الأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسُ طُوسُ
المُقَدِّمَةُ:
هٰذِهِ مُجَرَّدُ أَفْكَارٍ بَسِيطَةٍ وَمُتَوَاضِعَةٍ فِي ضَوْءِ تَزْيِيفِ الوَعْيِ وَأَزْمَةِ الحَقِيقَةِ، فَقَطْ نُرِيدُ أَنْ نُلْقِيَ الضَّوْءَ لِلْوَعْيِ وَالفَهْمِ وَالإِدْرَاكِ وَالاِسْتِنَارَةِ لِيَقَظَةِ الضَّمِيرِ، لِنَسِيرَ فِي النُّورِ بَعِيدًا عَنْ ظُلْمَةِ الكَذِبِ وَالحَيَاةِ المُهْتَزَّةِ وَالمُعْتَقَدَاتِ المُضَلِّلَةِ، لِنَصِلَ إِلَى القِيَمِ النَّبِيلَةِ وَالمَبَادِئِ السَّامِيَةِ.
يَعِيشُ الإِنْسَانُ المُعَاصِرُ فِي عَالَمٍ تَتَدَفَّقُ فِيهِ المَعْلُومَاتُ بِشَكْلٍ غَيْرِ مَسْبُوقٍ، إِلَّا أَنَّ هٰذَا التَّدَفُّقَ لَمْ يُؤَدِّ بِالضَّرُورَةِ إِلَى وُضُوحِ الحَقِيقَةِ، بَلْ إِلَى تَشَوُّشِهَا أَحْيَانًا. وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ يُمْكِنُ تَوْصِيفُ حَالَةٍ فِكْرِيَّةٍ نَقْدِيَّةٍ تُسَمَّى مَجَازًا: "الدِّعَارَةُ الفِكْرِيَّةُ"، أَيْ تَحْوِيلُ الفِكْرِ مِنْ سَعْيٍ لِلْحَقِيقَةِ إِلَى أَدَاةٍ تُبَاعُ وَتُشْتَرَى لِخِدْمَةِ المَصَالِحِ.
فَنَحْنُ فِي زَمَنِ "الضَّلَالَةِ وَالدِّعَارَةِ الفِكْرِيَّةِ" وَ"الإِعْلَامِ المُشْبُوهِ وَالمُشَوَّهِ الكَاذِبِ"، وَهٰذِهِ مُجَرَّدُ أَفْكَارٍ بَسِيطَةٍ وَمُتَوَاضِعَةٍ فِي ضَوْءِ تَزْيِيفِ الوَعْيِ وَأَزْمَةِ الحَقِيقَةِ.
فَقَطْ نُرِيدُ أَنْ نُلْقِيَ الضَّوْءَ عَلَى الوَعْيِ وَالفَهْمِ وَالإِدْرَاكِ وَالاِسْتِنَارَةِ لِيَقَظَةِ الضَّمِيرِ، لِنَسِيرَ فِي النُّورِ بَعِيدًا عَنْ ظُلْمَةِ الكَذِبِ وَالحَيَاةِ المُهْتَزَّةِ وَالمُعْتَقَدَاتِ المُضَلِّلَةِ، لِنَصِلَ إِلَى القِيَمِ النَّبِيلَةِ وَالمَبَادِئِ السَّامِيَةِ.
فَيُوَاجِهُ الإِنْسَانُ المُعَاصِرُ تَحَدِّيًا جَوْهَرِيًّا لَا يَتَعَلَّقُ بِنُدْرَةِ المَعْرِفَةِ، بَلْ بِتَشَوُّهِهَا. فَفِي ظِلِّ تَضَخُّمِ وَسَائِلِ الإِعْلَامِ وَالتَّوَاصُلِ، لَمْ تَعُدِ الحَقِيقَةُ تُنْقَلُ بِحِيَادٍ، بَلْ تُعَادُ صِيَاغَتُهَا وَتَوْجِيهُهَا.
وَمَفْهُومُ "الدِّعَارَةِ الفِكْرِيَّةِ"، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُصْطَلَحًا أَكَادِيمِيًّا رَسْمِيًّا، إِلَّا أَنَّهُ يَعْكِسُ ظَوَاهِرَ مَدْرُوسَةً فِي الفِكْرِ المُعَاصِرِ مِثْلَ: تَزْيِيفِ الوَعْيِ، وَصِنَاعَةِ الرَّأْيِ العَامِّ، وَالتَّلَاعُبِ الإِعْلَامِيِّ.
