"سيّدةُ الأوجاع"

(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
في كلّ "جُمْعة عظيمة" وفقًا للسّنة الطّقسيّة، وانطلاقًا من نصوص العهد الجديد أيضًا، تتذكّر الكنيسةُ الجامعة –شرقًا وغربًا– أحزان العذراء مريم وأَوْجَاعها وآلامها، إضافةً لآلام ابنها السّيّد المسيح؛ فهي حقًّا "سيّدة الأَوْجَاع". وثَمَّة صلواتٌ ليتورجيّة وتقويّة –شرقيّة وغربيّة– تشير إلى هذا الأمر المهمّ. فعلى سبيل المثال لا الحصر، في صلوات الأجبيّة القبطيّة، ضمن قِطَع صلاة السّاعة التّاسعة، تُوضَع الكلمات المعبّرة التّالية على فَمِ العذراء مختبرة الأحزان، برغم مشاركتها وتعاونها في الخلاص الذي حقّقه ابنُها يَسُوع المسيح: «أمّا العالم فيفرح لقبوله الخلاص، وأمّا أحشائي فتلتهب عند نظري إلى صلبوتك الذي أنت صابر عليه مِن أجل الكلِّ، يا ابني وإلهي».

أمَّا في الكنيسة الكاثوليكيّة الغربيّة، نجد أنَّ إكرام "سيّدة الأَوْجَاع"، له تاريخٌ ممتدّ لقرونٍ من الزّمن، ومصحوبٌ بترانيم وألحان متنوّعة. فقد توقّفت "التّقويّات المسيحيّة" أمام مُعاناة العذراء وآلامها، وتأمّلت فيها بخشوعٍ، وأشارت بدورها إلى "الأَوْجَاع السّبعة" التي عانتها والدةُ الإله ووالداتنا؛ وهي التّالية:

1) بعد أربعين يومًا فقط من ولادة يَسُوع، جاءت إليها نبوءةُ سمعان التي تتحدّث عن سيفٍ يخترق قلبها (لو 2/  35)؛
2) هروبها إلى مِصْر لإنقاذ حياة ابنها (مت 2/ 13-23)؛
3) أيّام الضّيق والقلق الثّلاثة حينما مكث الطّفلُ يَسُوع في الهيكل (لو 2/ 41-50)؛
4) وجودها وبقاؤها مع يَسُوع في طريق الآلام حتى الصّليب (يو 19/ 25)؛
5) رؤيتها لصلب ابنها يَسُوع، واحتضاره، وموته؛
6) عند إنزال جسد يَسُوع المصلوب والمائت، فتأخذه بين يَدَيها كشابٍ مفارق الحياة، وهي التي احتضنته بين يَدَيها مِن قَبْل، طيلة أكثر من ثلاثين عامًا؛
7) دفنها لوحيدها يَسُوع في مقبرته. 

ومِن جِهة أُخرى، وفي إطار أسرار "المسبحة الورديّة المقدّسة"، التي هي بمثابة «خلاصة الإنجيل كلّه» (كتاب "التَّعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة"، بند 971)، والمكرّسة للتّفكير في شخصيّة وحياة العذراء مريم بجوار ابنها يَسُوع المسيح، هنالك "أسرار الحزن" (يومي الثُّلاثاء والجُمْعة). وفيها نتأمّل ما يلي: نزاع يَسُوع في بُستان الجَتْسمَانِيَّة، وجَلْده، وتَكْليله بِإِكليل الشَّوْك، وصعوده جبل الجُلْجُثة، ومَوْته على الصّليب.