حنان فكرى

قرنٌ من الانتظار، عقود طويلة من اللف فى نفس الدائرة. بلا قانون جامع. فوضى تعصف بحياة الآلاف، إحساس بالظلم لدى مَن عجزوا عن إنهاء علاقات مؤذية، ارتباك بين الالتزام الدينى والحاجة الإنسانية إلى الحياة. البعض لجأ إلى التحايل. والبعض اختار الهجرة هروبًا من واقع لا يمنح حلولًا. والبعض انسحب ليس فقط من الكنيسة، بل من الإيمان المسيحى كله، ليس لأن الثقة اهتزت فى الإيمان، لكن لأن جمود الواقع خلع التوازن عن آليات إدارته، فتحولت حماية النصوص إلى جرح وألم حى فى النفوس.

 

اليوم، المشهد يتحرك. مشروع القانون يخرج من الأدراج، بصياغة جديدة تحاول الجمع بين الإيمان والعدالة والواقع، بملامح واضحة، تمنع التحايل على العقيدة بتغيير الملة. تقر التطليق بمفهوم أقرب إلى الانضباط، وترسخ للمساواة فى الميراث بين الذكور والإناث. وتضع معايير لحضانة أكثر توازنًا. وتأخذ فى الاعتبار مارد التكنولوجيا سواء لتنظيم العلاقة أو للاستدلال على علاقة.. إنها أهم ملامح قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، فبعد محاولات عمرها يزيد على قرن من الانتظار، تظهر بنود أول قانون موحد لأبناء الطوائف المسيحية.

 

قانون وضعى من صنع البشر، مستمد من الكتاب المقدس للمسيحيين، لكن الجدال حوله لا ينتهى منذ ما يقترب من نصف القرن، وكأنه نص مقدس، يجب أن يُولد معصومًا، إذ يتناسى البعض أن القانون صياغة وضعية، مهما ظننا الكمال فيها تظل منقوصة، وظيفتها تنظيم واقع مضطرب.. ذلك الاضطراب لا يتعلق فقط بقضية التطليق، ولكن بالخطبة والاتفاقات التى تسبق الزيجة والتوثيق والحضانة والمواريث، وبالرغم من أن نصوص مواد القانون ما زالت غير معلنة إعلانًا كاملًا، وما يصلنا منها مجرد تصريحات على ألسنة الرئاسات الدينية، فإن وجود القانون ليس نهاية الطريق، بل بدايته. ويُعد أفضل حالًا من البقاء فى حالة التشتت التشريعى الممتدة منذ عام 1902، دون وجود قانون موحد، إذ فشلت محاولات إصدار قانون جامع فى أعوام 1955 و1980 و1998.

والحصيلة.. آلاف القضايا، محاكم مزدحمة، أسر معلقة، حقوق ضائعة، بسبب لوائح متفرقة. رؤى غير موحدة. وتصادم دائم مع ضرورة الاتساق مع الشريعة العامة للدولة. هذا التشتت التشريعى، إلى جانب التعارض أحيانًا بين اللوائح الكنسية ومتطلبات النظام القانونى العام للدولة، خلق أزمات هدمت الأسر ولم تحفظها كما تصور البعض، وإطالة أمد التقاضى دفعت البعض إلى الخروج من حظيرة الإيمان خوفًا على ما تبقى من أعمارهم من الهدر.

