَّسُولِ إِلَى أَهْلِ أَفَسُسَ (أف 4: 1 ـ 32) وَضَعَ بُولُسُ الرَّسُولُ خَارِطَةَ طَرِيقٍ لِلْكَنِيسَةِ وَكَيْفَ تُعَاشُ الوَحْدَةُ المَسِيحِيَّةُ بِتُرَاثِهَا وَمَوَاهِبِهَا وَتَنَوُّعِهَا بِغِنَاهَا الرُّوحِيِّ وَالطُّقْسِيِّ وَاللُّغَوِيِّ شَرْقًا وَغَرْبًا وَشَمَالًا وَجَنُوبًا.

وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ تَأْتِي هٰذِهِ الأَسْئِلَةُ
فِي الكَنَائِسِ، 1 ـ مَنْ يَسْتَطِيعُ لِوَحْدِهِ أَنْ يَمْتَلِكَ مَفَاتِيحَ مَلَكُوتِ اللهِ؟
فِي الكَنَائِسِ، 2 ـ مَنْ يَسْتَطِيعُ لِوَحْدِهِ أَنْ يَحْتَكِرَ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ؟
فِي الكَنَائِسِ، 3 ـ مَنْ يَسْتَطِيعُ لِوَحْدِهِ سُلْطَةَ التَّعْلِيمِ؟
فِي الكَنَائِسِ، 4 ـ مَنْ يَسْتَطِيعُ لِوَحْدِهِ التَّحَكُّمَ فِي الأَسْرَارِ المُقَدَّسَةِ وَأَسْرَارِهَا؟
فِي الكَنَائِسِ، 5 ـ مَنْ يَسْتَطِيعُ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الأُسَرِ وَالعَائِلَاتِ وَالأَحِبَّاءِ وَيَعْمَلُ عَلَى التَّفْرِقَةِ وَالكُرْهِ وَالنُّفُورِ وَالبُعْدِ؟

الجَوَابُ: 
  هُمْ أَصْحَابُ النُّفُوسِ المَرِيضَةِ وَغَيْرُ السَّوِيَّةِ وَالجُهَّالُ وَأَنْصَافُ المُتَعَلِّمِينَ وَيَلْبَسُونَ ثَوْبَ البِرِّ وَالتَّقْوَى وَالعِلْمِ... وَهُمْ فِي الحَقِيقَةِ هَوَاءٌ دُخَانٌ وَعُوَنٌ لِإِبْلِيسَ وَأَعْوَانِهِ وَجُنُودِهِ.
6 ـ كَيْفَ لَا يَتَوَحَّدُ المَسِيحِيُّونَ وَهُمْ جَمِيعًا فِي المَسِيحِ، وَرَغْمَ إِيمَانِهِمْ بِالكِتَابِ المُقَدَّسِ وَشَخْصِ الرَّبِّ يَسُوعَ، وَالتَّجَسُّدِ، وَحَيَاةِ المَسِيحِ المُعَلِّمِ الصَّالِحِ الَّذِي كَانَ يَجُولُ يَصْنَعُ خَيْرًا، وَبِكُلِّ مُعْجِزَاتِهِ وَآلَامِهِ وَصَلْبِهِ وَمَوْتِهِ وَقِيَامَتِهِ وَفِدَائِيَّتِهِ وَخَلَاصِهِ لَنَا نَحْنُ المَسِيحِيِّينَ...؟
7 ـ لِمَاذَا الِانْقِسَامَاتُ وَالفُرْقَةُ وَالكَرَاهِيَةُ وَالتَّعَصُّبُ؟
8 ـ فَكَيْفَ لَا نَتَوَحَّدُ؟
9 ـ لِمَاذَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا مُتَعَصِّبٌ لِطَائِفَتِهِ وَيَنْغَلِقُ عَلَيْهَا؟
10 ـ َلِمَاذَا هٰذَا التَّشَرْذُمُ؟
11 ـ لِمَاذَا الكَرَاهِيَةُ؟
12 ـ لِمَاذَا رَفْضُ دَعَوَاتِ الكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ لِأَجْلِ الوَحْدَةِ بَيْنَ المَسِيحِيِّينَ؟
13 ـ لِمَاذَا يَتِمُّ التَّجَاهُلُ لِكُلِّ النِّدَاءَاتِ وَالمَسَاعِي الَّتِي تَقُومُ بِهَا الكَنِيسَةُ الكَاثُولِيكِيَّةُ لِأَجْلِ وَحْدَةِ الكَنِيسَةِ؛ وَالَّتِي مِنْ أَجْلِهَا صَلَّى الرَّبُّ يَسُوعُ فِي يُوحَنَّا (يو 17: 1 ـ 26): "لِيَكُونَ الجَمِيعُ وَاحِدًا..."؟
14 ـ أَلَيْسَ هٰذَا أَلَمًا مُسْتَمِرًّا وَصَلْبًا جَدِيدًا لِلْمَسِيحِ؟
15 ـ فَلِمَاذَا نَصْلِبُ المَسِيحَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ جَدِيدٍ؟
16 ـ مَنْ الَّذِي يَدْفَعُ ثَمَنَ الِانْقِسَامَاتِ فِي الكَنِيسَةِ؟

المُقَدِّمَةُ:
  يَبْقَى الِانْقِسَامُ المَسِيحِيُّ وَاحِدًا مِنْ أَعْمَقِ الجُرُوحِ الَّتِي تُؤْلِمُ جَسَدَ المَسِيحِ عَلَى الأَرْضِ. فَبَيْنَمَا جَاءَ الرَّبُّ يَسُوعُ المَسِيحُ لِيُحَطِّمَ أَسْوَارَ العَدَاوَةِ وَيَجْمَعَ المُتَفَرِّقِينَ فِي وَحْدَةِ المَحَبَّةِ، نَجِدُ أَنَّ الكَنِيسَةَ المَسِيحِيَّةَ عَبْرَ التَّارِيخِ قَدْ عَرَفَتِ الِانْقِسَامَاتِ وَالصِّرَاعَاتِ وَالخِلَافَاتِ الَّتِي مَزَّقَتْ جَسَدَ المَسِيحِ وَأَضْعَفَتْ شَهَادَتَهَا أَمَامَ العَالَمِ.
  فَالرَّبُّ يَسُوعُ لَمْ يُصَلِّ مِنْ أَجْلِ كَنَائِسَ مُتَنَاحِرَةٍ، بَلْ صَلَّى قَائِلًا: "«لِيَكُونَ الجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ»" (يُو 17: 21).

  وَالقِدِّيسُ بُولُسُ الرَّسُولُ أَعْلَنَ بِوُضُوحٍ أَنَّ المَسِيحَ «هُوَ سَلَامُنَا، الَّذِي جَعَلَ الِاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ المُتَوَسِّطَ» (أَف 2: 14). وفي رسالته لكنيسة أو أهل أفسس (4: 1 ـ 32)، كخريطة طريقٍ للوحدة وحياة الكنيسة التي يريدها الرب القائم والمنتصر.

  فَإِذَا كَانَ المَسِيحُ قَدْ وَحَّدَ اليَهُودَ وَالأُمَمَ، وَهَدَمَ حَوَاجِزَ العَدَاوَةِ، فَكَيْفَ بَقِيَ المَسِيحِيُّونَ مُنْقَسِمِينَ؟ * ـ كَيْفَ تَحَوَّلَتِ الكَنِيسَةُ أَحْيَانًا مِنْ أَيْقُونَةِ وَحْدَةٍ إِلَى مَيْدَانِ صِرَاعٍ وَتَعَصُّبٍ وَإِدَانَةٍ مُتَبَادَلَةٍ؟

إِنَّهُ سُؤَالٌ مُؤْلِمٌ، وَلٰكِنَّهُ ضَرُورِيٌّ.

