نادر شكري
أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية تقريرًا تحليليًا موسعًا بعنوان "أهلية منقوصة: حول أول قانون لتنظيم الأحوال الشخصية للمسيحيين". يتناول التقرير قراءة نقدية لنسخة مسربة من مشروع القانون الذي أحاله مجلس الوزراء مؤخرًا إلى مجلس النواب، وسط حالة من التعتيم وغياب الحوار المجتمعي الحقيقي.
وقالت المبادرة أحال مجلس الوزراء مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين إلى مجلس النواب لمناقشته وإقراره، في خطوة تشريعية وُصفت بأنها غير مسبوقة في التاريخ القانوني المصري، وذلك في ظل غياب تام لحوار مجتمعي موسّع حول بنود المشروع، واكتفاء الجهات المعنية بالإعلان عن مبادئ عامة دون نشر النصوص التفصيلية.
ويأتي هذا التطور بعد توجيهات رئاسية بضرورة الإسراع في إصدار قوانين الأحوال الشخصية المعلّقة منذ سنوات، في حين جرى إعداد مشروع القانون عبر لجان متخصصة عملت على مدى سنوات في إطار من السرية، ما أثار تساؤلات حول طبيعة النقاشات التي جرت خلال مراحل الصياغة.
وبحسب المعلومات المتاحة، لم يتم نشر المسودة الكاملة لمشروع القانون أو إتاحتها للرأي العام، إذ اقتصر الإعلان الرسمي على بعض المبادئ العامة والمسائل التي ينظمها التشريع الجديد، في وقت تؤكد فيه الحكومة والكنائس المصرية أن المشروع يمثل توافقاً على الإطار العام للأحكام المنظمة للأحوال الشخصية للمسيحيين.
مسار إعداد طويل وسط غياب المشاركة المجتمعية
وكانت الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية قد سلّمت مسودة المشروع إلى وزارة العدل في 15 أكتوبر 2020، قبل أن تعلن الوزارة لاحقاً عن عقد عدد من جلسات الحوار، قيل إنها تهدف إلى الاستماع لوجهات النظر المختلفة. إلا أن هذه الجلسات، بحسب متابعين، اقتصرت على ممثلين رسميين دون مشاركة مجتمعية موسعة أو إتاحة نقاش عام مفتوح حول بنود المشروع.
كما شهدت مراحل لاحقة من إعداد القانون اجتماعات ضمت ممثلين عن جهات سيادية ورقابية إلى جانب ممثلي الكنائس، وصولاً إلى صياغة مسودة نهائية غير معلنة تم التوقيع عليها في ديسمبر 2024، وفق ما تم تداوله، دون نشرها أو إتاحتها للنقاش العام.
إحالة سريعة للبرلمان وتوقعات بنقاش محدود
وتأتي إحالة المشروع إلى مجلس النواب بعد سنوات من العمل الفني على صياغته، وسط مخاوف من تسريع إجراءات مناقشته وإقراره دون إتاحة مساحة كافية للنقاش المجتمعي أو البرلماني الموسّع، خاصة في ظل حساسية الملف وارتباطه المباشر بالأسرة والحقوق الشخصية.
ويرى مراقبون أن البرلمان سيكون أمام اختبار تشريعي مهم يتعلق بمدى قدرته على مراجعة مواد المشروع بصورة تفصيلية، وفتح نقاش حقيقي حوله قبل إقراره النهائي، بما يضمن تحقيق التوازن بين المرجعيات القانونية والخصوصية الدينية والاجتماعية.
انتقادات حقوقية ومطالب بالشفافية
وفي السياق ذاته، أبدت جهات حقوقية قلقها من غياب الشفافية في مراحل إعداد مشروع القانون، معتبرة أن عدم نشر النصوص الكاملة أو إتاحة مسودات للنقاش العام يحد من المشاركة المجتمعية في صياغة تشريع يمس شريحة واسعة من المواطنين.
ودعت هذه الجهات إلى ضرورة إتاحة المشروع بشكل كامل أمام الرأي العام، وإجراء جلسات استماع برلمانية موسعة، بما يضمن صياغة قانون يعكس احتياجات الأسر المستهدفة بالتنظيم، ويحقق قدراً أكبر من التوازن والعدالة.
ومع بدء مناقشة المشروع داخل البرلمان، يظل قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين واحداً من أبرز الملفات التشريعية المنتظرة، في ظل اهتمام واسع بمآلاته وتأثيره على تنظيم شؤون الأسرة في مصر خلال المرحلة المقبلة.