وَمِنْ هُنَا يَظْهَرُ التَّعْبِيرُ النَّقْدِيُّ: "الدِّعَارَةُ الفِكْرِيَّةُ"، أَيْ بَيْعُ الحَقِيقَةِ وَتَسْلِيعُ الوَعْيِ خِدْمَةً لِمَصَالِحَ مُعَيَّنَةٍ.
فَفِي هٰذَا المَوْضُوعِ نَسْعَى إِلَى تَحْلِيلِ هٰذِهِ الظَّاهِرَةِ فِي ضَوْءِ العُلُومِ الإِنْسَانِيَّةِ وَاللَّاهُوتِ المَسِيحِيِّ، مُبَيِّنِينَ خُطُورَتَهَا وَسُبُلَ مُوَاجَهَتِهَا.
أَوَّلًا: الإِطَارُ المَفْهُومِيُّ ــ بَيْنَ المُصْطَلَحِ وَالوَاقِعِ
لَا يُعَدُّ مُصْطَلَحُ "الدِّعَارَةِ الفِكْرِيَّةِ" تَعْبِيرًا أَكَادِيمِيًّا مُعْتَمَدًا، لَكِنَّهُ يُشِيرُ إِلَى ظَوَاهِرَ مَدْرُوسَةٍ، مِنْهَا:
1 ـ تَزْيِيفُ الوَعْيِ
2 ـ التَّضْلِيلُ الإِعْلَامِيُّ
3 ـ الاِنْتِهَازِيَّةُ الفِكْرِيَّةُ
وَيُؤَكِّدُ نعوم تشومسكي أَنَّ وَسَائِلَ الإِعْلَامِ قَدْ تَتَحَوَّلُ إِلَى أَدَوَاتٍ لِتَشْكِيلِ الرَّأْيِ العَامِّ وَفْقَ مَصَالِحَ مُعَيَّنَةٍ، لَا لِنَقْلِ الحَقِيقَةِ بِمَوْضُوعِيَّةٍ¹.
أولًا: صناعة الوعي وتوجيه الحقيقة
يُظهر نعوم تشومسكي، وإدوارد إس. هيرمان، في كتابهما صناعة القبول: "أن وسائل الإعلام قد تعمل ضمن "نماذج دعائية" تُعيد تشكيل الحقيقة بما يخدم مصالح القوى الاقتصادية والسياسية فتكون بمثابة أَدَوَاتٍ لِتَشْكِيلِ الرَّأْيِ العَامِّ وَفْقَ مَصَالِحَ مُعَيَّنَةٍ، لَا لِنَقْلِ الحَقِيقَةِ بِمَوْضُوعِيَّةٍ" ¹.
ثَانِيًا: تَزْيِيفُ الوَعْيِ وَتَحَوُّلُ الخِطَابِ العَامِّ
يُشِيرُ نيل بوستمان: إِلَى "أَنَّ الخِطَابَ العَامَّ فِي العَصْرِ الحَدِيثِ تَحَوَّلَ إِلَى شَكْلٍ تَرْفِيهِيٍّ، مِمَّا أَدَّى إِلَى تآكل العمق الفكري وتحويل المعرفة إلى استهلاك سريع، وتَسْطِيحِ وتهميش الفِكْرِ وَإِفْرَاغِهِ مِنْ مَضْمُونِهِ" ².
وَهَذَا التَّحَوُّلُ يُفْسِحُ المَجَالَ أَمَامَ:
1 ـ تَضْلِيلِ الجَمَاهِيرِ
2 ـ إِعَادَةِ صِيَاغَةِ الحَقَائِقِ
3 ـ تَشْكِيلِ وَعْيٍ زَائِفٍ
وهذا يفتح المجال أمام إعادة تشكيل الفكر بشكل غير واعٍ، مما يجعل الإنسان عرضة للتوجيه غير المباشر.
ثالثًا: البنية الاجتماعية وتشكّل الوعي
يُبيّن سي. رايت ميلز: "أن وعي الفرد لا ينفصل عن البنية الاجتماعية التي يعيش فيها" ³، بينما يوضح أنتوني غيدنز: "أن الحداثة أنتجت أزمة هوية جعلت الإنسان أكثر قابلية للتأثر بالخطابات المتعددة والمتناقضة" ⁴.