ـ علاج انقسامات الكنيسة والوحدة الكنسية:
  علاج انقسامات الكنيسة والوحدة الكنسية ليست بالأمر الهين وليست سهلة، فلا يُحَلُّ في مقالة أو موضوع يُنْشَرُ.
  فَمَا تَمَّ عَبْرَ تَارِيخٍ طَوِيلٍ مُؤْلِمٍ مُدَّتُهُ أَكْثَرُ مِنْ 1775 سَنَةً مُنْذُ سَنَةِ 451 مِيلَادِيَّةً وَرُبَّمَا قَبْلَ ذٰلِكَ بِسَنَوَاتٍ إِلَى عَامِ 2026 سَنَةً.
  وَقَبْلَ عَامِ 451 مِيلَادِيَّةً، كَانَتْ هُنَاكَ مُنْذُ بَدَايَةِ الكَنِيسَةِ بِدْعَةُ "المُتَهَوِّدِينَ" (Judaizers) أَوَّلُ خِلَافٍ لَاهُوتِيٍّ وَحِوَارٍ عَمَلِيٍّ شَهِدَتْهُ الكَنِيسَةُ الأُولَى فِي العَصْرِ الرَّسُولِيِّ (القَرْنِ الأَوَّلِ المِيلَادِيِّ). وَلٰكِنَّ الرُّسُلَ حَلُّوا هٰذِهِ البِدَعَ بِالصَّلَاةِ وَالتَّوَاضُعِ وَالحِوَارِ البَنَّاءِ تَحْتَ ضَوْءِ وَإِرْشَادِ الرُّوحِ القُدُسِ، رَغْمَ الخِلَافَاتِ فِي وَجْهَاتِ النَّظَرِ وَالمُصْطَلَحَاتِ وَالفِكْرِ، فَكَانَ كُلُّ مِنَ القِدِّيسِ بُطْرُسَ وَالقِدِّيسِ بُولُسَ الرَّسُولِ وَالقِدِّيسِ بَرْنَابَا وَالقِدِّيسِ يَعْقُوبَ وَبَاقِي جَمِيعِ الرُّسُلِ خَاضِعِينَ لِرُوحِ اللهِ مُسْتَحْضِرِينَ الرَّبَّ فِي وَسَطِهِمْ.

  فَكَانَتْ أَوَّلُ بِدْعَةٍ وَهَرْطَقَةٍ (المُتَهَوِّدُونَ وَالغُنُوصِيَّةُ):
ـ المُتَهَوِّدُونَ:

  هِيَ أَوَّلُ "فِكْرٍ مُخَالِفٍ" ظَهَرَ دَاخِلَ الكَنِيسَةِ، حَيْثُ نَادَى مَسِيحِيُّونَ مِنْ أَصْلٍ يَهُودِيٍّ بِضَرُورَةِ الخِتَانِ وَالِالْتِزَامِ بِشَرِيعَةِ مُوسَى كَشَرْطٍ لِلْخَلَاصِ بِجَانِبِ الإِيمَانِ بِالمَسِيحِ.

ـ الغُنُوصِيَّةُ:
  ظَهَرَتْ بُذُورُهَا فِي وَقْتٍ مُبَكِّرٍ جِدًّا (نِهَايَةِ القَرْنِ الأَوَّلِ)، وَهِيَ هِرْطَقَةٌ فَلْسَفِيَّةٌ خَلَطَتْ بَيْنَ المَسِيحِيَّةِ وَالأَسَاطِيرِ، وَأَنْكَرَتْ حَقِيقَةَ تَجَسُّدِ المَسِيحِ المَادِّيِّ.
1 ـ أَوَّلُ صِرَاعٍ رَسْمِيٍّ (مَجْمَعُ أُورُشَلِيمَ):

أَدَّى فِكْرُ "المُتَهَوِّدِينَ" إِلَى أَوَّلِ صِدَامٍ كَبِيرٍ بَيْنَ التَّلَامِيذِ وَالرُّسُلِ (خَاصَّةً بُولُسَ وَبَرْنَابَا ضِدَّ المُتَمَسِّكِينَ بِالنَّامُوسِ)، مِمَّا اسْتَدْعَى عَقْدَ مَجْمَعِ أُورُشَلِيمَ (سَنَةَ 50م تَقْرِيبًا)، وَهُوَ أَوَّلُ مَجْمَعٍ كَنَسِيٍّ لِلْفَصْلِ فِي هٰذَا النِّزَاعِ، وَانْتَهَى بِرَفْضِ إِلْزَامِ الأُمَمِ (غَيْرِ اليَهُودِ) بِالخِتَانِ.

  وَأَرَدْتُ بِهٰذَا السَّرْدِ لِمَجْمَعِ أُورُشَلِيمَ لِكَيْ نَفْهَمَ جَمِيعًا وَنَعِيَ فِي وَاقِعِنَا الحَاضِرِ وَالمُعَاصِرِ كَيْفَ يَكُونُ خُدَّامُ الرَّبِّ وَالقَادَةُ الكَنَسِيُّونَ وَصِفَاتُهُمْ وَرُوحُهُمْ وَفِكْرُهُمْ وَلُغَةُ حِوَارِهِمْ... لَعَلَّنَا نَتَعَلَّمُ وَنُفَكِّرُ وَنُقَرِّرُ وَنَعْمَلُ وَنُنْجِزُ لِأَجْلِ وَحْدَةِ الكَنِيسَةِ.

هذه السَّرْدُ مُسْتَنِدٌ فَقَطْ إِلَى "أَعْمَالِ الرُّسُلِ 15"؛ فَكَانَ مَجْمَعُ أُورُشَلِيمَ كَالآتي:
  جَاءَ فِي سِفْرِ أَعْمَالِ الرُّسُلِ الإِصْحَاحُ 15، الَّذِي يُوَثِّقُ أَوَّلَ صِرَاعٍ رَسْمِيٍّ (مَجْمَعَ أُورُشَلِيمَ) سَنَةَ 50/51م تَقْرِيبًا، نُورِدُ الإِجَابَةَ كَمَا يَلِي:
أ ـ أُسْقُفُ أُورُشَلِيمَ وَرَئِيسُ المَجْمَعِ
  كَانَ يَعْقُوبُ (أَخُو الرَّبِّ) هُوَ أُسْقُفُ أُورُشَلِيمَ وَرَئِيسُ المَجْمَعِ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ لَهُ الكَلِمَةُ الفَصْلُ فِي إِدَارَةِ الجَلْسَةِ وَالوُصُولِ إِلَى القَرَارِ النِّهَائِيِّ.

ب ـ تَسَلْسُلُ الآرَاءِ فِي المَجْمَعِ (أَعْمَال 15).

