كريم كمال
في تطور يُعد الأخطر منذ أزمة عام 1988 عادت العلاقة بين الفاتيكان وجمعية القديس بيوس العاشر (SSPX) إلى حافة المواجهة المباشرة بعد إعلان الجمعية نيتها إجراء رسامات أسقفية جديدة في الأول من يوليو 2026 دون الحصول على تفويض بابوي من روما.

هذه الخطوة أعادت إلى الواجهة واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا داخل الكنيسة الكاثوليكية الحديثة وهي العلاقة بين السلطة البابوية والتيار الكاثوليكي التقليدي الرافض لبعض إصلاحات المجمع الفاتيكاني الثاني.

تأسست جمعية القديس بيوس العاشر عام 1970 على يد رئيس الأساقفة الفرنسي مارسيل لوفيفر الذي رأى أن الكنيسة الكاثوليكية بعد المجمع الفاتيكاني الثاني اتجهت نحو قدر كبير من الحداثة سواء في الليتورجيا أو الحوار مع الأديان الأخرى أو مفهوم الحرية الدينية ومنذ ذلك الحين أصبحت الجمعية تمثل أبرز تيار كاثوليكي تقليدي محافظ يتمسك بالقداس اللاتيني القديم ويرفض جزءًا من الإصلاحات الكنسية الحديثة.

الأزمة الكبرى وقعت عام 1988 عندما قام لوفيفر برسامة أربعة أساقفة دون موافقة البابا يوحنا بولس الثاني ما أدى إلى إعلان الحرمان الكنسي على المشاركين واعتبار الخطوة تحديًا مباشرًا للسلطة البابوية ورغم أن البابا بندكت السادس عشر رفع لاحقًا الحرمان عن الأساقفة الأربعة في إطار محاولة للمصالحة فإن الوضع القانوني للجمعية ظل غير منتظم داخل الكنيسة الكاثوليكية.

اليوم تواجه الجمعية تحديًا جديدًا مرتبطًا باستمراريتها فبعد وفاة أحد أساقفتها وخروج آخر من الجمعية قبل سنوات لم يبق فعليًا سوى عدد محدود من الأساقفة القادرين على إدارة شؤونها العالمية ورسامة الكهنة الجدد ولهذا ترى قيادة الجمعية الحالية بقيادة الأب الإيطالي دافيدي باجلياراني أن الحاجة أصبحت ملحة لرسامة أساقفة جدد يضمنون استمرار المشروع التقليدي للجمعية لعقود مقبلة.

الفاتيكان من جانبه ينظر إلى هذه الخطوة باعتبارها تصعيدًا بالغ الخطورة لأنها تعيد سيناريو 1988 بصورة تكاد تكون متطابقة فبحسب القانون الكنسي الكاثوليكي فإن رسامة أسقف دون إذن البابا قد تؤدي إلى حرمان كنسي تلقائي للأسقف الذي يقوم بالرسامة وللشخص الذي تتم رسامته ولهذا صدرت خلال الأشهر الأخيرة تحذيرات واضحة من دوائر فاتيكانية تشير إلى أن المضي في هذه الخطوة قد يضع الجمعية مجددًا في حالة قطيعة كنسية أعمق مع روما.

ومع ذلك، لا يزال الباب مفتوحًا أمام احتمال التهدئة أو التأجيل فحتى الآن لم يصدر مرسوم رسمي نهائي من الفاتيكان بفرض عقوبات جديدة كما أن تاريخ الكنيسة يشهد حالات عديدة استمرت فيها المفاوضات حتى اللحظات الأخيرة لتجنب الانقسام الكامل لكن المؤشرات الحالية توحي بأن قيادة SSPX تبدو أكثر اقتناعًا من أي وقت مضى بأن مشروعها التقليدي يجب أن يستمر حتى لو أدى ذلك إلى مواجهة جديدة مع روما.

وتُعد جمعية القديس بيوس العاشر اليوم أكبر حركة كاثوليكية تقليدية خارج الوضع القانوني الكامل مع روما إذ تضم ما يقرب من 700 ألف تابع ومؤيد حول العالم إضافة إلى أكثر من 700 كاهن وعشرات المعاهد والمدارس والمراكز الدينية المنتشرة في أوروبا والأمريكتين وآسيا وأفريقيا كما تدير الجمعية شبكة واسعة تضم مئات الكنائس والمصليات والمدارس والجمعيات التعليمية والخيرية ويقود العمل الأسقفي داخل الحركة حاليًا الأسقف السويسري برنارد فيلاي والأسقف الإسباني ألفونسو دي غالاريتا، بعد وفاة الأسقف برنارد تيسييه دي ماليريه وخروج الأسقف ريتشارد ويليامسون من الجمعية قبل سنوات بسبب خلافات داخلية حاد

لهذا يرى كثير من المراقبين أن الايام  القادمة قد تحدد مستقبل العلاقة بين الفاتيكان وأكبر حركة كاثوليكية تقليدية في العالم وربما تشكل نقطة تحول تاريخية جديدة داخل الكنيسة الكاثوليكية المعاصرة وخصوصا مع تحديد الحركة موعد لرسامة الأساقفة الجدد والتي لم تعلن عن عددهم في الاول من يونيو ٢٠٢٦