(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
[على هامش "يوم الصداقة" بين الكنيستَيْن القبطيّة الأرثوذكسيّة والكاثوليكيّة (10 مايو/أيّار من كلّ عامٍ)، أُقدّم هنا الجزء الثاني والأخير من مقالٍ قد سَبَقَ ونُشِر في "مجلّة الصلاح"، بعدد يوليو-أغسطس لعام 2023. ولقد تمّتْ في هذا العام، الزيارةُ التاريخيّة التي قام بها الأنبا تواضروس الثاني، بابا الإسكندريّة وبطريرك الكرازة المرقسيّة، إلى أخيه البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكيّة وخليفة القدّيس بطرس (الـ10 من مايو/أيّار للعام 2023). وكانت بدورها زيارةً للاحتفال بمرور خمسين عامًا على لقاءٍ تاريخيّ آخر قد جَمَعَ بين قداسة البابا بولس السادس وقداسة البابا شنودَه الثالث في حاضرة الفاتيكان، في يوم الخميس الموافق 10 مايو/أيّار للعام 1973].
ثالثًا: هَل سيتغيّر كلُّ شيء أَم لن يتغيّر أيُّ شيء؟
بغض النّظر عن أُصوليَّة وتَعَصُّب بعض الأقباط الأرثوذكس (سواء من الإكليروس أو الشّعب)، الذين يرفضون – شكلًا وموضوعًا– مُبَادَرَات الحوارات المسكونيّة مع الكنيسة الكَاثوليكيّة، خوفًا من ذَوَبَان الهويّة وفقدانها أو الخروج عن "الإيمان المُسَلَّم للكنيسة الجامعة"– على حدّ تعبيرهم، يتّجه بعض الأقباط الكَاثوليك إلى الشّكّ والتّشكيك في أهمّيّة وفائدة هذه الحوارات المسكونيّة. وانطلاقًا من الواقع الكنسيّ المصريّ الحالي المرير والمحزن، ونظرًا لبعض الأفعال والخطابات الأرثوذكسيّة، يعلن بعض الأقباط الكَاثوليك– صراحةً أو ضمنيًّا– أنّه ما من شيء سيتغيّر إطلاقًا على أرض الواقع.
إنّ الكارثة أو المشكلة الكبرى هي أنّه عند التّفاهم والاتفاق علي أمر ما بين الكنيستَين، يقوم بعضُهم بمعارضته وتزييف حقيقته وجوهره، فلا يصل إلى الشّعب، وإن وصل يصل بشكل مُشَوَّه ومُضَلِّل (على سبيل المثال، البيان المشترك الخاصّ بقضيّة "المعموديّة" بين البابا فرنسيس والبابا تواضروس الثّاني، والزّيارة التّاريخيّة للبابا تواضروس الثّاني إلى روما في شهر مايو الماضي للعام 2023). وإِزاء ما يصدر عن بعضهم (مثلًا، الاعتراض الاعتباطيّ على تصرُّفات وحوارات وقرارات رئيسهم الكنسيّ الحالي وبطريرك الكنيسة القبطيّة الأرثوذكسيّة)، يحتار الأقباط الكَاثوليك ويَتَسَاءَلُون: أليس هذا رفضًا ضمنيًّا أو صريحًا لغبطة البطريرك الحالي المكرّم والوقور والصّبور، الذي يُعتبَر خليفة القدّيس مرقس وامتدادًا لكرسي الإسكندريّة العريق، علاوةً على كونه دَعوة صريحة لرفض الشّركة مع الكنيسة الكَاثوليكيّة؟ وهَل ما يقوم به بعضُهم بشكلٍ متواتر (ولا سيّما عندما نشعر بأنّ الرّوح القدس يدفع الكنائس كجماعات والمسيحيّين كأفراد إلى التّقارب والتّفاهم)، أعني إطلاق العنان للمغالطات والمزيدات والأحكام التّكفيريّة، واختراع أشياء غير صحيحة عن الكَاثوليك وعن كنيستهم العريقة في الإيمان والعقيدة وعلم اللّاهوت، يمتّ للمسيحيّة والمحبّة والحقيقة بصلة؟