رابعًا: البُعْدُ السُّوسِيُولُوجِيُّ – تَشَكُّلُ الوَعْيِ فِي المُجْتَمَعِ
يُؤَكِّدُ سي رايت ميلز: "أَنَّ وَعْيَ الإِنْسَانِ يَتَشَكَّلُ فِي سِيَاقِ البِنْيَةِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ" ³،
بَيْنَمَا يُبَيِّنُ أنطوني جيدنز: "أَنَّ الحَدَاثَةَ أَدَّتْ إِلَى أَزْمَةِ هُوِيَّةٍ جَعَلَتِ الإِنْسَانَ أَكْثَرَ عُرْضَةً لِلتَّأْثِيرِ وَالتَّوْجِيهِ" ⁴.
وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ تَزْيِيفَ الفِكْرِ لَا يُفْسِدُ الفَرْدَ فَقَطْ، بَلْ يُعِيدُ تَشْكِيلَ المُجْتَمَعِ بِأَسْرِهِ.
خامسًا: الحَقِيقَةُ بَيْنَ الفَلْسَفَةِ وَالإِيمَانِ
يُقَدِّمُ فريدريك نيتشه نَقْدًا جَذْرِيًّا لِمَفْهُومِ الحَقِيقَةِ، مِمَّا أَسْهَمَ فِي تَعْزِيزِ النِّسْبِيَّةِ ⁵.
وَبِالمُقَابِلِ، يُجَسِّدُ أفلاطون فِي أُسْطُورَةِ الكَهْفِ صِرَاعَ الإِنْسَانِ بَيْنَ الوَهْمِ وَالحَقِيقَة" ِ⁶.
أَمَّا فِي اللَّاهُوتِ المَسِيحِيِّ، فَالحَقِيقَةُ لَيْسَتْ فِكْرَةً مُجَرَّدَةً، بَلْ شَخْصٌ:
«أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالحَقُّ وَالحَيَاةُ» (يو 14: 6).
سادسًا: الرُّؤْيَةُ اللَّاهُوتِيَّةُ ــ الحَقِيقَةُ كَقِيمَةٍ خَلاَصِيَّةٍ
تُعَلِّمُ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية: "أَنَّ الحَقِيقَةَ وَاجِبٌ أَخْلَاقِيٌّ، وَأَنَّ الكَذِبَ يُعَدُّ خَطِيئَةً تُفْسِدُ الإِنْسَانَ وَالعَلاَقَاتِ الإِنْسَانِيَّةَ" ⁷.
كَمَا يُشِيرُ المجلس البابوي لوسائل الإعلام إِلَى "أَنَّ وَسَائِلَ الإِعْلَامِ تَحْمِلُ مَسْؤُولِيَّةً أَخْلَاقِيَّةً فِي خِدْمَةِ الحَقِّ" ⁸،
وَيُؤَكِّدُ المجمع الفاتيكاني الثاني عَلَى: "ضَرُورَةِ تَوْجِيهِهَا نَحْوَ الخَيْرِ العَامِّ" ⁹.
سَابعًا: قِرَاءَةٌ نَقْدِيَّةٌ لِلمُصْطَلَحِ
يَجِبُ التَّمْيِيزُ بَيْنَ:
1 ـ الاخْتِلَافِ الفِكْرِيِّ المَشْرُوعِ.
2 ـ تَزْيِيفِ الحَقِيقَةِ عَنْ عَمْدٍ.
فَالمُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي تَعَدُّدِ الآرَاءِ، بَلْ فِي بَيْعِ الضَّمِيرِ وَتَشْوِيهِ الحَقِّ.
ثَامِنًا: الشَّهَادَةُ الآبَائِيَّةُ ــ الحَقِيقَةُ وَتَمْيِيزُ الرُّوحِ
يُقَدِّمُ الآبَاءُ الكِبَادُوكِيُّونَ رُؤْيَةً عَمِيقَةً لِحَيَاةِ الحَقِّ وَتَمْيِيزِ الْفِكْرِ، حَيْثُ يَشُدِّدُ القديس باسيليوس الكبير عَلَى أَنَّ: "مَا لَا يُخْتَبَرُ بِضَوْءِ الإِيمَانِ يَصِيرُ سَهْلَ الِانْحِرَافِ إِلَى الضَّلَالِ" ¹⁰.
وَيُؤَكِّدُ غريغوريوس النزينزي أَنَّ: "الكَلِمَةَ الحَقَّةَ تَكُونُ نُورًا لِلْعَقْلِ، أَمَّا الْكَذِبُ فَيَسْتُرُ الحَقِيقَةَ كَسَحَابٍ يُغَطِّي الشَّمْسَ" ¹¹.