2 ـ رُوحُ المُبَاحَثَاتِ وَالحِوَارِ وَالنَّتِيجَةُ:
  حَدَثَتْ مُبَاحَثَةٌ كَثِيرَةٌ بَيْنَ المُتَهَوِّدِينَ (الَّذِينَ طَالَبُوا بِخِتَانِ الأُمَمِ) وَبُولُسَ وَبَرْنَابَا، وَجَاءَتِ الآرَاءُ كَالآتي:
أ ـ رَأْيُ بُطْرُسَ الرَّسُولِ (أَعْمَال 15: 7-11): قَامَ بُطْرُسُ وَذَكَّرَ الجَمِيعَ بِأَنَّ اللهَ اخْتَارَهُ قَدِيمًا لِيُبَشِّرَ الأُمَمَ (كَرْنِيلِيُوسَ)، وَأَنَّ اللهَ "لَا يُفَرِّقُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ فِي شَيْءٍ، إِذْ طَهَّرَ بِالإِيمَانِ قُلُوبَهُمْ". وَأَكَّدَ أَنَّ خَلَاصَ الأُمَمِ يَكُونُ بِـ "نِعْمَةِ الرَّبِّ يَسُوعَ" مِثْلَ اليَهُودِ، "لَا نَضَعُ عَلَى الأُمَمِ ثِقَلًا لَا نُطِيقُهُ".
ب ـ رَأْيُ بُولُسَ وَبَرْنَابَا (أَعْمَال 15: 12): سَكَتَ الجَمِيعُ وَاسْتَمَعُوا لِبُولُسَ وَبَرْنَابَا وَهُمَا يُخْبِرَانِ بِـ "جَمِيعِ مَا صَنَعَ اللهُ مِنَ الآيَاتِ وَالعَجَائِبِ فِي الأُمَمِ بِوَاسِطَتِهِمَا" (أَعْمَال 15: 12)، تَأْكِيدًا عَلَى أَنَّ الأُمَمَ قَبِلُوا الإِيمَانَ وَالرُّوحَ القُدُسَ دُونَ خِتَانٍ.
ج ـ رَأْيُ يَعْقُوبَ (حَاسِمُ الأَمْرِ) (أَعْمَال 15: 13-21): بَعْدَمَا سَكَتُوا، أَجَابَ يَعْقُوبُ قَائِلًا: "أَيُّهَا الرِّجَالُ الإِخْوَةُ اسْمَعُونِي"، وَبَنَى رَأْيَهُ عَلَى نَبَوَاتِ العَهْدِ القَدِيمِ، مُؤَكِّدًا أَنَّ اللهَ افْتَقَدَ الأُمَمَ، وَقَالَ: "لِذٰلِكَ أَنَا أَرَى أَنْ لَا يُثَقَّلَ عَلَى الَّذِينَ يَرْجِعُونَ إِلَى اللهِ مِنَ الأُمَمِ".

مَنْ حَسَمَ الأَمْرَ وَأَوْقَفَ الصِّرَاعَ؟
  حَسَمَ الأَمْرَ يَعْقُوبُ الرَّسُولُ (أُسْقُفُ أُورُشَلِيمَ) بِاقْتِرَاحِ حَلٍّ وَسَطٍ يَرْفَعُ الثِّقَلَ عَنِ الأُمَمِ مَعَ الحِفَاظِ عَلَى آدَابِ التَّعَامُلِ، وَهُوَ مَا وَافَقَ عَلَيْهِ الرُّسُلُ وَالشُّيُوخُ، وَصَدَرَ القَرَارُ بِاسْمِ الرُّوحِ القُدُسِ وَالرُّسُلِ (أَعْمَال 15: 28) "بِأَلَّا يُوضَعَ عَلَيْهِمْ ثِقَلٌ أَكْثَرُ غَيْرُ هٰذِهِ الأَشْيَاءِ الوَاجِبَةِ: أَنْ يَمْتَنِعُوا عَمَّا ذُبِحَ لِلأَصْنَامِ، وَعَنِ الدَّمِ، وَالمَخْنُوقِ، وَالزِّنَا".

أَمَامَ انْقِسَامَاتِ الكَنِيسَةِ الوَاحِدَةِ المُقَدَّسَةِ الجَامِعَةِ الرَّسُولِيَّةِ
أولا: مَن يَدْفَعُ ثَمَنَ الِانْقِسَامَاتِ فِي الكَنِيسَةِ؟

  الَّذِي يَدْفَعُ ثَمَنَ الِانْقِسَامَاتِ فِي الكَنِيسَةِ هِيَ الكَنِيسَةُ نَفْسُهَا؛ الكَنِيسَةُ الوَاحِدَةُ الجَامِعَةُ المُقَدَّسَةُ الرَّسُولِيَّةُ، فِي المُؤْمِنُونَ البُسَطَاءُ الصَّالِحُونَ وَالقِدِّيسُونَ، الَّذِينَ هُمْ عَامَّةُ الشَّعْبِ الَّذِي يَعِيشُ حَيَاتَهُ مُؤْمِنًا بِالمَسِيحِ وَسَطَ العَالَمِ المُتَصَارِعِ، مُكَافِحًا وَرَاءَ لُقْمَةِ عَيْشِهِ وَتَرْبِيَةِ أَوْلَادِهِ بِضَمِيرٍ وَبِمَخَافَةِ اللهِ.

  فَجُرْحٌ مُسْتَمِرٌّ فِي الجَسَدِ السِّرِّيِّ لِلمَسِيحِ، فَالكَنِيسَةُ النَّازِفَةُ تَعِيشُ بَيْنَ دَعْوَةِ المَسِيحِ إِلَى الوَحْدَةِ وَوَاقِعِ التَّشَرْذُمِ وَالتَّعَصُّبِ وَالكَرَاهِيَةِ وَأَخْطَاءِ التَّارِيخِ الَّتِي صَنَعَهَا قَادَتُهَا بِسَبَبِ جَهْلِهِمْ لِرُوحِ وَفَهْمِ إِرَادَةِ المَسِيحِ الوَاضِحَةِ وَالمُتَجَلِّيَةِ فِي الإِنْجِيلِ وَتَعَالِيمِهِ، وَبِسَبَبِ جَهْلِهِمُ الشَّخْصِيِّ وَحُدُودِ ثَقَافَتِهِمْ وَتَفْسِيرَاتِهِمْ بَعِيدًا عَنِ التَّعَالِيمِ الصَّحِيحَةِ المَوْرُوثَةِ فِي الكِتَابِ المُقَدَّسِ وَعِلْمِ الآبَاءِ، وَبِسَبَبِ كِبْرِيَائِهِمْ وَغَطْرَسَتِهِمْ وَحِقْدِهِمْ وَخَوْفِهِمْ.

  تَبْقَى الِانْقِسَامَاتُ المَسِيحِيَّةُ وَاحِدَةً مِنْ أَعْمَقِ الجُرُوحِ الَّتِي تُؤْلِمُ جَسَدَ المَسِيحِ عَلَى الأَرْضِ. فَبَيْنَمَا جَاءَ الرَّبُّ يَسُوعُ المَسِيحُ لِيُحَطِّمَ أَسْوَارَ العَدَاوَةِ وَيَجْمَعَ المُتَفَرِّقِينَ فِي وَحْدَةِ المَحَبَّةِ، نَجِدُ أَنَّ الكَنِيسَةَ المَسِيحِيَّةَ عَبْرَ التَّارِيخِ قَدْ عَرَفَتِ الِانْقِسَامَاتِ وَالصِّرَاعَاتِ وَالخِلَافَاتِ الَّتِي مَزَّقَتْ جَسَدَ المَسِيحِ وَأَضْعَفَتْ شَهَادَتَهَا أَمَامَ العَالَمِ.

  فَالرَّبُّ يَسُوعُ لَمْ يُصَلِّ مِنْ أَجْلِ كَنَائِسَ مُتَنَاحِرَةٍ، بَلْ صَلَّى قَائِلًا: "«لِيَكُونَ الجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ»" (يُو 17: 21).

  وَالقِدِّيسُ بُولُسُ الرَّسُولُ أَعْلَنَ بِوُضُوحٍ أَنَّ المَسِيحَ «هُوَ سَلَامُنَا، الَّذِي جَعَلَ الِاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ المُتَوَسِّطَ» (أَف 2: 14).

