أكرم ألفي
عندما بدأت رحلتي في قاهرة المعز عام 1994 مع دخولي الجامعة منذ 32 عاماً.. كانت كلمات الصديق الغائب محمد جابر تتردد كثيراً وهي "أزمتنا ليست عدالة اجتماعية فقط بل كمان ناس بتخلف زيادة".. ربما نسى محمد جابر اسمي وشكلي.. ولكن لم أنسى كلماته في طريق من منزله لمقهي في بني سويف وربما لا يعرف أن كلماته كانت سرر اهتمامي بموضوع علاقة السكان بالعدالة الاجتماعية..
جئت إلى القاهرة ورأيت زحام التسعينيات وأزمات هذا العقد المعقد جداً قاهرياً وتنقلت عبر أطراف قاهرة المعز الأربعة ليس بسبب حب التنقل لكن تحت ضغط الظروف ومحاولة القدرة على التعايش ولو بتجنب تناول وجبات الطعام كاملة مع هذه المدينة المزدحمة والصعبة جداً على شاب قادم من بني سويف الهادئة جداً.
في منتصف التسعينيات كانت القاهرة في ذروة نموها السكاني حيث كانت تزيد سنوياً بأكثر من 2% وكان معدل الخصوبة بها يتجاوز 3.8 طفل لكل سيدة .. كان الأطفال والشباب هم الأغلبية الكاسحة لقاهرة المعز وتراجع حاد في الخدمات والبنية التحتية..
بعد 32 عاماً .. تبدو للبعض القاهرة أكثر ضجيجاً وازدحاماً والحديث مستمر مع سائقي التاكسي والأصدقاء عن الضجيج والنمو السكاني وكيف أن البشر ينجبون أكثر كل يوم في القاهرة.
حديث متكرر لا يتسق مع الأرقام والبيانات، بلغة البيانات بلغ متوسط الزيادة في سكان العاصمة منذ بداية 2026 نحو 195 نسمة يومياً فقط .. حيث زاد عدد سكان القاهرة من 10,469,841 نسمة في اول يناير 2026 إلى 10,493,332 نسمة بنهاية أبريل أي أن معدل النمو لم يتجاوز بمتوسط سنوي 0.68%.. أي أقل من معدل السكان الأفضل للنمو وهو ما بين 0.8% إلى 1% سنوياً..
القاهرة بدأت طريقاً نحو تراجع عدد سكانها والأهم هو انخفاض واضح في نسب الشباب والأطفال مقابل ارتفاع نسب كبار السن (فوق 60 عاماً) إلى أكثر من 15% من سكانها. وهنا سر الاحساس الواضح بالضجيج رغم ندرة الأطفال.
إن زيادة نسبة من هم أكبر من 40 عاماً ليمثلوا أكثر من 35% تقريباً من سكان القاهرة جعل احساس الضجيج يزيد رغم أن نسبة الشباب تنخفض في العاصمة..
بجملة اخرى فإن سكان القاهرة اصبحوا ينجبون اقل بكثير عن عقد سابق وزادت نسبة الكبار ومن تخطوا مرحلة الشباب ليصبحوا الفئة المهيمنة في الشارع .. عليك أن تسير في شوارع الشرابية مساء لتجد المقاهي والجلسات يهيمن عليها من هم تخطوا الأربعين بينما الشباب الأصغر سناً أقل في العدد والنسبة.. هنا يصبح القانون المهيمن هو الهدوء والاستثناء هو الضجيج الذي يصنعه الشباب مما يجعل الضجيج صوته مسموعاً أعلى..
بجملة ابسط قبل 15 عاماً فقط لو كنت تتسوق في شوارع القاهرة كانت أصوات العشرات من الأطفال الصغار والرضع جزءاً من صوت الشارع المعتاد ولا يمثل ضجيجاً.. اليوم مع انخفاض عدد الأطفال فإن صوت رضيع يصرخ في الشارع يصبح ضجيجاً!.
هكذا فإن تحولات الديموجرافيا لقاهرة المعز وانتقالها لتصبح عاصمة بها نسبة كبيرة من كبار السن جعلها تبدو أكثر ضجيجاً لسكانها ولكن الواقع أن استعادة المشهد قبل 32 عاماً تظهر أن الضجيج قد تراجع جداً.. ففي منتصف التسعينيات عندما كنت اسير في الشوارع فرحاً باكتشاف شوارع القاهرة كان الشباب في عمري وقتها يمثلون كتلة ضخمة تهيمن على الشوارع والمقاهي وتفرض صخباً غير عادي.. اليوم أصبح الشباب كتلة مهمة ولكن ليست الأغلبية وليست هي المهيمنة وأصبح سماع صوت رضيع ليس بالأمر المعتاد كما كان ولهذا أصبحت القاهرة تعيش بأطفال أقل ولكن احساس سكانها بالضجيج يزداد .. إنه سر الديموجرافيا والتحولات الاجتماعية والعمرية. وهذا حوار يطول عن علاقة النمو السكاني بالتغيرات في سلوك أبناء العاصمة.
نقلا عن المصرى اليوم