 

نعم، قد لا يلبى القانون طموح الجميع، بعد عقود من الانتظار، لكن ما لا يُدرك كله لا يُترك كله، والتشريع ليس كتلة صلبة، وإنما هو مواد قابلة للتعديل وفقًا لما سيعكسه الواقع العملى عند التطبيق، فالبرغم من وجود مواد- المعلنة حتى الآن- محل جدل، فإن هناك بنودا تحل إشكاليات عميقة، منها:

 

بورصة تغيير الملة

وفقًا لتصريحات المستشار القانونى للكنيسة الأرثوذكسية، منصف نجيب سليمان، فإن مشروع القانون يضم ست طوائف مسيحية، وينظم ما يقرب من 50 مادة، أهمها محاولة إغلاق باب التحايل عبر تغيير الملة، فلم يكن فى كثير من الحالات تحولًا عقائديًا حقيقيًا، بل أداة قانونية للالتفاف، ومسارًا سريعًا للحصول على حكم طلاق خارج القواعد الكنسية. كما أن الأنبا بولا، أسقف طنطا وتوابعها، مسؤول ملف الأحوال الشخصية بالكنيسة الأرثوذكسية، أقر بحسم أن القانون الجديد يُنهى هذه اللعبة، ويضع حدًا لثغرة استُنزفت فيها النصوص.

 

والأخطر ما كشف عنه المستشار جميل حليم، فى تصريحات صحفية، وهو أن هذا التحايل صار سوقًا مفتوحة لشهادات مزورة، وبورصة يصل سعر الشهادة فيها إلى 150 ألف جنيه، إنها شبكة كاملة من التلاعب، حولت ملفًا إنسانيًا إلى مساحة للربح والاستغلال.. لذلك فإن ما يفعله المشروع الآن ليس فقط تنظيم الأحوال الشخصية، بل قطع الطريق على اقتصاد موازٍ نشأ حول الفوضى. إنه قانون يواجه خللًا حقيقيًا، وليس جدلًا نظريًا.

 

مخاوف التحول العقائدى

أما عن الفزاعة فحدث ولا حرج، البعض يلوح بفزاعة التحول الدينى هربًا من إغلاق باب تغيير الملة كطريق للطلاق. وهذا الطرح مضلل. ويفتقر للدقة. ويُستخدم- فى كثير من الأحيان- للدفاع عن وضع مختل سمح بالتحايل لسنوات. فالمسألة ليست اقتناعًا عقائديًا بقدر ما هى وسيلة التفاف على القواعد. القانون يغلق هذا الباب، عبر البديل «نظام التفريق المدنى» كحل يقترب من الانضباط قدر الإمكان، ويرفع الضرر دون العبث بالعقيدة أو توظيفها كأداة إجرائية.

 

أما مَن لديه الاستعداد والرغبة فى استخدام تغيير الدين كأداة للتحايل والوصول إلى الطلاق، فإنه يختار الطريق الخطأ، ومَن لم يخش على قناعته الدينية حين استخدمها أداة، فهل المطلوب من المجتمع أن يخشى عليها أكثر منه؟. نحن لسنا أوصياء على ضمائر الناس، ولا حراسًا على قراراتهم الفردية. واجب القانون وضع قواعد عادلة، بعيدًا عن ملاحقة اختيارات شخصية أو تكييف نصوصه لإرضاء قلة اعتادت التحايل.

 

الزنى وتلفيق الزنى الحكمى

مثلما يتضمن القانون قصر الطلاق على «علة الزنى»، يتضمن إعادة تعريفه، التى فى وجهة نظرى ترد النص إلى سياقه الزمنى والاجتماعى. أيضًا الزنى فى المفهوم المسيحى يختلف عن السياق الذى قيلت فيه هذه الآية لليهود، إذ إنه يتعلق بما هو أعمق من السقوط فى الخطيئة، فالكتاب المقدس يقول: «كل مَن ينظر إلى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها فى قلبه» (متى 5: 28).