  فَإِذَا كَانَ المَسِيحُ قَدْ وَحَّدَ اليَهُودَ وَالأُمَمَ، وَهَدَمَ حَوَاجِزَ العَدَاوَةِ، 

ـ فَكَيْفَ بَقِيَ المَسِيحِيُّونَ مُنْقَسِمِينَ؟
ـ وَكَيْفَ تَحَوَّلَتِ الكَنِيسَةُ أَحْيَانًا مِنْ أَيْقُونَةِ وَحْدَةٍ إِلَى مَيْدَانِ صِرَاعٍ وَتَعَصُّبٍ وَإِدَانَةٍ مُتَبَادَلَةٍ؟
ـ وَلِمَاذَا اسْتَمَرَّتِ الِانْقِسَامَاتُ؟
إِنَّهَا أَسْئِلَةٌ مُؤْلِمَةٌ، وَلٰكِنَّهَا ضَرُورِيَّةٌ.

  إِنَّ وَحْدَةَ الكَنِيسَةِ لَيْسَتْ حُلْمًا بَشَرِيًّا أَوْ مَشْرُوعًا سِيَاسِيًّا، بَلْ هِيَ صَلَاةُ المَسِيحِ وَإِرَادَتُهُ وَوَصِيَّتُهُ. فَالرَّبُّ يَسُوعُ قَبْلَ آلَامِهِ لَمْ يَطْلُبْ مِنَ الآبِ الغِنَى أَوِ القُوَّةَ لِتَلَامِيذِهِ، بَلْ طَلَبَ الوَحْدَةَ: "«لِيَكُونَ الجَمِيعُ وَاحِدًا»" (يُو 17: 21).

وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ كُلَّ جُهْدٍ يُبْذَلُ مِنْ أَجْلِ الوَحْدَةِ هُوَ اشْتِرَاكٌ فِي صَلَاةِ المَسِيحِ نَفْسِهِ.

  وَالكَنِيسَةُ الكَاثُولِيكِيَّةُ، خَاصَّةً مُنْذُ المَجْمَعِ الفَاتِيكَانِيِّ الثَّانِي، أَعْلَنَتْ بِوُضُوحٍ أَنَّ الِانْقِسَامَ جُرْحٌ فِي جَسَدِ المَسِيحِ، وَأَنَّ الوَحْدَةَ لَا تَتَحَقَّقُ بِالإِجْبَارِ، بَلْ بِالمَحَبَّةِ وَالحِوَارِ وَالتَّوَاضُعِ وَالغُفْرَانِ.

ثانيا: الِانْقِسَامُ لَيْسَ مِنَ المَسِيحِ بَلْ مِنَ الإِنْسَانِ
  المَسِيحُ لَمْ يُؤَسِّسْ كَنِيسَةً مُنْقَسِمَةً، وَلَمْ يَزْرَعْ فِي تَعَالِيمِهِ أُسُسَ الكَرَاهِيَةِ أَوِ التَّعَصُّبِ. بَلْ كَانَ يُعَلِّمُ المَحَبَّةَ وَالغُفْرَانَ وَالتَّوَاضُعَ وَقَبُولَ الآخَرِ.
  لٰكِنَّ الِانْقِسَامَ دَخَلَ إِلَى حَيَاةِ الكَنِيسَةِ حِينَ دَخَلَ الإِنْسَانُ بِضَعْفِهِ وَكِبْرِيَائِهِ وَأَطْمَاعِهِ وَرَغْبَتِهِ فِي السُّلْطَةِ وَالسَّيْطَرَةِ.
ـ كَثِيرًا مَا كَانَتِ العَقِيدَةُ تُسْتَخْدَمُ كَغِطَاءٍ لِصِرَاعَاتٍ بَشَرِيَّةٍ أَعْمَقَ.
  فالكَثِيرُ مِنَ الِانْقِسَامَاتِ لَمْ تَكُنْ فِي جَوْهَرِهَا لَاهُوتِيَّةً فَقَطْ، بَلْ اخْتَلَطَتْ فِيهَا السِّيَاسَةُ بِالدِّينِ، وَاخْتِلَاطُ القَوْمِيَّاتِ بِالإِيمَانِ، فَكَثِيرًا مَا ارْتَبَطَتِ الكَنِيسَةُ بِالهُوِيَّةِ القَوْمِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ، وَالكِبْرِيَاءُ بِالعَقِيدَةِ، وَالتَّارِيخُ بِالجُرُوحِ، وَالخَوْفُ بِالتَّعَصُّبِ.

1 ـ أسباب أَزْمَةِ الوَحْدَةِ الكَنَسِيَّةِ وَتَطَوُّرِ الِانْقِسَامَاتِ فِي التَّارِيخِ المَسِيحِيِّ:
أ ـ تَصَاعُدِ الخِلَافَاتِ بَيْنَ الشَّرْقِ وَالغَرْبِ.
ب ـ دَوْرِ السِّيَاسَةِ وَالسُّلْطَةِ وَالنُّفُوذِ فِي تَعْمِيقِ الِانْقِسَامِ.
ج ـ اخْتِلَاطِ العَوَامِلِ القَوْمِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ بِالخِلَافَاتِ اللَّاهُوتِيَّةِ.
د ـ تَأَثُّرِ الشُّعُوبِ وَالحَيَاةِ الرُّوحِيَّةِ بِالنِّزَاعَاتِ الكَنَسِيَّةِ.
هـ ـ ضَعْفِ الشَّهَادَةِ المَسِيحِيَّةِ أَمَامَ العَالَمِ بِسَبَبِ التَّشَرْذُمِ.
و ـ مَحَاوَلَاتِ الحِوَارِ وَالمُصَالَحَةِ مِنْ أَجْلِ اسْتِعَادَةِ الوَحْدَةِ.
  التَّأْكِيدِ أَنَّ جَوْهَرَ رِسَالَةِ المَسِيحِ هُوَ المَحَبَّةُ وَالوَحْدَةُ، وَأَنَّ الكِبْرِيَاءَ البَشَرِيَّ وَالصِّرَاعَ عَلَى السُّلْطَةِ كَانَا مِنْ أَهَمِّ أَسْبَابِ الجُرُوحِ الكَنَسِيَّةِ.

2 ـ البُعْدَ التَّارِيخِيَّ وَالإِنْسَانِيَّ لِلِانْقِسَامَاتِ الكَنَسِيَّةِ
وهذه أمثلة توضح لنا لكي نفَهْمَ البُعْدَ التَّارِيخِيَّ وَالإِنْسَانِيَّ لِلِانْقِسَامَاتِ الكَنَسِيَّةِ.
أَمْثِلَةٌ عَلَى ذٰلِكَ:
أ ـ بَعْضُ المَسِيحِيِّينَ فِي الشَّرْقِ رَأَوْا أَنَّ رَفْضَ خَلْقِيدُونِيَّةَ هُوَ دِفَاعٌ عَنْ هُوِيَّتِهِمُ المِصْرِيَّةِ أَوِ السُّرْيَانِيَّةِ ضِدَّ السَّيْطَرَةِ البِيزَنْطِيَّةِ اليُونَانِيَّةِ.
ب ـ فِي أُورُوبَّا، ارْتَبَطَتْ بَعْضُ الكَنَائِسِ بِالقَوْمِيَّاتِ:
فَهُنَاكَ كَنَائِسُ يُونَانِيَّةٌ، وَرُوسِيَّةٌ، وَصِرْبِيَّةٌ، وَأَرْمِينِيَّةٌ، وَغَيْرُهَا.

