رفيق رسمي
 قد  تكون  سمعت عن تغير خلايا الجسد كل سبع سنوات  وتغير خلايا العقل كل عشره سنوات ،  نعم انها حقيقة علمية مبهرة، لكنها  تحتاج إلى  التوضيح . لنعرف   أن التغيير هو القانون الوحيد الثابت في حياتنا.

المقصود بعبارة "كل سبع سنوات" ليس أنك تستيقظ في عيد ميلادك السابع لتجد كل خلية فيك قد استُبدلت دفعة واحدة. الحقيقة العلمية أعقد وأجمل. جسدك في حالة بناء وهدم مستمرة، لحظة بلحظة.

· بطانة معدتك تتجدد كل بضعة أيام لأنها تتعرض للأحماض القوية.
· جلدك يتساقط منه ملايين الخلايا يومياً ليتجدد كلياً خلال شهر تقريباً.
· خلايا الدم الحمراء تعيش حوالي أربعة أشهر.
· عظامك التي تظنها صلبة وثابتة، تُهدم وتُبنى باستمرار، وتتجدد بالكامل في دورة مدتها حوالي عشر سنوات.

إذن،  سبع سنوات هو   متوسط إحصائي لكل هذه الدورات المختلفة.     فالمادة التي يتكون منها جسدك اليوم هي حرفياً ليست هي نفس المادة التي كان يتكون منها قبل عقد من الزمن. أنت ترتدي جسداً جديداً بالكامل، مع أنه يحافظ على نفس التصميم الهندسي المدهش.

أما  "خلايا العقل فإنها  تتغير كل عشر سنوات"، فهنا تكمن البراعة الحقيقية للطبيعة. العلم الحديث اكتشف ما يسمى بـ "تكوّن الخلايا العصبية"، أي قدرة المخ على إنتاج خلايا جديدة في مناطق معينة، خاصة المنطقة المسؤولة عن الذاكرة والتعلم.

 ف الخلايا العصبية هي التي تحمل "أنت". إنها تحمل ذكريات طفولتك، ومهارة ركوب الدراجة، وطعم طبقك المفضل، ووجه أمك. لو تجددت هذه الخلايا بسرعة مثل خلايا الجلد، لفقدت هويتك وذاكرتك كل بضعة أشهر. الطبيعة هنا تصنع توازناً عبقرياً: الخلية نفسها قد تعيش معك عمراً طويلاً، لكن مكوناتها الداخلية من جزيئات وبروتينات تتغير وتتبدل بشكل أبطأ وأكثر حذراً. إنه أشبه بترميم سفينة قديمة لوحاً خشبياً تلو الآخر، حتى تصبح السفينة جديدة بالكامل، مع بقائها هي هي.

 ولكن  هل لـ "نفسك" دورة حياة وتتغير وتتجدد؟

بالتأكيد، وبعمق أكبر. الفرق أن تغير النفس ليس كيميائياً أو فيزيائياً فقط، بل هو تغير في الجوهر والمعنى. أنت اليوم لست أنت قبل سبع سنوات. الخبرات التي مررت بها، الكتب التي قرأتها، الألم الذي ذُقتَه، الفرح الذي عشته، الأشخاص الذين أحببتهم وفارقتهم.. كل هذا تمثله "خلايا نفسية" جديدة. الأفكار التي كنتَ تؤمن بها بشدة ربما أصبحت تراها الآن ساذجة، والمخاوف التي كانت تشل حركتك ربما أصبحت تثير ضحكك الآن.

هذا التغير في النفس ليس تلقائياً كتغير خلايا الجلد. إنه يحتاج إلى وعي وجهد. خلايا الجسد تتجدد رغماً عنك، لكن النفس قد تتحجر وتتوقف عن التجدد إذا أحاطها الإنسان بأسوار من الجمود الفكري والإنكار. تغير النفس الحقيقي هو أن تتعلم كيف تهدم أفكارك القديمة بيديك لتبني مكانها أفكاراً أنضج. إنه أشبه بعملية "انسلاخ" مستمرة، تخلع فيها جلد ذاتك القديمة لتصبح أكثر اتساعاً ونوراً.

ولكن  إذا كان كل شيء فيّ يتغير، جسدي وعقلي ونفسي، فمن أنا؟ أين الشيء الثابت؟

الوهم هو أننا نعتقد أن هويتنا مرتبطة بمكوناتنا الثابتة.  مجرد مجموعه من البيانات الثابته طوال حياتك مثل اسمك يظل معك من يوم ميلادك الي يوم وفاته واسم والديك ومكان الميلاد الخ ......   لكن الحقيقة أن هويتك ليست في "خلاياك " التي  بُني منها جسدك ، بل في "التصميم الهندسي" الفريد لك  نفسه. هويتك هي قصة حياتك المستمرة، هي نمط أفعالك المتكرر، هي بصمتك الخاصة في طريقة حبك وغضبك وتفكيرك. أنت لست الخلايا، بل أنت اللحن الذي تعزفه هذه الخلايا المتغيرة باستمرار.
وهذا ما  يسمونه الروح .بل وحتى الروح تنموا بعلاقتنا بالخالق والاحساس به والعلاقة معه . وليست بمجرد  ممارسات طقسيه للعباده فقط لاغير . ولكنها  تتوقف عن النمو إذا انغمست في رغبات وشهوات الجسد . 

 وبعد دوره كبيره من الهدم والبناء والتغيير . يموت الجسد ويتحلل وتبقي الروح بكل ما تحمله من نمو في الشخصية والخبرات  وتصعد الي خالقها وهناك يكون المصير الابدي  

في النهاية، فكرة أن كل شيء يتغير ليست مدعاة للخوف، بل للتحرر. إنها تعني أن ماضيك ليس سجناً، لأن المادة التي عاشت ذلك الماضي قد رحلت. إنها تعني أن أسوأ آلامك وأكبر أخطائك محفورة في ذاكرة خلايا لم تعد موجودة. إنها تهمس لك كل صباح: "أنت حر.. يمكنك أن تبدأ من جديد.. فأنت حقاً شخص جديد".

رفيق رسمي