نادر شكري
تشهد دولة مالي في غرب أفريقيا موجة متصاعدة من الهجمات التي تنفذها جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة، وعلى رأسها “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين” المعروفة اختصارًا بـ(JNIM)، وهي أحد أبرز أذرع تنظيم تنظيم القاعدة في منطقة الساحل.
هذا التصاعد الأمني لا يقتصر على مالي فقط، بل يأتي ضمن سياق إقليمي مضطرب يشمل دول منطقة الساحل مثل النيجر وبوركينا فاسو، حيث تتقاطع عوامل ضعف الدولة، والانقلابات العسكرية المتكررة، واتساع رقعة الفراغ الأمني.
أولاً: طبيعة التصعيد في مالي
خلال الأشهر الأخيرة، كثفت الجماعات المرتبطة بالقاعدة عملياتها ضد مواقع عسكرية وطرق إمداد، مستخدمة تكتيكات تعتمد على:
الكمائن السريعة ضد القوات الحكومية
استهداف القوافل العسكرية
التمدد في المناطق الريفية والصحراوية
استغلال هشاشة الحدود بين مالي والدول المجاورة
ويشير مراقبون إلى أن هذه الجماعات لم تعد تتحرك فقط كخلايا متفرقة، بل باتت تعتمد على “شبكات نفوذ محلية” داخل بعض المناطق النائية.
ثانياً: تحالفات جديدة وتغير في التكتيك
تطور لافت يتمثل في تعزيز التنسيق بين الفصائل المسلحة في الساحل، حيث تعمل بعض المجموعات على توسيع التعاون اللوجستي وتبادل الموارد، ما يرفع من قدرتها على الاستمرار رغم الضربات العسكرية.
كما أن انسحاب أو تراجع بعض القوى الدولية من المنطقة خلال السنوات الأخيرة، ساهم في إعادة تشكيل ميزان القوى لصالح هذه التنظيمات.
ثالثاً: المخاوف الإقليمية
القلق لا يقتصر على الداخل المالي، بل يمتد إلى:
احتمال انتقال النشاط المسلح إلى دول غرب أفريقيا الساحلية
تهديد خطوط التجارة والهجرة
زيادة الضغط على الدول المجاورة التي تعاني أصلًا من هشاشة أمنية
ويرى محللون أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى “توسّع تدريجي غير مباشر” للجماعات المتشددة، عبر اختراقات محلية بدل السيطرة المباشرة.
رابعاً: هل نحن أمام مرحلة تمدد أوسع؟
رغم أن الحديث عن “تمدّد عالمي” مباشر للقاعدة ما زال مبالغًا فيه في هذه المرحلة، إلا أن الواقع يشير إلى:
قدرة متزايدة على التكيّف مع البيئة المحلية
استغلال النزاعات العرقية والقبلية
تحويل منطقة الساحل إلى مركز ثقل رئيسي بديل عن بعض الجبهات التقليدية
الوضع في مالي يعكس تحولًا خطيرًا في ديناميكيات العنف المسلح في غرب أفريقيا، حيث لم تعد الجماعات المرتبطة بالقاعدة مجرد تهديد محلي، بل جزء من شبكة إقليمية مرنة قادرة على التمدد والانتشار.
لكن يبقى مستقبل هذا التمدد مرتبطًا بقدرة دول المنطقة على تعزيز الاستقرار السياسي والأمني، وإعادة بناء الثقة مع المجتمعات المحلية التي تمثل الساحة الأساسية للصراع.