3 ـ وَهْمُ امْتِلَاكِ الحَقِيقَةِ:
  مِنْ أَخْطَرِ أَسْبَابِ الِانْقِسَامِ، أَنْ يَظُنَّ كُلُّ طَرَفٍ أَنَّهُ يَمْلِكُ الحَقَّ كَامِلًا، وَأَنَّ الآخَرَ فِي ضَلَالٍ مُطْلَقٍ.
وَأَحْيَانًا تَحَوَّلَ الدِّفَاعُ عَنِ الإِيمَانِ إِلَى دِفَاعٍ عَنِ القَوْمِيَّةِ وَالثَّقَافَةِ وَاللُّغَةِ؛ وَاخْتِلَاطُ الكِبْرِيَاءِ بِالعَقِيدَةِ

أَمْثِلَةٌ:
أ ـ التَّبَادُلُ المُتَكَرِّرُ لِأَحْكَامِ الحَرْمِ وَالإِدَانَةِ بَيْنَ الكَنَائِسِ.
ب ـ اسْتِخْدَامُ أَلْقَابٍ قَاسِيَةٍ وَمُهِينَةٍ ضِدَّ الآخَرِ.
ج ـ رَفْضُ الِاعْتِرَافِ بِأَيِّ جَانِبٍ إِيجَابِيٍّ عِنْدَ الطَّرَفِ الآخَرِ.
  وَقَدْ حَذَّرَ الآبَاءُ مِنْ خَطَرِ الكِبْرِيَاءِ الرُّوحِيِّ، لِأَنَّهُ يُفْسِدُ حَتَّى الدِّفَاعَ عَنِ الحَقِّ.
  فَالْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ قَالَ: "«فِي الأُمُورِ الجَوْهَرِيَّةِ وَحْدَةٌ، وَفِي غَيْرِ الجَوْهَرِيَّاتِ حُرِّيَّةٌ، وَفِي كُلِّ شَيْءٍ مَحَبَّةٌ»".

4 ـ اخْتِلَاطُ التَّارِيخِ بِالجُرُوحِ:
  الكَثِيرُ مِنَ الِانْقِسَامَاتِ رغم أنها لَمْ تَكُنْ فِي جَوْهَرِهَا لَاهُوتِيَّةً فَقَطْ، بَلْ اخْتَلَطَتْ فِيهَا التَّارِيخِ بِالجُرُوحِ، فَكَثِيرٌ مِنَ الشُّعُوبِ وَالكَنَائِسِ مَا زَالَتْ تَحْمِلُ جُرُوحَ المَاضِي.

أَمْثِلَةٌ مُؤْلِمَةٌ:
أ ـ اضْطِهَادُ بَعْضِ الكَنَائِسِ لِبَعْضِهَا فِي فَتَرَاتٍ تَارِيخِيَّةٍ.
ب ـ أَحْدَاثُ الحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ وَمَا خَلَّفَتْهُ مِنْ جُرُوحٍ فِي الشَّرْقِ.
ج ـ اضْطِهَادُ بَعْضِ الجَمَاعَاتِ المُخْتَلِفَةِ وَالمُخَالِفَةِ فِي عُصُورٍ مُخْتَلِفَةٍ.
د ـ التَّارِيخُ أَحْيَانًا يَتَحَوَّلُ إِلَى ذَاكِرَةِ أَلَمٍ تُغَذِّي الخَوْفَ وَالرَّفْضَ.

ثالثا: الجُذُورُ التَّارِيخِيَّةُ لِلِانْقِسَامَاتِ
لَمْ تَظْهَرِ الِانْقِسَامَاتُ الكُبْرَى فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، بَلْ تَرَاكَمَتْ عَبْرَ القُرُونِ. فَلَقَدْ شَهِدَ التَّارِيخُ المَسِيحِيُّ:
1 ـ الخِلَافَاتُ اللَّاهُوتِيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ
لَا يَنْبَغِي أَنْ نُنْكِرَ أَنَّ هُنَاكَ خِلَافَاتٍ لَاهُوتِيَّةً حَقِيقِيَّةً وَعَمِيقَةً فِي بَعْضِ القَضَايَا، مِثْلَ:

أ ـ طَبِيعَةِ المَسِيحِ.
ب ـ السُّلْطَةِ الكَنَسِيَّةِ.
ج ـ الأَسْرَارِ السَّبْعِ لِلكَنِيسَةِ.
د ـ بَعْضِ التَّعَالِيمِ العَقَائِدِيَّةِ.
2 ـ الطُّرُقُ الَّتِي تَمَّ بِهَا التَّعَامُلُ مَعَ الخِلَافِ
لٰكِنَّ المُشْكِلَةَ لَيْسَتْ فِي وُجُودِ الخِلَافِ، بَلْ فِي الطُّرُقِ الَّتِي تَمَّ بِهَا التَّعَامُلُ مَعَ الخِلَافِ.

فَبَدَلًا مِنَ الحِوَارِ وَالمَحَبَّةِ، حَدَثَتْ:
أ ـ إِدَانَاتٌ.
ب ـ قَطِيعَةٌ.
ج ـ تَكَفِيرٌ.

3 ـ الصِّرَاعَاتُ بَيْنَ القَادَةِ الدِّينِيِّينَ
الصِّرَاعَاتُ بَيْنَ القَادَةِ الدِّينِيِّينَ، وَبِدَوْرِهِ انْتَقَلَ هٰذَا لِلمُؤْمِنِينَ بِالمَسِيحِ حَيْثُ كُلُّ طَائِفَةٍ تُقَوِّمُ فِكْرَهُمْ وَجَعَلُوا قَادَتَهُمْ يُفَكِّرُونَ بَدَلًا مِنْهُمْ.
أ ـ صِرَاعَاتٍ عَلَى السُّلْطَةِ.
ب ـ اخْتِلَافَاتٍ ثَقَافِيَّةً وَلُغَوِيَّةً. (11)
ج ـ تَدَخُّلَاتٍ سِيَاسِيَّةً مِنَ الأَبَاطِرَةِ وَالمُلُوكِ.

رَابِعًا: أَشْهَرِ هٰذِهِ الِانْقِسَامَاتِ وَأَسْبَابُهَا وَنَتَائِجُهَا وَمَا دَارَ مِنْ لِقَاءَاتٍ وَحِوَارَاتٍ وَتَوْضِيحِ تَفَاهُمٍ
1 ـ الِانْقِسَامُ بَعْدَ مَجْمَعِ خَلْقِيدُونِيَّةَ (451م).
  لَمْ يَكُنِ الخِلَافُ فَقَطْ عَلَى التَّعْبِيرِ اللَّاهُوتِيِّ عَنْ طَبِيعَةِ المَسِيحِ، بَلْ كَانَ هُنَاكَ تَدَخُّلٌ إِمْبِرَاطُورِيٌّ وَاضِحٌ.
  فَالإِمْبِرَاطُورُ مَرْقِيَانُوسُ وَالسُّلْطَةُ البِيزَنْطِيَّةُ أَرَادَا فَرْضَ وَحْدَةٍ سِيَاسِيَّةٍ لِلإِمْبِرَاطُورِيَّةِ مِنْ خِلَالِ وَحْدَةٍ عَقَائِدِيَّةٍ.
  وَعِنْدَمَا رَفَضَتْ بَعْضُ الكَنَائِسِ قَرَارَاتِ المَجْمَعِ، لَمْ يَكُنِ الرَّدُّ لَاهُوتِيًّا فَقَطْ، بَلْ اسْتُخْدِمَتِ القُوَّةُ وَالعَزْلُ وَالنَّفْيُ وَالضَّغْطُ السِّيَاسِيُّ.
فَتَحَوَّلَ الخِلَافُ اللَّاهُوتِيُّ إِلَى أَزْمَةٍ سِيَاسِيَّةٍ وَشَعْبِيَّةٍ وَقَوْمِيَّةٍ.
  تَعْتَبِرُ الكَنِيسَةُ الكَاثُولِيكِيَّةُ مَجْمَعَ خَلْقِيدُونِيَّةَ (451م) المَجْمَعَ المَسْكُونِيَّ الرَّابِعَ وَأَحَدَ أَهَمِّ المَفَاصِلِ التَّارِيخِيَّةِ فِي تَشْكِيلِ العَقِيدَةِ المَسِيحِيَّةِ. بِالنِّسْبَةِ لِلْكَاثُولِيكِ، يَمْثِّلُ هٰذَا المَجْمَعُ انْتِصَارًا لِمَا تَصِفُهُ بِـ «الإِيمَانِ القَوِيمِ» وَمَرْجِعًا نِهَائِيًّا فِي فَهْمِ شَخْصِ المَسِيحِ.