أَمَّا غريغوريوس النيسي فَيَرَى أَنَّ: "تَشْوِيهَ الْحَقِيقَةِ هُوَ تَشْوِيهٌ لِصُورَةِ الإِنْسَانِ الدَّاخِلِيَّةِ" ¹²، وَهُوَ مَا يَجْعَلُ الأَزْمَةَ لَيْسَتْ فِكْرِيَّةً فَقَطْ بَلْ وُجُودِيَّةً أَيْضًا.
وَيُكْمِلُ القديس أوغسطينوس هَذَا الْفَهْمَ بِقَوْلِهِ: "الْحَقُّ هُوَ مَا يُنِيرُ الْقَلْبَ، وَالْكَذِبُ هُوَ مَا يُظْلِمُهُ وَيَسْتَعْبِدُهُ" ¹³.
وَيُضِيفُ أَنَّ: "الْإِنْسَانَ لَا يَسْتَرِيحُ إِلَّا فِي الْحَقِّ، لِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ وَطَنُ النَّفْسِ" ¹⁴.
أَمَّا القديس يوحنا الذهبي الفم فَيُحَذِّرُ مِنْ خُطُورَةِ تَحْوِيلِ الْكَلِمَةِ إِلَى أَدَاةِ تَضْلِيلٍ، فَيَقُولُ: "لَيْسَ شَرٌّ أَعْظَمَ مِنْ لِسَانٍ يَخْدِمُ الْكَذِبَ وَيُزَيِّنُهُ بِصُورَةِ الْحَقِّ" ¹⁵.
وَبِذَلِكَ تُؤَكِّدُ الشَّهَادَةُ الآبَائِيَّةُ أَنَّ الْحَقِيقَةَ لَيْسَتْ مَفْهُومًا ذِهْنِيًّا فَقَطْ، بَلْ حَيَاةٌ رُوحِيَّةٌ، وَأَنَّ تَزْيِيفَ الْفِكْرِ هُوَ فِي جَوْهَرِهِ انْحِرَافٌ عَنْ نُورِ اللهِ.
تَاسِعًا: نَحْوَ مُوَاجَهَةٍ كَنَسِيَّةٍ وَرَعَوِيَّةٍ
تَتَطَلَّبُ الْمُوَاجَهَةُ:
1 ـ تَكْوِينًا فِكْرِيًّا وَرُوحِيًّا عَمِيقًا.
2 ـ تَعْزِيزَ التَّمْيِيزِ الرُّوحِيِّ.
3 ـ تَرْبِيَةَ الضَّمِيرِ عَلَى الْحَقِّ.
فَالْكَنِيسَةُ مَدْعُوَّةٌ أَنْ تَكُونَ: شَاهِدَةً لِلْحَقِّ، لَا مُسَاوِمَةً عَلَيْهِ.
+ * صَلَاةٌ خَاصَّةٌ بِالْمَوْضُوعِ * +
إِلَهَنَا الصَّالِحُ، أَبَا النُّورِ وَوَاهِبَ الْحَقِّ،
نَسْأَلُكَ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الَّتِي يَضْطَرِبُ فِيهَا الْفِكْرُ،
وَتَتَشَوَّهُ فِيهَا الْحَقِيقَةُ،
أَنْ تُشْرِقَ بِنُورِكَ فِي عُقُولِنَا وَقُلُوبِنَا،
لِكَيْ لَا نَسِيرَ خَلْفَ ظِلَالِ الْخِدَاعِ وَلَا نَنْخَدِعَ بِأَقْنِعَةِ الْكَذِبِ وَالتَّضْلِيلِ.
يَا رَبُّ، أَنْتَ الْحَقُّ نَفْسُهُ،
وَفِيكَ يَسْتَقِيمُ الْفِكْرُ وَيَتَطَهَّرُ الضَّمِيرُ.
فَطَهِّرْنَا مِنْ كُلِّ فِكْرٍ مُنْحَرِفٍ،
وَأَعِدْ تَشْكِيلَ أَذْهَانِنَا عَلَى صُورَةِ حَقِّكَ، لِنَكُونَ أَبْنَاءَ النُّورِ لَا أَبْنَاءَ الظُّلْمَةِ.
نَسْأَلُكَ يَا رَبُّ أَنْ تُنِيرَ وُجُوهَ الْمُخْدَعِينَ وَالضَّائِعِينَ فِي زَحَامِ الْمَعْلُومَاتِ،
وَأَنْ تَرُدَّ كُلَّ نَفْسٍ إِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ،
لِكَيْ تَتَحَرَّرَ مِنْ كُلِّ قُيُودِ التَّضْلِيلِ وَالِاسْتِغْلَالِ.
