كتب - محرر الأقباط متحدون
رفض ترامب الصارم للمقترحات الإيرانية — سواء المتعلقة بالبرنامج النووي أو تخفيف العقوبات أو ترتيبات النفوذ الإقليمي — يحمل عدة دلالات سياسية واستراتيجية مترابطة، ويمكن قراءته ضمن إطار أوسع من مجرد “تشدد تفاوضي”.
أولًا، يعكس هذا الرفض قناعة داخل التيار الترامبي بأن سياسة الضغط القصوى على Iran كانت ناجحة نسبيًا في إضعاف الاقتصاد الإيراني وتقليص قدرة طهران على تمويل حلفائها الإقليميين. لذلك، فإن أي تنازل سريع يُنظر إليه كإهدار لأداة ضغط فعالة بُنيت عبر سنوات من العقوبات والعزل المالي.
ثانيًا، يحمل الموقف رسالة ردع سياسية وأمنية إلى المنطقة، خصوصًا إلى إسرائيل ودول الخليج، مفادها أن واشنطن — في حال عودة ترامب أو صعود الخط القريب منه — لن تقبل بصيغة “احتواء مرن” مع إيران، بل ستتبنى سياسة أكثر صدامية تجاه توسعها الإقليمي وبرنامجها النووي والصاروخي.
ثالثًا، الرفض الصارم لا يعني بالضرورة رفض التفاوض نفسه، بل رفض “شروط إيران الحالية”. ترامب تاريخيًا يميل إلى التفاوض من موقع ضغط مرتفع جدًا، ثم محاولة الوصول إلى “صفقة كبرى” يمكن تسويقها داخليًا باعتبارها انتصارًا شخصيًا وسياسيًا. لذلك، قد يكون التشدد جزءًا من استراتيجية رفع السقف قبل أي تفاوض محتمل.
في الداخل الأمريكي، هذا الموقف يخدم أيضًا اعتبارات انتخابية وأيديولوجية؛ إذ إن التشدد مع إيران يحظى بتأييد قوي داخل قطاعات من الجمهوريين والمحافظين والإنجيليين، ويُستخدم لإظهار الفارق بين نهج ترامب ونهج الإدارات الديمقراطية التي اتُّهمت بأنها أكثر تساهلًا مع طهران.
أما بالنسبة لإيران، فرفض المقترحات يضع القيادة الإيرانية أمام خيارات صعبة:
إما التصعيد النووي والإقليمي لزيادة أوراق الضغط،
أو العودة إلى طاولة التفاوض بشروط معدلة،
أو محاولة الصمود اقتصاديًا حتى تغيّر الظروف الدولية أو السياسية داخل الولايات المتحدة.
لكن الخطر الأكبر في هذا المسار هو أن تراكم الرفض والتصعيد المتبادل قد يدفع المنطقة إلى حالة “لا حرب ولا سلام” شديدة الهشاشة، حيث ترتفع احتمالات المواجهات غير المباشرة، والهجمات السيبرانية، والضربات المحدودة، وحتى أخطاء الحسابات العسكرية.
وفي النهاية، فإن تشدد ترامب تجاه إيران لا يمكن فصله عن رؤيته العامة للعلاقات الدولية: استخدام القوة الاقتصادية والعقوبات والضغط النفسي والسياسي للوصول إلى اتفاق بشروط أمريكية أكثر صرامة، وليس إدارة توازنات طويلة الأمد كما تميل الإدارات التقليدية.