تَتَلَخَّصُ نَظْرَةُ الكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ لِلْمَجْمَعِ فِي النِّقَاطِ التَّالِيَةِ:
أ ـ إِقْرَارُ عَقِيدَةِ «الطَّبِيعَتَيْنِ» (الكِرِيسْتُولُوجِيَا)

تُؤْمِنُ الكَنِيسَةُ الكَاثُولِيكِيَّةُ بِصِحَّةِ مَا أَقَرَّهُ المَجْمَعُ مِنْ أَنَّ السَّيِّدَ المَسِيحَ هُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ بِأُقْنُومٍ وَاحِدٍ، وَلٰكِنَّهُ يَمْتَلِكُ طَبِيعَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ: إِلٰهِيَّةً وَبَشَرِيَّةً. هٰذِهِ النَّظْرَةُ تَرْفُضُ فِكْرَتَيْنِ:

ـ المُونُوفِيزِيَّةُ (الطَّبِيعَةُ الوَاحِدَةُ): 
  الَّتِي نَادَى بِهَا أُوطَاخِي، حَيْثُ اعْتَبَرَ أَنَّ الطَّبِيعَةَ الإِلٰهِيَّةَ امْتَصَّتِ البَشَرِيَّةَ.

ـ النِّسْطُورِيَّةُ: 
  الَّتِي اتُّهِمَتْ بِالفَصْلِ التَّامِّ بَيْنَ الطَّبِيعَتَيْنِ.
ب ـ دَوْرُ «رِسَالَةِ لَاوُنَ» (Tome of Leo)
  لِلْكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ اعْتِزَازٌ خَاصٌّ بِهٰذَا المَجْمَعِ لِأَنَّ البَابَا لَاوُنَ الكَبِيرَ (أُسْقُفَ رُومَا آنَذَاكَ) لَعِبَ دَوْرًا مِحْوَرِيًّا فِيهِ؛ حَيْثُ أَرْسَلَ وَثِيقَةً لَاهُوتِيَّةً شَهِيرَةً عُرِفَتْ بِـ «طُومُسُ لَاوُنَ»، وَالَّتِي أَصْبَحَتِ الأَسَاسَ الَّذِي صَاغَ عَلَيْهِ المَجْمَعُ تَعْرِيفَهُ لِلْإِيمَانِ. عِنْدَمَا قُرِئَتِ الرِّسَالَةُ فِي المَجْمَعِ، هَتَفَ الأَسَاقِفَةُ: «بُطْرُسُ تَكَلَّمَ بِلِسَانِ لَاوُنَ».

ج ـ السُّلْطَةُ المَسْكُونِيَّةُ وَالتَّشْرِيعِيَّةُ
ـ الحَرْمُ الكَنَسِيُّ: 

  تُؤَيِّدُ الكَنِيسَةُ الكَاثُولِيكِيَّةُ القَرَارَاتِ الَّتِي اتَّخَذَهَا المَجْمَعُ بِحَرْمِ «أُوطَاخِي» وَعَزْلِ البَابَا «دِيُوسْقُورُسَ» (بَابَا الإِسْكَنْدَرِيَّةِ آنَذَاكَ)، وَتَعْتَبِرُهَا إِجْرَاءَاتٍ دِفَاعِيَّةً عَنْ وَحْدَةِ الإِيمَانِ.

ـ التَّشْرِيعُ: 
  يَقْبَلُ الكَاثُولِيكُ القَوَانِينُ التَّنْظِيمِيَّةُ لِلْمَجْمَعِ، بِاسْتِثْنَاءِ «القَانُونِ 28» الَّذِي سَاوَى بَيْنَ كُرْسِيِّ القُسْطَنْطِينِيَّةِ وَكُرْسِيِّ رُومَا فِي الامْتِيَازَاتِ، وَهُوَ القَانُونُ الَّذِي رَفَضَهُ البَابَا لَاوُنُ قَدِيمًا حِفَاظًا عَلَى الأَوْلَوِيَّةِ البُطْرُسِيَّةِ لِرُومَا.

د ـ النَّظْرَةُ المُعَاصِرَةُ وَالحِوَارُ المَسْكُونِيُّ
  فِي العَصْرِ الحَدِيثِ، تَرَى الكَنِيسَةُ الكَاثُولِيكِيَّةُ أَنَّ الخِلَافَ الَّذِي أَدَّى لِانْشِقَاقِ الكَنَائِسِ «غَيْرِ الخَلْقِيدُونِيَّةِ» (مِثْلَ القِبْطِيَّةِ وَالسُّرْيَانِيَّةِ وَالأَرْمَنِيَّةِ) كَانَ فِي جُزْءٍ كَبِيرٍ مِنْهُ خِلَافًا لُغَوِيًّا وَلَيْسَ عَقَائِدِيًّا جَوْهَرِيًّا. وَقَدْ وَقَعَتِ الكَنِيسَةُ الكَاثُولِيكِيَّةُ فِي العُقُودِ الأَخِيرَةِ اتِّفَاقِيَّاتٍ كِرِيسْتُولُوجِيَّةً مَعَ هٰذِهِ الكَنَائِسِ تُؤَكِّدُ أَنَّ الجَمِيعَ يُؤْمِنُونَ بِحَقِيقَةٍ وَاحِدَةٍ بِكَلِمَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ.

خَامِسًا: الفُرُوقُ اللُّغَوِيَّةُ الَّتِي تَسَبَّبَتْ فِي هٰذَا الانْشِقَاقِ التَّارِيخِيِّ بَيْنَ الكَنَائِسِ؟
  نَبَعَ الخِلَافُ اللُّغَوِيُّ بِشَكْلٍ أَسَاسِيٍّ مِنْ مُحَاوَلَةِ التَّوْفِيقِ بَيْنَ المُصْطَلَحَاتِ اليُونَانِيَّةِ (لُغَةِ المَجْمَعِ) وَالمَفَاهِيمِ اللَّاهُوتِيَّةِ.

 حَيْثُ تَمَحْوَرَتِ المُشْكِلَةُ فِي كَلِمَتَيْنِ تَحْدِيدًا:
1 ـ أَزْمَةُ مُصْطَلَحِ «فِيسِيس» (Physis - طَبِيعَة)

أ ـ عِنْدَ مَدْرَسَةِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ (غَيْرِ الخَلْقِيدُونِيِّينَ): 
  كَلِمَةُ «فِيسِيس» كَانَتْ تَعْنِي غَالِبًا «كَائِنًا وَاقِعِيًّا» أَوْ «شَخْصًا». لِذٰلِكَ، عِنْدَمَا قَالُوا «طَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ»، كَانَ قَصْدُهُمْ أَنَّ المَسِيحَ كَائِنٌ وَاحِدٌ لَا يَنْقَسِمُ، وَلَيْسَ إِنْكَارًا لِبَشَرِيَّتِهِ.