 

وبالتالى القضية أوسع من السقوط الجسدى، فهى تشمل ما يسمى الزنى الحكمى، وهو مصطلح قانونى، يشير إلى أفعال وتصرفات لا تصل إلى حد العلاقة الجنسية الكاملة، (الزنى الفعلى)، ولكنها تقود إليها أو تدل عليها وتُعتبر فى حكم الخيانة الزوجية. تشمل المكالمات المشبوهة، المراسلات الإلكترونية، وجود الغريب فى وضع مريب، أو التحريض على الفجور، تبادل الزوجات أو التحريض عليه. المكالمات الهاتفية أو الإلكترونية المتكررة والمريبة مع شخص آخر. وجود أوراق أو مستندات أو صور تدل على وجود علاقة غير شرعية. وجود الزوج/ الزوجة فى وضع مريب أو خلوة غير مشروعة. فالزنى الحكمى هو إرادة الخيانة التى تظهر من خلال أفعال مادية تُفسر وتُثبت وجود علاقة.

 

وهنا يطرح البعض اعتراضات حول: أنه إذا كانت هناك صعوبة شديدة فى إثبات الزنى الفعلى، فهناك حيل واسعة لإثبات الزنى الحكمى، من الصعب السيطرة عليها أو الوثوق فيها، ويمكن استخدام التكنولوجيا الحديثة لتلفيق أفعال ومحادثات وحجوزات فنادق.. إلخ، فما ضمانات ضبط التطبيق على أرض الواقع؟.

 

الانفصال لاستحالة العِشرة

قد لا تكون الخطيئة مثبتة. لكن الحياة مستحيلة وغير ممكنة.. فهناك عِلّات عديدة بخلاف الزنى تكسر العهد المقدس، القواعد القديمة علقت المصير بلا انفصال والنتيجة: علاقات مستمرة، رغم أنها ميتة، لم ولن تنقذها قبلة الحياة التى يريد البعض منحها إياها بحجة الحفاظ على الأسرة.. المشروع الجديد قدم حلًا لاستحالة العشرة، وهو: انفصال ثلاث سنوات فى حال عدم وجود أطفال. أو خمس سنوات مع وجود أطفال. ثم حكم قضائى بالتفريق. بعدها يأتى دور الكنيسة فى منح تصريح بالزواج لأحد الطرفين أو كليهما، أو منعه حسب كل حالة وتطابقها مع تعاليم الكتاب المقدس.

 

إذًا الفكرة ليست فى الطلاق لعِلة، أو التطليق الكنسى أو الانفصال المدنى، بل فى عدالة إدارة الواقع حينما يكون مستحيلًا. ليست فى كسر النص، لكن فى تفسيره الصحيح بدون تجاهل الإنسان. بل محاولة الجمع بينهما، فالقانون- الذى لم يتم نشر بنوده كاملة حتى الآن- يُشير المعلن منه إلى تشريع يحاول أن يكون عادلًا وقابلًا للحياة. دون أن يثير حفيظة المتربصين.

 

معضلة الزمن

المشروع يحاول أيضًا حل معضلة مزمنة: كيف نُنهى التعليق؟، كيف نُنقذ مَن انتظروا سنوات؟. ففى بعض الحالات يقف الزمن كعنصر حاسم. فالنساء اللاتى يعانين من زيجات فاشلة، وهن فى الثلاثينيات من العمر، إذا لم يحصلن على حق التطليق فى موعد مناسب فقد يُحرمن من الإنجاب مدى الحياة، فالقانون هنا لا يخلق المشكلة. هو يحاول إنهاءها. عبر نصوص واضحة. ومعايير محددة. ومسارات أقصر. بدل ضياع العمر، لذلك إعادة التنظيم كانت ضرورة. حتى لو كانت بنود القانون لا تلبى كل الطموحات.

 

رؤية البابا تواضروس الثانى

لا نستطيع إنكار حالة الغضب التى سادت بسبب السرية والصمت، اللذين أحاطا باجتماعات صياغة مشروع القانون، لحين التوافق على بنوده بين الطوائف، وبعد موافقة وزارة العدل على المشروع، خرج البابا تواضروس الثانى- بابا الإسكندرية، بطريرك الكرازة المرقسية- عن صمته، فى حوار لجريدة وطنى- المهتمة بالشأن القبطى- فامتص الغضب، إذ أعلن أنه لا تفريط فى الثوابت، ولا خروج عن نص الكتاب، لكن أيضًا لا تجاهل للواقع، موضحًا أن المجمع المقدس رفض اللائحة فى عام 1943 فى عهد البابا مكاريوس الثالث. والكنيسة حسمت موقفها منها باللاعودة لأنها لا تعكس وصية الكتاب المقدس.