وعلى صعيد آخر، يتوهّم بعضُ الحالمين والمثاليّين من الكنيستَين– بصدق ونيّة صافيّة– أنّ كلّ شيء سيتغيّر للتوّ أو في المستقبل القريب. ولكن، وعلى نحو واقعيّ ووفقًا لاعتقاد القادة الحاليين للكنسيتَين أنفسهم، ورغم التّقارب والتّفاهم والإِخَاء والتّعاون، يمكن الجزم بأنّ تغيير كلّ شيء والبلوغ إلى الشّركة الكنسيّة الكاملة لن يحدث قبل عدّة أعوام أو قرون. ليس لأنّنا لم نصل بعدُ إلى "نموذج" لما ستكون عليه الوحدة أو الوحدانيّة الكنسيّة فحسب، وإنّما لوجود العراقيل البشريّة والكنسيّة والتّاريخيّة والعقائديّة والعمليّة أيضًا، وهو ما يحول دون البلوغ إلى الاتّحاد والشّركة الكاملة في الأسرار الكنسيّة في الوقت الراهن. وبالطّبع، لا يُعيق هذا ولا يمنع بناء جسور المحبّة والحقيقة والصّداقة المتنامية بين أبناء وبنات الكنيستَين، والاعتراف المشترك بأخويّة الكنيستَين واتفاقهما على قضايا بيبليّة وعقائديّة مُوحَّدة ومُوحِّدة، والتّشارك في دمّ شهداء الكنيستَين، وتقوّيّة رباط الإيمان والرّجاء والمحبّة المسيحيّة، وإمكانيّة إقامة لقاءات مسكونيّة ومُبَادَرَات عمليّة وروحيّة وطقسيّة وتعليميّة بين أتْباع الكنسيتَين.
رابعًا: بدايةُ "تَحَدِّي المحبّة" الكَاثوليكيّ-القِبطيّ في عصر الكراهيّة
لقد صلّى الرّبُّ يسوع من أجل الوحدة المسيحيّة والشّركة الكاملة بين أتّباعه (يو 17/ 21)، وهما يقومان بدورهما على المحبّة العميقة المتأصّلة في مركز إيماننا الكريستولوجيّ-الثّالوثيّ وحياتنا المسيحيّة. وهو ما تأخذه الكنيسة الكَاثوليكية على عاتقها، وقد سعى إليه الباباوات الكَاثوليك على مرّ العصور، والبابا بولس السّادس والبابا شنودة الثّالث في عام 1973، وفي الوقت الحالي البابا فرنسيس والبابا تواضروس الثّاني.
إنّ المحبّة المسيحيّة بجميع أبعادها لهي "تَحَدِّي" حقيقيّ وكبير، وهي تَتَطَلَّب جَهْدًا وجِهَادًا واجتهادًا على المستوى الشّخصيّ والجماعيّ والكنسيّ. ويمكن القول– باتّضاع وواقعيّة شديدة– بأنّنا لا نزال في بداية "تَحَدِّي المحبّة" هذا، ولاسيّما ونحن في زمن يمكن أن نطلق عليه "عصر الكراهيّة"، والذي يحتاج منّا كمسيحيّين أن نكون شهود وشهداء المحبّة في عصر غاب عن أبنائه وبناته أنّنا أخوة أمام الله أبينا. لقد صدق البابا تواضروس الثّاني في كلماته العميقة هذه: «لقد اخترنا المحبّة حتّى لو كنا نسير عكس تيّار العالم الطّامع والذّاتيّ، لقد قبلنا تحدّى المحبّة التي يطلبها منّا المسيح، وسنكون مسيحيّين حقيقيّين وسيصبح العالم أكثر إنسانيّة، ليعرف العالم كلّه أنّ الله محبّة وهذه هي أسمى صفاته».
