أَلأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طُوسْ...
لَيْسَتِ الوَحْدَةُ الكَنَسِيَّةُ فِكْرَةً إِنْسَانِيَّةً أَوْ مَشْرُوعًا تَارِيخِيًّا يَخْضَعُ لِلتَّفَاوُضِ، بَلْ هِيَ أَوَّلًا وَأَخِيرًا مَشِيئَةُ اللهِ وَقَلْبُ الإِنْجِيلِ النَّابِضُ. فَالسَّيِّدُ المَسِيحُ لَمْ يَكْتَفِ بِالدَّعْوَةِ إِلَى المَحَبَّةِ، بَلْ رَفَعَ صَلَاةً كَهَنُوتِيَّةً عَمِيقَةً لِأَجْلِ الوَحْدَةِ.
وَفِي هٰذَا السِّيَاقِ، يَبْرُزُ جُهْدُ الكَنِيسَةِ الكَاثُولِيكِيَّةِ فِي العُصُورِ الحَدِيثَةِ كَمَسِيرَةٍ جَادَّةٍ نَحْوَ الوَحْدَةِ، مَبْنِيَّةٍ عَلَى الحِوَارِ وَالِانْفِتَاحِ وَالمَحَبَّةِ. فَلَمْ تَكُنْ مُبَادَرَاتُهَا مُجَرَّدَ خِطَابٍ لَاهُوتِيٍّ، بَلْ تَرْجَمَتْ نَفْسَهَا إِلَى وَاقِعٍ مَلْمُوسٍ، خَاصَّةً فِي بِلَادِ المَهْجَرِ، حَيْثُ فَتَحَتْ أَبْوَابَ كَنَائِسِهَا لِإِخْوَتِهَا مِنَ الكَنَائِسِ الأُخْرَى، وَسَمَحَتْ بِالمُشَارَكَةِ فِي الأَمَاكِنِ المُقَدَّسَةِ، بَلْ وَفِي بَعْضِ الحَالَاتِ نَقَلَتْ مِلْكِيَّةَ كَنَائِسٍ كَامِلَةٍ لِخِدْمَةِ الجَالِيَّاتِ النَّاشِئَةِ.
هٰذَا العَطَاءُ لَمْ يَكُنْ مُنْطَلِقًا مِنْ فَائِضٍ مَادِّيٍّ فَقَطْ، بَلْ مِنْ رُوحٍ إِنْجِيلِيَّةٍ تُؤْمِنُ أَنَّ الكَنِيسَةَ وَاحِدَةٌ، وَأَنَّ المَذْبَحَ لَيْسَ مِلْكًا لِجِهَةٍ، بَلْ مَوْضِعُ لِحُضُورِ اللهِ الَّذِي يَجْمَعُ وَلا يُفَرِّقُ. وَهُنَا تَتَجَلَّى كَلِمَةُ الرَّسُولِ: «المَحَبَّةُ لَا تَسْقُطُ أَبَدًا» (١ كورنثوس ١٣: ٨)، كَحَقِيقَةٍ تُعَاشُ قَبْلَ أَنْ تُقَالَ.
لٰكِنَّ الوَاقِعَ لَا يَخْلُو مِنْ تَوَتُّرٍ وَتَنَاقُضٍ. فَبِجَانِبِ هٰذَا السَّعْيِ الصَّادِقِ، تَظْهَرُ أَحْيَانًا مَوَاقِفُ مُقَابِلَةٌ تَتَّسِمُ بِالِانْغِلَاقِ أَوِ التَّحَفُّظِ أَوْ حَتَّى الرَّفْضِ. وَقَدْ يَصِلُ الأَمْرُ فِي بَعْضِ السِّيَاقَاتِ إِلَى رُوحِ اسْتِفَادَةٍ أُحَادِيَّةٍ، تَأْخُذُ وَلَا تُعْطِي، وَتَسْتَفِيدُ مِنَ العَطَاءِ دُونَ أَنْ تَنْخَرِطَ فِي مَسِيرَةِ وَحْدَةٍ حَقِيقِيَّةٍ.
وَالأَخْطَرُ مِنْ ذٰلِكَ لَيْسَ فِي الِاخْتِلَافِ بِحَدِّ ذَاتِهِ، بَلْ فِي التَّنَاقُضِ بَيْنَ المَظْهَرِ وَالجَوْهَرِ: حَيْثُ تُرْفَعُ شِعَارَاتُ الوَدَاعَةِ وَالمَحَبَّةِ، بَيْنَمَا تُخْفِي بَعْضُ المُمارَسَاتِ نَزْعَةَ إِقْصَاءٍ أَوْ تَعَصُّبٍ أَوْ تَشْوِيهٍ لِلآخَرِ. وَفِي بَعْضِ الحَالَاتِ، لَا يَقِفُ الأَمْرُ عِنْدَ حُدُودِ الخِطَابِ، بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى تَغْيِيرِ مَعَالِمِ الأَمَاكِنِ المُسَلَّمَةِ، وَمَحْوِ بَعْضِ رُمُوزِهَا وَجَمَالِيَّاتِهَا، وَكَأَنَّ الهُوِيَّةَ لَا تَتَحَقَّقُ إِلَّا بِإِزَالَةِ آثَارِ الآخَرِ.