ب ـ عِنْدَ مَدْرَسَةِ رُومَا وَأَنْطَاكِيَةَ (الخَلْقِيدُونِيِّينَ):
  مَيَّزُوا بَيْنَ «الطَّبِيعَةِ» (الجَوْهَرِ) وَ«الأُقْنُومِ» (الشَّخْصِ). بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ، قَوْلُ «طَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ» يَعْنِي تَلَاشِي إِحْدَى الطَّبِيعَتَيْنِ فِي الأُخْرَى (بِدْعَةُ أُوطَاخِي).

2 ـ التَّبَاسُ «هُيْبُوسْتَاسِيس» (Hypostasis - أُقْنُوم)
فِي تِلْكَ الفَتْرَةِ، كَانَ البَعْضُ يَسْتَخْدِمُ كَلِمَتَي «طَبِيعَة» وَ«أُقْنُوم» كَمُرَادِفَاتٍ لِبَعْضِهِمَا البَعْضِ.
أ ـ الخَلْقِيدُونِيُّونَ أَصَرُّوا عَلَى أَنَّ المَسِيحَ «أُقْنُومٌ وَاحِدٌ فِي طَبِيعَتَيْنِ».
ب ـ غَيْرُ الخَلْقِيدُونِيِّينَ (الَّذِينَ اتَّبَعُوا صِيغَةَ القِدِّيسِ كِيرِلُّسَ الكَبِيرِ: «طَبِيعَةٌ وَاحِدَةٌ مُتَجَسِّدَةٌ لِلّٰهِ الكَلِمَةِ»)، اعْتَبَرُوا أَنَّ عِبَارَةَ «فِي طَبِيعَتَيْنِ» قَدْ تُوحِي بِوُجُودِ شَخْصَيْنِ أَوْ «انْفِصَالٍ» دَاخِلَ المَسِيحِ (النِّسْطُورِيَّةِ).
3 ـ «مِنْ» مُقَابِل «فِي» (الحُرُوفُ لَا تُفَرِّقُ العَقِيدَةَ لٰكِنَّهَا فَرَّقَتِ الكَنِيسَةَ)
أ ـ غَيْرُ الخَلْقِيدُونِيِّينَ: يُفَضِّلُونَ قَوْلَ إِنَّ المَسِيحَ «مِنْ طَبِيعَتَيْنِ» (اتَّحَدَتَا فِي وَاحِدٍ).
ب ـ الخَلْقِيدُونِيُّونَ: يُصِرُّونَ عَلَى أَنَّ المَسِيحَ «فِي طَبِيعَتَيْنِ» (مَوْجُودٌ فِيهِمَا حَتَّى بَعْدَ الاتِّحَادِ دُونَ اخْتِلَاطٍ).

4 ـ النَّتِيجَةُ المُعَاصِرَةُ
  أَثْبَتَتْ الحِوَارَاتُ اللَّاهُوتِيَّةُ فِي القَرْنِ العِشْرِينَ (خَاصَّةً بَيْنَ البَابَا شَنُودَةَ الثَّالِثِ وَالبَابَا بُولُسَ السَّادِسِ عَامَ 1973) أَنَّ الطَّرَفَيْنِ يَقْصِدَانِ نَفْسَ الإِيمَانِ:
أ ـ أَنَّ المَسِيحَ إِلٰهٌ كَامِلٌ وَإِنْسَانٌ كَامِلٌ.
ب ـ وَأَنَّ لَاهُوتَهُ لَمْ يُفَارِقْ نَاسُوتَهُ لَحْظَةً وَاحِدَةً. 
  الانْشِقَاقُ حَدَثَ لِأَنَّ كُلَّ طَرَفٍ قَرَأَ مُصْطَلَحَاتِ الآخَرِ مِنْ مَنْظُورِهِ اللُّغَوِيِّ الخَاصِّ وَاتَّهَمَهُ بِالهِرْطَقَةِ.
سادسًا: الِانْقِسَامُ بَيْنَ الشَّرْقِ وَالغَرْبِ (1054م).
  الانقسام الذي حدث عام 1054م، والمعروف تاريخيًا باسم "الانشقاق العظيم" (The Great Schism).

1 ـ خلافات كان يمكن تجاوزها
أ ـ كان يمكن تجاوزه والوصول للتفاهم والحل لو كانت تعاليم المسيح راسخة في القلوب والعقول، ولو رجع الجميع لكلمة الإنجيل، ولو خضع الجميع للروح القدس وتأملوا وسمعوا نداءاته لهم وشعروا بإلهاماته فيهم.

ب ـ سيطرت روح الكبرياء بدل التواضع، والنزعة للسلطة والغطرسة بدل الخدمة، وظهرت كلمات ومصطلحات رؤساء الكنائس البشرية بدلًا من مصطلحات كلمات الله الإنجيلية والآيات الكتابية مع ترابطها والقرينة بباقي الآيات.

ج ـ هذه هي الأسباب التي أدت لتقسيم الكنيسة المسيحية إلى كنيسة كاثوليكية (في الغرب) وكنيسة أرثوذكسية (في الشرق)، وكان نتاجًا لتراكمات طويلة من الخلافات اللاهوتية والسياسية والثقافية والقيادية، وليس مجرد حادثة مفاجئة.

2 ـ رأي الكنيسة الكاثوليكي في الانقسام الذي حدث عام 1054م،
  تعتبر الكنيسة الكاثوليكية أن "الانشقاق العظيم" عام 1054م لم يكن مجرد حدث لاهوتي بسيط، بل كان ذروة لعملية طويلة من التباعد الثقافي والسياسي والكنسي بين الشرق اليوناني والغرب اللاتيني.

ويمكن تلخيص رأي الكنيسة الكاثوليكية المعاصر وتطور موقفها في النقاط التالية:
الموقف اللاهوتي والقانوني التقليدي
أ ـ سلطة البابا:

  تتبنى الكنيسة الكاثوليكية تاريخيًا أن الانشقاق نتج عن رفض بطريرك القسطنطينية لسلطة أسقف روما (البابا) كخلف للقديس بطرس وله "رئاسة عالمية" على الكنيسة، وهو ما تراه الكنيسة حقًا إلهيًا لضمان وحدة الإيمان.

ب ـ قضية "الفيليوك" (Filioque):
  ترى الكنيسة الكاثوليكية أن إضافة عبارة "والابن" إلى قانون الإيمان النيقاوي هي توضيح لاهوتي صحيح ومنسجم مع العقيدة، بينما اعتبرها الشرق خروجًا غير قانوني عن قرارات المجامع المسكونية.

3 ـ الموقف التاريخي والنقدي الحديث
  بطلان الحرم المتبادل: يميل المؤرخون الكاثوليك اليوم إلى اعتبار أن ما حدث في 16 يوليو 1054م لم يكن انشقاقًا لاهوتيًا مكتملاً في لحظته؛ فالحرم الذي ألقاه المندوب البابوي "الكاردينال همبرت" ضد البطريرك ميخائيل سرولاريوس يُعتبر "باطلًا قانونيًا" لأن البابا لاون التاسع كان قد توفي قبل صدور الحرم، مما يعني انتهاء صلاحية الوفد رسميًا.

4 ـ المسؤولية المشتركة
  في العقود الأخيرة، أقرّت الكنيسة بأن سوء الفهم المتبادل، والغطرسة الشخصية من قادة الطرفين، واختلاف اللغات (اللاتينية واليونانية) ساهمت بشكل كبير في تعميق الفجوة.

5 ـ التحول الجذري: الإعلان المشترك عام 1965م
  في خطوة تاريخية أحدثت تغييرًا جذريًا في الموقف الرسمي:
أ ـ رفع الحرم:

  التقى البابا بولس السادس والبطريرك أثيناغوراس الأول في عام 1965م، وأصدرا إعلانًا مشتركًا يقضي بمحو ذكرى جمل الحرم المتبادل التي أُطلقت عام 1054م من ذاكرة الكنيسة.