لذا فإنّنا نرحّب أشدّ ترحيب ببداية "تَحَدِّي المحبّة" الكَاثوليكيّ-القِبطيّ، ونجازف بإيمان ورجاء وَاطيدين للتدرُّب على أسلوب المحبّة ولغتها ومُبَادَرَاتها؛ فالمحبّة الأصيلة والعميقة تجد أساسها ونموذجها في صليب سيّدنا يسوع المسيح (يو 3/ 16؛ 13/ 1؛ 1 كو 1/ 18).
خامسًا: نحو "الشّركة الكاملة"
مُستشهِدًا ببعض عبارات خطابه أمام الكرادلة الجُدد (13 يونيو/حزيران للعام 1994)، كتب المتنيّح البابا يُوحنَّا بولس الثّاني، في رسالته الرّسوليّة "نور الشّرق" (1995)، هذه الكلمات الصّادقة والمعبّرة: «"لا يسعنا أن نمثل أمام المسيح، سيّد التاريخ، منقسمين كما كنّا، مع الأسف، على مدى الألف الثاني من المسيحيّة. هذه الانقسامات يجب أن تضمحلَّ أمام التقارب والوفاق؛ على الجراح أن تلتئم في سعينا إلى وحدة المسيحيّين". علينا، بعد تخطّي أوهاننا، أن نتوجّه إليه، هو المعلّم الأوحد، فنشترك في موته بحيث نتطهّر من تمسّكنا الغيور بعواطف وذكريات– ليس لما صنع الله إلينا من عظائم– بل لأحداث بشريّة حصلت في ماضٍ لا تزال تنوء قلوبنا بثقله. إن الروح يجعل نظرنا صافيًا كي نستطيع معًا أن نسعى إلى الإنسان المعاصر المنتظر البُشرى الحسنة. إزاء انتظار العالم وآلامه، إذا ما حملنا الجواب المتناسق والمنير والمحيي، فإنّا نُسهم كلَّ الإسهام في إعلان الإنجيل بأنجع الطرق لأناس عصرنا».
أجل، إنّ هذه اللّقاءات التّاريخيّة وما يشبهها ما هي إلّا فرصة "لتعميق المحبّة وتنميّة التّشاور المتبادل وتبادل الرّأي والتّعاون في المجالات الاجتماعيّة والفكريّة"، لخير المجتمعات والبشريّة جماء، في عصرنا هذا، "عصر الكراهيّة". فلَيْتنا نتبع عن كَثَب ما يدعونا إليه "البيان المشترك" لعام 1973، أي إلى تبنّي لغة الحوار والشّركة والشّراكة والمشاركة بين الكنائس، وليس الصّدام والتّحارب والتّناحر، مترجّين يوم الاتّحاد والشّركة الكاملة وسَاعين إليهما. فيقول البيان:
«وإننا في إخلاص وإلحاح، نذكّر أن المحبة الحقيقية والمتأصّلة في أمانة كاملة للرب الواحد يسوع المسيح، واحترام متبادل من كل طرف لتقاليد الطرف الآخر، هي عنصر جوهري في السعي نحو الشركة الكاملة. إننا باسم هذه المحبة، نرفض كل صور الخطف من كنيسة إلى أخرى، وننبذ أن يسعى أشخاص من إحدى الكنيستين إلى ازعاج طائفة من الكنيسة الأخرى، وذلك بضم أعضاء إليهم من هذه الكنيسة بناء على اتجاهات فكرية أو بوسائل تتعارض مع مُقتضيات المحبة المسيحية أو مع ما يجب أن تتميز به العلاقات بين الكنيستين. ينبغي أن يوقف هذا الخطف بكل صورة أينما يوجد. وأن على الكاثوليك والأرثوذكس أن يعملوا على تعميق المحبة وتنمية التشاور المتبادل وتبادل الرأي والتعاون في المجالات الاجتماعية والفكرية، ويجب أن يتواضعوا أمام الرب ويتضرعوا إليه، أن يتفضل وهو الذي بدأ من هذا العمل فينا أن يؤتيه ثماره».