• رؤية المبادرة
أولا: أشارت المبادرة إلى أن المشروع تضمن عدداً من التطورات الإيجابية، من أبرزها إقرار مبدأ المساواة الكاملة في الميراث بين النساء والرجال، وهو ما وصفته بأنه مطلب حقوقي تاريخي طالبت به النساء المسيحيات لسنوات طويلة.
كما اعتبرت أن إعادة ترتيب أولويات الحضانة يمثل خطوة تعزز مصلحة الطفل، حيث وضع المشروع الأب في المرتبة الثانية مباشرة بعد الأم في ترتيب الحاضنين، بما يعكس توجهاً نحو تعزيز استقرار الأطفال داخل إطار الأسرة.
وأضافت أن القانون فتح مساراً جديداً لإنهاء العلاقة الزوجية مدنياً في حالات الفرقة المستمرة لمدة ثلاث سنوات متصلة، وهو ما اعتبرته محاولة لإدخال حلول عملية لبعض حالات الانفصال الطويل.
ثانياً: مخاوف من توسيع سلطة الرئاسة الدينية
في المقابل، أعربت المبادرة عن قلقها من تكريس ما وصفته بـ”السلطة الواسعة للمؤسسات الكنسية” في مختلف مراحل الزواج والطلاق، مشيرة إلى أن المشروع يُلزم المحاكم بأخذ رأي الرئاسة الدينية في دعاوى التطليق والبطلان، مع إلزام القاضي بتسبيب حكمه حال مخالفته لهذا الرأي.
كما انتقدت استمرار احتفاظ الكنيسة بسلطة منح أو حجب تصاريح الزواج الثاني، معتبرة أن ذلك قد يؤدي إلى بقاء الأفراد في دائرة مغلقة حتى بعد صدور أحكام قضائية نهائية، بما يحد من فاعلية الحكم القضائي.
ثالثاً: إشكاليات في تنظيم التطليق والبطلان
وحذرت المبادرة من أن حصر أسباب التطليق في حالات محددة مثل “الزنا” و“تغيير الدين” و“الشذوذ الجنسي” قد يفتح الباب أمام تصعيد النزاعات وتبادل اتهامات تمس الشرف الشخصي لإثبات الضرر.
كما لفتت إلى أن المشروع استحدث نصاً يعتبر “غش الزوجة في بكارتها” سبباً لبطلان الزواج، معتبرة أن هذا النص يثير إشكاليات حقوقية خطيرة، وقد يفتح المجال أمام ممارسات تمس كرامة النساء، بما في ذلك المطالبة بإجراءات تحقق جسدية قسرية.
رابعاً: ثغرات في الحماية الاجتماعية والتعدد الديني
وأشارت المبادرة إلى أن المشروع خلا من أي تنظيم لمسألة التبني، مكتفياً بنظام الكفالة، وهو ما اعتبرته تقليصاً لأحد أوجه الحماية الاجتماعية للأطفال.
كما انتقدت استبعاد بعض الطوائف المسيحية المعترف بها من نطاق تطبيق القانون، مثل طائفة الأدفنتست، معتبرة أن ذلك يخلق فراغاً تشريعياً لفئات من المواطنين.
توصيات ومقترحات إصلاحية
وقدمت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية عدداً من التوصيات، أبرزها ضرورة تعزيز استقلال القضاء من خلال حذف النصوص التي تلزم المحاكم بأخذ رأي الرئاسة الدينية، بما يضمن الفصل الكامل بين السلطة القضائية والمرجعية الدينية في الفصل في النزاعات.
كما دعت إلى كفالة الحق في الزواج الثاني قانوناً لكل من حصل على حكم نهائي بالبطلان أو التطليق، دون اشتراطات إضافية قد تعرقل التنفيذ الفعلي للأحكام القضائية.
وشددت على ضرورة إدراج “العنف بكافة أشكاله” كسبب مباشر وواضح للتطليق أو الانحلال المدني، بما يوفر حماية أكبر للنساء والأطفال داخل الأسرة.
وطالبت كذلك بإدخال إجراءات احترازية لحماية الأطفال، مثل منع السفر في حالات النزاع على الحضانة، مع تجنب العقوبات التي قد تؤدي إلى زعزعة استقرار الطفل نفسياً واجتماعياً.
واختتمت المبادرة رؤيتها بالتأكيد على أن مشروع القانون، رغم ما يتضمنه من مكتسبات حقوقية مهمة، لا يزال بحاجة إلى نقاش مجتمعي وتشريعي واسع، لضمان عدم تحويل الزواج إلى “عقوبة أبدية”، ولتحقيق مبدأ المواطنة الكاملة غير المنقوصة لكافة المواطنين المسيحيين في مصر، بما ينسجم مع معايير العدالة وحقوق الإنسان.





