الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
بعد التفاعل الكبير مع الجزء الأوّل، أظن من المهم توضيح نقطة أساسيّة:
القضية ليست صراعًا طبقيًا، ولا دعوة ضد الأغنياء، ولا تمجيدًا للفقر في حدّ ذاته. المشكلة ليست في أن يعيش الإنسان في مكان مريح أو منظّم، فهذا حق مشروع، لكن السؤال اللاهوتي الحقيقي هو: ماذا يحدث حين يتحوّل هذا المكان إلى أفق مغلق نرى العالم من خلاله فقط؟
هل المشكلة في الغِنى؟
الإنجيل لا يهاجم الغنيّ بوصفه غنيًّا، ولكنّه يكشف خطرًا أعمق: أن يتحوّل الغنى إلى اكتفاء مغلق على الذات وعلي الطبقة نفسها. فيسوع لا يدين الغني لأنّه يملك، بل لأنّه لا يرى: في مثل الغنيّ ولعازر (لوقا ١٦: ١٩–٣١)، المشكلة لم تكن في الثروة نفسها، بل في أن الفقير كان عند باب الغنيّ ولم يره.
وكما يذكّر تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، فإنّ خيرات الأرض لها "وجهة عامّة"، ولا يمكن أن تُفهم الملكيّة الخاصّة بمعزلٍ عن الخير العامّ. إذًا، الخطر ليس في الامتلاك، بل في الانفصال.
هل الفقير أفضل؟
بالتأكيد لا. فالفقر في ذاته ليس فضيلة، والكنيسة لا تمجّد البؤس. لكن الكتاب المقدّس يكشف أنّ الله ينحني بشكلٍ خاصّ نحو المتألّمين: «روح الربّ عليّ… أرسلني لأبشّر المساكين» (لوقا ٤: ١٨). ليس لأنّ الفقير أفضل أخلاقيًا، ولكن لأنّ هشاشته وبؤسه يكشف الحقيقة: حقيقة الإنسان الذي يحتاج، وحقيقة العالم الذي لم يكتمل بعد. كما يؤكّد تعليم الكنيسة الاجتماعيّ، فإنّ الاهتمام بالأكثر هشاشة وبؤسًا ليس خيارًا ثانويًا، إنّه معيارٌ لقياس عدالة المجتمع.
منطق المساعدة أم منطق الشركة؟
هنا يكمن التحوّل الأهم. فالكنيسة لا تُدعى فقط إلى مساعدة الفقراء، فهذا عملٌ تستطيع القيام به منظّمات المجتمع المدنيّ، والحكومات، لأنّ المساعدة قد تبقى علاقةً من الخارج: واحدٌ يعطي، وآخر يأخذ. لكنّ الإنجيل يدعو إلى ما هو أعمق: "الشركة". في الكنيسة الأولى: «وكان جميع المؤمنين معًا… وكانوا يقتسمون كل شيء» (أع ٢: ٤٤). وفي الجسد الواحد: «إذا تألّم عضو، تألّمت معه جميع الأعضاء» (١ كور ١٢: ٢٦). هذه ليست صدقة التي يدعو إليها الإنجيل، بل حياة مشتركة.
متى تخفق الكنيسة؟
تخفق الكنيسة حين تتحوّل إلى انعكاس للانقسامات الاجتماعيّة. فالقدّيس يعقوب يحذّر بوضوح: «إن دخل إلى مجمعكم رجل بخواتم ذهب… وقلتم له: اجلس أنت هنا حسنًا، وقلتم للفقير: قف أنت هناك… أفما صرتم مميّزين في أنفسكم؟» (يع ٢: ١-٤). حينها، لا يكون السور خارج الكنيسة فقط، بل يتوغّل داخلها.
متى تكون الكنيسة حيّة؟
تكون الكنيسة حيّة حين تعيش منطق التجسّد: «والكلمة صار جسدًا ونصب خيمته بيننا» (يو ١: ١٤). فالله لم يخلّص الإنسان من بعيد، بل اقترب ودخل التاريخ بكل هشاشته وبؤسه وآلامه. لذلك، الكنيسة الحقيقية لا تقيّم على أساس عدد مَن تساعدهم، ولكن على قدرتها على أن تكون مكانَ لقاء حقيقي: حيث يجلس من لا يجلسون عادة، وحيث لا تُلغى الفروق، لكن لا يُسمح لها أن تتحوّل إلى جدران. وهذا ما يعبّر عنه تعليم الكنيسة الاجتماعيّ بمبدأ "التضامن": أن يرى الإنسان في الآخر أخًا، وليس حالةً اجتماعيّة تستحق العطف والإحسان.
في النهاية، ليس الكمباوندخطيئة، لكن الخطر يبدأ حين يتحوّل الكومباوند إلى طريقة رؤية لاهوتية وروحية. واللاهوت هو دائمًا سؤال: من نرى؟ ومن لا نرى؟
كما يذكّرنا يسوع: «كل ما فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الصغار، فبي فعلتم» (متّى ٢٥: ٤٠). الكنيسة ليست مدعوّة أن تختار بين الغني والفقير، لكنها مدعوّة إلى أن تخلق مكانًا لا يعود فيه لهذا الانقسام الكلمة الأخيرة.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