وَهُنَا يَجِبُ التَّوَقُّفُ بِرُوحٍ نَقْدِيَّةٍ أَمِينَةٍ: فَالوَحْدَةُ لَا تَعْنِي الذَّوْبَانَ، وَلَا تَبْرِيرَ كُلِّ مَوْقِفٍ، كَمَا أَنَّ الحِوَارَ لَا يَعْنِي التَّنَازُلَ عَنِ الحَقِّ. لٰكِنَّهَا فِي جَوْهَرِهَا تَعْنِي الِانْفِتَاحَ عَلَى الآخَرِ، وَالِاسْتِعْدَادَ لِلأَخْذِ وَالعَطَاءِ، وَالِاعْتِرَافَ المُتَبَادَلَ بِالكَرَامَةِ وَالتَّارِيخِ وَالتُّرَاثِ.
إِنَّ أَكْبَرَ عَقَبَةٍ أَمَامَ الوَحْدَةِ لَيْسَتِ الِاخْتِلَافَاتِ اللَّاهُوتِيَّةَ فِي حَدِّ ذَاتِهَا، بَلْ القُلُوبُ المُنْغَلِقَةُ وَالعُقُولُ المُسَبَّقَةُ وَالمَخَاوِفُ المُتَرَاكِمَةُ. فَحِينَ يَغِيبُ الِاتِّضَاعُ، تَتَحَوَّلُ المَحَبَّةُ إِلَى شِعَارٍ، وَيُصْبِحُ الحِوَارُ شَكْلًا بِلَا مَضْمُونٍ.
وَمَعَ ذٰلِكَ، يَبْقَى الرَّجَاءُ قَائِمًا، لِأَنَّ الوَحْدَةَ فِي أَصْلِهَا لَيْسَتْ صُنْعًا بَشَرِيًّا، بَلْ عَمَلُ نِعْمَةٍ. وَكُلُّ مَا يُطْلَبُ مِنَ الإِنْسَانِ هُوَ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا لِلدَّعْوَةِ، صَادِقًا فِي المَحَبَّةِ، وَمُسْتَعِدًّا لِتَجَاوُزِ ذَاتِهِ.
فَإِذَا كَانَتِ الكَنِيسَةُ الكَاثُولِيكِيَّةُ تَسِيرُ فِي طَرِيقِ العَطَاءِ وَالِانْفِتَاحِ، فَإِنَّ الدَّعْوَةَ مَوَجَّهَةٌ إِلَى الجَمِيعِ لِلدُّخُولِ فِي نَفْسِ الرُّوحِ: لَا رُوحِ الأَخْذِ فَقَطْ، بَلْ رُوحِ الشَّرِكَةِ. لِأَنَّ الوَحْدَةَ الحَقِيقِيَّةَ لَا تُبْنَى عَلَى مَيْزَانٍ أَحَادِيٍّ، بَلْ عَلَى تَبَادُلٍ مُحِبٍّ وَصَادِقٍ.
فَالمَحَبَّةُ الَّتِي تُعْطِي دُونَ حُدُودٍ، مَدْعُوَّةٌ أَيْضًا أَنْ تَجِدَ صَدًى، لَا بِالمِثْلِ، بَلْ بِالأَمَانَةِ. وَإِلَّا تَحَوَّلَتِ الوَحْدَةُ إِلَى حُلْمٍ مُؤَجَّلٍ، وَبَقِيَتِ الجُرُوحُ مَفْتُوحَةً تَحْتَ سِتَارِ الكَلِمَاتِ الجَمِيلَةِ.
صَلَاةُ يَسُوعَ الكَهَنُوتِيَّةُ (يُوحَنَّا ١٧):
«أَيُّهَا الآبُ القُدُّوسُ، احْفَظْهُمْ فِي اسْمِكَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا نَحْنُ.
لَيْسَ مِنْ أَجْلِ هٰؤُلَاءِ فَقَطْ أَسْأَلُ، بَلْ أَيْضًا مِنْ أَجْلِ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِي بِكَلَامِهِمْ، لِيَكُونَ الجَمِيعُ وَاحِدًا، كَمَا أَنَّكَ أَنْتَ أَيُّهَا الآبُ فِيَّ وَأَنَا فِيكَ، لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضًا فِينَا وَاحِدًا، لِيُؤْمِنَ العَالَمُ أَنَّكَ أَرْسَلْتَنِي.
وَأَنَا قَدْ أَعْطَيْتُهُمُ المَجْدَ الَّذِي أَعْطَيْتَنِي، لِيَكُونُوا وَاحِدًا كَمَا أَنَّنَا نَحْنُ وَاحِدٌ: أَنَا فِيهِمْ وَأَنْتَ فِيَّ، لِيَكُونُوا مُكَمَّلِينَ إِلَى وَاحِدٍ.»
وَفِي النِّهَايَةِ، تَبْقَى هٰذِهِ الصَّلَاةُ صَوْتًا إِلَهِيًّا لَا يَخْبُو، يَدْعُونَا لَا إِلَى مُجَرَّدِ الحَدِيثِ عَنِ الوَحْدَةِ، بَلْ إِلَى عَيْشِهَا حَقِيقَةً يَوْمِيَّةً، فِي المَحَبَّةِ وَالحَقِّ وَالتَّوَاضُعِ.
✍️
أَلأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طُوسْ...





