بقلم: أندرو اشعياء
في سكون الليل، حين تهدأ الأصوات وتنسحب الحواس إلى كهف التأمل، يسمع الراهب في قلبه همسًا خفيًا لا تُدركه الأذن ولا تُفسّره اللغة. إنه صوت الضمير الرهباني، الحارس الأمين لعهود النسك وعطور البرية. غير أن هذا الصوت كثيرًا ما يُختطف، لا بأيدٍ دنيوية، بل بأصابع خفية تندسّ في القلب، تسرق من جواهر الحياة الرهبانية بغير أن تحدث جلبة. إنها جريمة لا يُحرّك لها الناس دعاوى، لكنها تهز السماء. تُدعى "الاختلاس الرهباني" — ذلك السطو الصامت على ما للرهبنة من مهابة وتقوى ونسك، لصوصية الروح حين تلبس قناع القداسة.
وللاختلاس الرهباني وجوه كثيرة، بعضها يبتسم، وبعضها يبكي. قد يتجلى في نظرة تعالٍ على إخوة الدير، كأن النعمة حكر على لابسي ثوب معيّن أو سالكي نمط ظاهر من النسك. وقد يظهر في إلحاح داخلي على أن يُقال عن الراهب ما لم يبلغه بعد: "رجل صلاة"، "قديس خفي"، "زاهد عظيم"، بينما قلبه ما زال يصارع أبسط أشكال التواضع. ومن مظاهره أيضًا أن يُحَوِّل الراهب الصمت إلى كبرياء صامتة، أو أن يختبئ وراء الترتيب الرهباني ليهرب من المواجهة الداخلية. بل وقد يختلس حتى الخدمة، فيجعلها سُلَّمًا لمجد شخصي، لا ذبيحة محبة. فتُصبح كل حركة رهبانية — إن لم تُغمر بالنعمة الحقيقية — مرآة صغيرة يرى فيها الراهب ذاته، لا الله.
في العصور الأولى، كان الاختلاس الرهباني يتخفّى خلف المجد الروحي، لا المادي، إذ كان الراهب يُفتن خلسةً بالسمعة الطيبة، أو بحب الناس له كصانع عجائب أو صاحب كشف وبصيرة، فيسقط دون أن يشعر، مختلسًا نور الله لينير به صورته أمام الآخرين. أما اليوم، فصار للاختلاس ثوبٌ عصري، يلبس لغة الإعلام، وعدسات التصوير، ومواقع التواصل، حيث تُسوّق الحياة الرهبانية كمنتَج، ويُعاد تشكيل صورة الراهب لتناسب ذوق المتابع، لا دعوة المصلوب. قديماً كان الراهب يهرب من العالم، واليوم قد يختلس من العالم إعجابَه ويأتي به إلى القلاية، ملفوفًا بهالة مزيفة من القداسة الرقمية. كلاهما اختلاس، وإن اختلف القناع: فالأول اختلس بصمته، والثاني اختلس بضجيج العالم وهو يلبس ثوب العزلة.
والاختلاس الرهباني ليس أن يمدّ الراهب يده إلى المال أو الممتلكات، بل أن يمدّ قلبه إلى المظاهر، إلى كسب المديح باسم النسك، أن يختطف لنفسه مجدًا زائفًا مما هو لله وحده. حين يُصبح ثوب الرهبنة مجرد قناع، والسكوت وسيلة لإبراز الورع لا سبيلًا للاتحاد بالحق، حينئذٍ يُسرق الجوهر ويُبقي المرء على القشرة، كمن يعبد ظلًّا بدل النور، أو يُشعل قنديلاً دون زيت.
ولعل أخطر ما في الاختلاس الرهباني أنه لا يُرى بالعين المجردة، بل يتخفّى في الحركات الورعة، والعبارات المحفوظة إذ يتحول النسك إلى مسرح، ويُباع الصمت كأنه كُحل للعيون لا تطهيرًا للقلوب. هنا لا تُختلس أموال الدير، بل تُختلس الروح من الدعوة، فيغدو الراهب بائعًا على باب البرية، لا ساكنًا فيها.
والشيطان ليس هو السارق في هذه الجريمة، بل الأنا. الأنا تتسلل وتجلس على عرش القلب في ثوب زاهد، تحسب كل كلمة إعجاب مدحًا لها، وتعدّ كل سجدة زلفى إلى ذاتها لا إلى الله. فتصير الصلاة عرضًا، والدموع تمثيلًا، والصمت وسيلة لخلق هالة مقدسة زائفة. وهكذا، يسرق الإنسان نفسه، يختلس من ذاته ما نُذر لله، ويُعيده إلى صنم ذاته.
وليس أخطر من الاختلاس الرهباني سوى صمته. لا يشهده أحد، ولا يُدين صاحبه إلا ضميره إن كان بعد حيًا. لكنه مع ذلك يُطفئ الروح ويُفقر النفس، ويترك الراهب كثوب نُزعت منه الحرارة، خيطان من نسك بلا نار، وقطع خشب لا تشتعل. والرهبنة إن لم تُشعل نارًا في القلب، تصبح كالصحراء بعد المطر: ملساء، هادئة، ولكن بلا حياة.
لكن لكل اختلاس توبة، ولكل خداع يقظة. حين يواجه الراهب ذاته في مرآة الليل، ويُقرّ أمام الله أنه سرق، لا من الآخرين بل من دعوته، تبدأ الرحلة من جديد. التوبة الحقيقية ليست بالدموع وحدها، بل بكسر الأصنام، والخروج من مسرح الحياة الرهبانية المزيفة إلى خشونة الحق وسكون العمق. فالرهبنة لا تُختزل في مظهر، بل تُستعاد في صمتٍ صادق، في صلاة لا تراها العيون، وفي قلب اختار أن يُردّ المسلوب إلى صاحبه — إلى الله.
اخيرًا، لستُ راهبًا، ولا تمرست عليها، وهذا أيضًا اختلاس!!!