يَا رَبُّ يَسُوعُ الْمَسِيحُ،
أَنْتَ قُلْتَ: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ»،
فَاجْعَلْنَا نَسِيرُ فِي طَرِيقِكَ، وَنَثْبُتُ فِي حَقِّكَ،
وَنَحْيَا بِحَيَاتِكَ، لِكَيْ نَكُونَ شُهُودًا لِلنُّورِ فِي عَالَمٍ يَتَخَبَّطُ فِي الظُّلْمَةِ.
وَهَبْ لِكَنِيسَتِكَ، أَنْ تَبْقَى صَوْتًا نَبِيًّا فِي وَجْهِ كُلِّ تَزْيِيفٍ،
وَأَنْ تَقُودَ أَبْنَاءَهَا إِلَى تَمْيِيزِ الرُّوحِ وَالْحَقِّ، بِقُوَّةِ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَتِهِ.
نُصَلِّي بِشَفَاعَةِ الْعَائِلَةِ الْمُقَدَّسَةِ:
يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَالسَّيِّدَةِ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمَ، وَالْقِدِّيسِ يُوسُفَ النَّجَّارِ،
أَنْ يَحْفَظُونَا فِي نُورِ الْحَقِّ، وَيَقُودُونَا إِلَى خَلَاصِ النَّفْسِ وَسَلَامِ الضَّمِيرِ.
لِكَ الْمَجْدُ وَالْكَرَامَةُ وَالْعِبَادَةُ، إِلَى دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ.
الخاتِمَةُ:
إِنَّ مَا يُسَمَّى «الدِّعَارَةَ الفِكْرِيَّةَ» هُوَ تَعْبِيرٌ عَنْ أَزْمَةٍ أَعْمَقَ: أَزْمَةِ الْحَقِيقَةِ فِي الإِنْسَانِ الْمُعَاصِرِ. وَبَيْنَمَا يَسْقُطُ الْبَعْضُ فِي تَزْيِيفِ الْوَعْيِ، تَبْقَى الدَّعْوَةُ الإِنْجِيلِيَّةُ قَائِمَةً:
"أَنْ نَعْرِفَ الْحَقَّ، وَنَشْهَدَ لَهُ، وَنَحْيَا بِهِ".
فَنَحْنُ نَعِيشُ فِي الْعَصْرِ الْحَالِيِّ وَالْمُعَاصِرِ فِي زَمَنِ "الضَّلَالَةِ وَالدِّعَارَةِ الفِكْرِيَّةِ" وَ "الإِعْلَامِ الْمَشْبُوهِ وَالْمُشَوَّهِ الْكَاذِبِ"؛ فَلَا مُنْقِذَ غَيْرُ الْحَقِّ الَّذِي جَاءَ وَمَعَهُ الْحَقُّ وَقَالَ الْحَقَّ وَنَادَى بِالْحَقِّ وَعَاشَ الْحَقَّ.
فَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ، فَلَا حَقَّ إِلَّا لِمَنْ قَالَ الْحَقَّ: الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ الْحَقَّ يُحَرِّرُكُمْ، فَلَا حَقَّ وَلَا حَقِيقَةَ خَارِجَةً عَنْهُ لِأَنَّهَا فِيهِ وَبِهِ وَلَهُ وَلِأَجْلِهِ...
وَفِي خِتَامِ هٰذِهِ الأَفْكَارِ، نُؤَكِّدُ أَنَّ أَزْمَةَ الحَقِيقَةِ فِي عَصْرِنَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ مُشْكِلَةٍ مَعْرِفِيَّةٍ، بَلْ هِيَ أَيْضًا أَزْمَةٌ أَخْلَاقِيَّةٌ وَرُوحِيَّةٌ تَمَسُّ الضَّمِيرَ الإِنسَانِيَّ فِي جَوْهَرِهِ. وَإِذْ يَتَزَاحَمُ الصَّوْتُ وَتَتَدَافَعُ الرِّوَايَاتُ، يَبْقَى الحَقُّ دَاعِيًا هَادِئًا إِلَى النُّورِ وَالثَّبَاتِ وَنَقَاوَةِ الرُّؤْيَةِ.