 

وهكذا انحازت الكنيسة إلى التوازن بين الإيمان والحياة. بين النص والتحولات. والهدف واحد، ألا تنهار الأسرة لأن الاستقرار المؤجل انهيار بطىء، كما أنها أبعدت شبهة العودة إلى لائحة 38، التى يصفها البعض بأنها صياغة بلا عمق لاهوتى كافٍ.. وهكذا فإن النص المختلف حوله حاضر: «لا طلاق إلا لعلة الزنى».. لكن الفهم والتفسير اتسع.

 

أما عن بقية الظروف المُسببة للتطليق، فقد ظهرت مسائل أخرى. مثل العجز الجنسى قبل الزواج. والذى يؤدى إلى بطلان الزواج، والإدمان أيضًا، كلها عِلّات لم تكن فى الماضى منتشرة وملحة ومؤثرة فى فشل الزيجات مثلما هى اليوم، لذلك فمراجعة حدود النصوص كانت واجبة. فلماذا التربص بالقانون؟.

 

المواريث هى النقلة الأبرز

مساواة كاملة.. البنت مثل الولد.. بدون تمييز على أساس النوع. إنه تحول تشريعى واضح. يضع حدودًا لمطامع الذكور فى حقوق الإناث، إذ يساوى الأبناء فى الميراث وفقًا لمبدأ عدم التمييز الوارد فى الكتاب المقدس: «ليس ذكرا وأنثى لأنكم جميعًا واحد فى المسيح يسوع» (غلاطية 3: 28)، ووفقًا لما ذكره ابن العسال، فى قوانين المواريث الكنسية القديمة: «أولاد الميت الذكور والإناث بالسواء».

 

لكن مازالت هناك أسئلة تحتاج للتوضيح: فماذا عن توزيع الأنصبة، (حسب عدد الرؤوس)، هل يتم تقسيم الميراث بالتساوى بين الورثة من نفس الدرجة (ابن، ابنة، زوج، زوجة) دون تمييز، أم أن المساواة تنطبق على الأبناء فقط؟. هل سيتم حجب الأبعد بالأقرب؟، ويُطبق نظام حجب أقارب الأب (مثل العم أو ابن العم) من الميراث إذا كان الوريث الشرعى ابنة مثلًا، حيث يؤول الميراث للطبقة الأولى (البنات/ الزوج/ الزوجة) فقط؟.

 

الرهان برلمانى

حتمًا ستظهر إشكاليات فى التطبيق، لكن الحل ليس فى حبس القوانين داخل الأدراج، الحل فى الإفراج عنها وخوض التجربة بدلًا من الفوضى التى يحياها متضررو الأحوال الشخصية من المسيحيين، والمناقشات تحت قبة البرلمان هى التى ستحد من إشكاليات تطبيق النصوص فى الواقع العملى، هذا إذا كانت جادة وغير موجهة، وغير مرتعشة أمام ألسنة المتربصين.

 

 

لأن الرهان الحقيقى يبقى على دقة النص. ووضوح التعريفات. وتقييد السلطة التقديرية. والالتزام بالدستور، وهذا دور نواب الشعب لإضفاء اللمسات الغائبة بدلًا من شطب جهد عقود، وإذا نجح المشرع فى ذلك، فلن يكون قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين مجرد قانون جديد، بل نهاية لزمن طويل من المعاناة والمصائر المعلقة، وبداية لمسار أكثر عدلًا ورحمة وإنسانية.

نقلا عن المصرى اليوم