ب ـ تغيير النظرة:
  لم تعد الكنيسة الكاثوليكية تنظر إلى الأرثوذكس كـ"هراطقة"، بل كـ"كنائس شقيقة" تمتلك أسرارًا مقدسة صحيحة وخلافة رسولية حقيقية، مع الاعتراف بوجود خلافات جوهرية حول "سلطة البابا" لا تزال تمنع الوحدة الكاملة.

سابعًا ـ أحداث 1204م (الحملة الصليبية الرابعة)
  تعترف الكنيسة الكاثوليكية حاليًا بأن الانشقاق لم يصبح "شعبيًا ونهائيًا" إلا بعد نهب القسطنطينية على يد الصليبيين اللاتين عام 1204م. وقد أعرب البابا يوحنا بولس الثاني في عام 2001م عن أسفه العميق للأرثوذكس عما ارتكبه الكاثوليك في ذلك الوقت، معتبرًا إياه جرحًا أعمق من خلافات عام 1054م.

ثامنًا: أهم أسباب هذا الانقسام في النقاط التالية
1 ـ خلافات حول السلطة والقيادة (السبب الرئيسي)

  طالب بابا روما (ليو التاسع) بأن يكون له سلطة مطلقة على جميع كنائس المسيحية، بما فيها بطاركة الشرق الأربع (القسطنطينية، الإسكندرية، أنطاكية، وأورشليم)، وهو ما رفضه بطريرك القسطنطينية "ميخائيل كيرولاريوس" الذي كان يعتبر نفسه ندًا لبابا روما وليس مرؤوسًا له.

2 ـ خلافات لاهوتية وعقائدية:
  أبرزها الخلاف حول "انبثاق الروح القدس" (Filioque)، حيث أضافت الكنيسة الغربية (روما) جملة "ومن الابن أو بالابن" إلى قانون الإيمان، وهو ما اعتبرته الكنيسة الشرقية (القسطنطينية) هرطقة وتعديلًا لعقيدة مسكونية.

3 ـ الاخْتِلَافَاتُ الثَّقَافِيَّةُ وَاللُّغَوِيَّةُ:
  أصبح هناك تباعد ثقافي كبير بين الغرب الذي يستخدم اللاتينية، والشرق الذي يستخدم اليونانية، مما أدى إلى سوء تفاهم في تفسير النصوص اللاهوتية والطقوس.

4 ـ خلافات طقسية:
  اختلف الطرفان في بعض الطقوس، مثل استخدام الخبز الفطير (بلا خمير) في القداس عند الغربيين، والخبز المختمر عند الشرقيين.

5 ـ النزاع السياسي:
  زاد التوتر بسبب التحالفات السياسية، خاصة مع ميل البابوية للتحالف مع الفرنجة (النورمان) في إيطاليا على حساب الإمبراطورية البيزنطية (الشرقية).

6 ـ لحظة الانفصال الفعلية (1054م):
  في عام 1054م، أرسل البابا "ليو التاسع" وفدًا إلى القسطنطينية، ولكن بعد وفاة البابا، قام الوفد بوضع رسالة حرمان كنسي على مذبح كنيسة آيا صوفيا ضد البطريرك "كيرولاريوس"، وبدوره رد البطريرك بحرمان وفد البابا، مما أدى إلى الانفصال الرسمي بين الكنيستين.

أ ـ الحَمْلَةُ الصَّلِيبِيَّةُ الرَّابِعَةُ (1204م).
بسبب تَدَاخُلِ السِّيَاسَةِ وَالمَصَالِحِ بِالدِّينِ، فَبَدَلًا مِنَ التَّوَجُّهِ إِلَى الأَرْضِ المُقَدَّسَةِ، اتَّجَهَتِ الحَمْلَةُ إِلَى القُسْطَنْطِينِيَّةِ، وَتَعَرَّضَتِ المَدِينَةُ لِلنَّهْبِ وَالتَّدْمِيرِ، وَهُوَ مَا تَرَكَ جُرْحًا هَائِلًا فِي الذَّاكِرَةِ بين الكنائس مما أدى إلى:

ب ـ التَّنَافُسُ بَيْنَ رُومَا وَالقُسْطَنْطِينِيَّةِ.
ج ـ الصِّرَاعُ عَلَى السُّلْطَةِ وَالأَوْلَوِيَّةِ.
د ـ اخْتِلَافُ المَصَالِحِ السِّيَاسِيَّةِ بَيْنَ الإِمْبِرَاطُورِيَّةِ الشَّرْقِيَّةِ وَالغَرْبِيَّةِ.
  فَلَمْ يَكُنِ الأَمْرُ مُجَرَّدَ خِلَافٍ عَلَى عِبَارَةِ «وَالابْنِ» فِي قَانُونِ الإِيمَانِ، بَلْ كَانَ هُنَاكَ صِرَاعٌ عَلَى مَنْ يَقُودُ العَالَمَ المَسِيحِيَّ.

7 ـ صِرَاعُ الزَّعَامَةِ وَالسُّلْطَةِ عَلَى مَنْ يَقُودُ العَالَمَ المَسِيحِيَّ.
فأَصْبَحَ الِانْتِمَاءُ الكَنَسِيُّ مُرْتَبِطًا بِالهُوِيَّةِ القَوْمِيَّةِ.

فَفِي الشَّرْقِ:
أ ـ ارْتَبَطَتِ الكَنِيسَةُ القِبْطِيَّةُ بِالهُوِيَّةِ المِصْرِيَّةِ.
ب ـ ارْتَبَطَتِ الكَنِيسَةُ السُّرْيَانِيَّةُ بِالثَّقَافَةِ السُّرْيَانِيَّةِ.
ج ـ ارْتَبَطَتِ الكَنَائِسُ البِيزَنْطِيَّةُ بِالثَّقَافَةِ اليُونَانِيَّةِ.
وَأَحْيَانًا أَصْبَحَ رَفْضُ بَعْضِ المَجَامِعِ يُفْهَمُ كَرَفْضٍ لِلسَّيْطَرَةِ السِّيَاسِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ، وَلَيْسَ كَخِلَافٍ لَاهُوتِيٍّ فَقَطْ.

8 ـ الإِصْلَاحُ البُرُوتِسْتَانْتِيُّ فِي القَرْنِ السَّادِسِ عَشَرَ.
  مَعَ الأَسَفِ، تَحَوَّلَتِ الخِلَافَاتُ اللَّاهُوتِيَّةُ إِلَى أَحْكَامِ إِدَانَةٍ وَقَطِيعَةٍ وَعَدَاوَةٍ مُتَبَادَلَةٍ، وَفَقَدَ كَثِيرُونَ رُوحَ الإِنْجِيلِ وَالمَحَبَّةِ.
  عِنْدَمَا ظَهَرَتْ حَرَكَةُ الإِصْلَاحِ، اسْتَغَلَّهَا بَعْضُ الأُمَرَاءِ وَالمُلُوكِ فِي أُورُوبَّا لِلتَّخَلُّصِ مِنْ نُفُوذِ رُومَا وَالسَّيْطَرَةِ عَلَى أَمْلَاكِ الكَنِيسَةِ.
  فَكَانَتِ الدَّوَافِعُ السِّيَاسِيَّةُ وَالِاقْتِصَادِيَّةُ مَوْجُودَةً بِقُوَّةٍ، وَلَيْسَتِ القَضِيَّةُ لَاهُوتِيَّةً فَقَطْ.
لِلمَوْضُوعِ بَاقِيَةٌ يُتَابَعُ فِي الأَجْزَاءِ اللَّاحِقَةِ.
 ✍️ الِأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طُوسْ...