لِذٰلِكَ، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ الحَقِيقِيَّةَ هِيَ دَعْوَةٌ إِلَى تَمْيِيزِ الحَقِّ مِنَ الزُّيُوفِ، وَإِلَى إِعَادَةِ اِعْتِبَارِ القِيمِ النَّبِيلَةِ فِي مُوَاجَهَةِ كُلِّ مَا يُشَوِّهُ الوعْيَ أَوْ يَسْتَخِفُّ بِالحَقِيقَةِ. وَبِهٰذَا وَحْدَهُ يَسْتَطِيعُ الإِنسَانُ أَنْ يَسِيرَ فِي نُورِ الحَقِّ، مُتَجَاوِزًا كُلَّ أَشْكَالِ التَّضْلِيلِ وَالِانْحِرَافِ، نَحْوَ حَيَاةٍ أَصْدَقَ وَأَسْمَى وَأَثْبَتَ فِي المَبْدَإِ وَالمَعْنَى.
✍️
الأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسُ طُوسُ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصادر والمراجع:
1 ـ نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان، صناعة القبول: الاقتصاد السياسي لوسائل الإعلام، ترجمة: أحمد حسان، الطبعة الثانية، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان، 2008م، ص 21 ــ 45.
2 ـ نيل بوستمان، التسلية حتى الموت: الخطاب العام في عصر الترفيه، ترجمة: فاروق عبد القادر، الطبعة الأولى، دار الشروق، القاهرة – مصر، 1999م، ص 15–32.
3 ـ سي رايت ميلز، الخيال السوسيولوجي، ترجمة إحسان محمد الحسن، الطبعة الثانية، دار الطليعة، بيروت، لبنان، 2006م، ص 9 ــ 25.
4 ـ أنطوني جيدنز، الحداثة وهوية الذات، ترجمة فايز الصيّاغ، الطبعة الأولى، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، لبنان: 2005م، ص 35 ــ60.
5 ـ فريدريك نيتشه، ما وراء الخير والشر، ترجمة فليكس فارس، الطبعة الثالثة، دار التنوير، بيروت، لبنان: 2007م، ص 11 ــ 28.
6 ـ أفلاطون، الجمهورية، ترجمة حنا خباز، الطبعة الثانية، دار المعارف، القاهرة، مصر: 2004م، ص 323 ــ 335.
7 ـ التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، ترجمة عربية رسمية، الطبعة الأولى العربية، دار المشرق، بيروت، لبنان: 1992م، فقرة 2464 ــ 2487.
8 ـ المجلس البابوي لوسائل الاتصالات الاجتماعية، أخلاقيات وسائل الإعلام، الطبعة الفاتيكانية الرسمية، دولة الفاتيكان، مدينة الفاتيكان: 2000م، ص 12 ــ 18.
9 ـ المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، Inter Mirifica، ترجمة: الأمانة العامة لمجلس كنائس الشرق الأوسط، الطبعة العربية الأولى، دولة الفاتيكان، مدينة الفاتيكان: 1963م، ص 3 ــ 7.
10 ـ القديس باسيليوس الكبير، الرسائل المختارة (Epistulae)، الرسالة رقم 2، ترجمة القمص مرقس داود، الطبعة الأولى، مكتبة المحبة الأرثوذكسية، القاهرة، مصر: 2005م.
11 ـ القديس غريغوريوس النزينزي، الخطب اللاهوتية (Theological Orations)، الخطبة الثانية، ترجمة الأب أنطونيوس فكري، الطبعة الثانية، دار القديس أثناسيوس، القاهرة، مصر: 2010م.
12 ـ القديس غريغوريوس النيسي، ضد أونوميوس (Contra Eunomium)، الكتاب الأول (الفقرات 38–41)، ترجمة د. جورج حبيب بباوي، الطبعة الأولى، دار الثقافة القبطية الأرثوذكسية، القاهرة، مصر: 2008م.
13 ـ القديس أغسطينوس، الاعترافات (Confessiones)، الكتاب الأول، الفصل الأول، ترجمة الأب يوحنا حنين، الطبعة الثالثة، دار المشرق، بيروت، لبنان: 2012م.
14 ـ القديس أغسطينوس، مدينة الله (De Civitate Dei)، الكتاب الحادي عشر، الفصل 27، ترجمة الأب يوحنا حنين، الطبعة الثانية، دار المشرق، بيروت، لبنان: 2010م.
15 ـ القديس يوحنا الذهبي الفم، عظات على إنجيل متى (Homilies on Matthew)،
العظة 54، ترجمة: القمص تادرس يعقوب ملطي، الطبعة الأولى، كنيسة مارجرجس، سبورتنج، الإسكندرية، مصر: 2007م.
✍️
الأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسُ طُوسُ...





