محرر الأقباط متحدون
من الكتاب الجديد "أحرار تحت النعمة" الصادر عن دار النشر التابعة للكرسي الرسولي، المتوفر بدءاً من اليوم، ننشر مداخلة بالغة الأهمية ألقاها البابا الحالي في الفيليبين: ما هو الموقف الذي يجب أن يتبناه المؤمن والجماعات المسيحية تجاه التغييرات؟ هل هو الحفاظ على الوضع الراهن، أم "الوصول إلى العالم"؟

صدر اليوم في المكتبات كتاب بعنوان "أحرار تحت النعمة: في مدرسة القديس أوغسطينوس بمواجهة تحديات التاريخ" عن دار النشر الفاتيكانية ويضم الكتاب مجموعة من المداخلات والخطابات التي ألقاها روبرت فرنسيس بريفوست إبان توليه منصب الرئيس العام للرهبنة الأوغسطينية. يأتي صدور هذا المجلد، الذي ترعاه الرهبنة الأوغسطينية بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لانتخاب البابا لاوُن الرابع عشر، حيث سيتم تقديمه يوم الأربعاء ٦ أيار مايو في روما، في لقاء يشارك فيه أمين سر دولة حاضرة الفاتيكان الكاردينال بييترو بارولين، والرئيس العام للرهبنة الأوغسطينية الأب جوزيف فاريل، وعميد دائرة الاتصالات باولو روفيني، والكاتبة ماريا غراتسيا كالاندروني، ومدير وسائل الإعلام الفاتيكانية أندريا تورنييلي. هذا الكتاب الذي أشرف على تحريره الآباء الأوغسطينيين روكو رونزاني، وميغيل أنخيل مارتين خواريز، ومايكل دي غريغوريو، يجري حالياً ترجمته في ٣٠ دولة حول العالم.

نقدم هنا نص العظة التي ألقاها الرئيس العام آنذاك، روبرت فرنسيس بريفوست، بمناسبة افتتاح المجمع العام الوسيط لإقليم الطفل المقدس في سيبو، والتي أقيمت في كنيسة القديس أوغسطينوس في إنتراموروس بمانيلا، في ١٩ أيلول سبتمبر ٢٠١٠.

في عام ٢٠٠٨، احتفل الأوغسطينيين في هذا المكان بالذكرى الخمسمائة لميلاد أندريس دي أوردانيتا، الملاح الشهير والخبير الذي اكتشف في تعاليم القديس أوغسطينوس -بعد سنوات قضاها في القتال- دعوةً لتغيير حياته؛ إذ تعلم أن الإجابة الحقيقية الوحيدة على رغبة القلب البشري لا توجد إلا في الله ومحبته. هذه الحقيقة غيّرت حياته: فمن بحار وملاح ناجح، أصبح عضواً في رهبنة القديس أوغسطينوس. اشتهر أوردانيتا باكتشافه ما يعرف بـ "رحلة العودة" (tornaviaje)، وهي طريق بحرية للعودة آمنة وسريعة من الفيليبين إلى المكسيك، أصبحت مسارًا حيوياً للنقل والتجارة بين آسيا وأمريكا. لكن أوردانيتا عاش "رحلة عودة" أكثر أهمية في حياته الشخصية؛ إذ يرمز ارتداده ودخوله الحياة الرهبانية إلى نوع مختلف تماماً من العودة: العودة أو الارتداد إلى الله.

إن صورة "رحلة العودة" (tornaviaje)، هي استعارة ملائمة جداً لنا نحن الأوغسطينيين المجتمعين هنا في بداية مجمعنا العام الوسيط. فنحن أيضاً مدعوون للقيام برحلة واكتشاف أن الرحلة الحقيقية الوحيدة والهادفة هي تلك التي تقودنا إلى المسيح. لقد بدأنا جميعاً هذه الرحلة التي تنطلق، بطبيعة الحال، من الولادة، وبالنسبة للمسيحيين، من اللقاء الأول مع المسيح في المعمودية. لكن بالنسبة للبعض، يحدث ذلك في اللحظة التي سمعوا فيها "الكلمة"، كما حدث مثلاً مع أوغسطينوس، الذي استغرقت رحلته نحو المسيح سنوات طويلة من الارتداد، قبل قراره بنوال المعمودية. واستمرت الرحلة بعدها، بطرق مختلفة، في البحث عن الله كراهب وكاهن وأسقف.

بالنسبة لنا نحن المكرسين، الرحلة هي وجودٌ في خدمة المسيح، لاسيما كجماعة تلاميذ. كأوغسطينيين، هي رحلة تُعاش في الحياة المشتركة والخدمات الرسولية ومن خلالهما. لكننا قد نتباطأ في مرحلة ما من الطريق، فنصاب بالرضا عن الذات والتشتت، أو حتى نصل إلى حالة من الركود في حياتنا الروحية وعملنا الرعوي. الأمر نفسه قد يحدث في جماعاتنا، فتفقد حياة جماعاتنا المحلية وأقاليمنا القدرة على الإلهام وجذب الآخرين. وقد يتبخر تدريجياً ذلك الحماس المفعم بالطاقة، المميز للشباب، وننزلق بسهولة في رتابة يومية لا تتغير أبداً.

إن شجاعة أوردانيتا وروح المغامرة التي دفعته لاكتشاف "رحلة العودة" يمكن استعادتها هنا، في هذا المكان التاريخي الذي جئنا إليه لنحتفل بليتورجيا افتتاح مجمعنا. ربما ينبثق التغيير أو الطريق الجديد الذي ننشده من بعض التساؤلات: هل نريد الحفاظ على ما لدينا والبقاء حيث نحن، أم نرغب في الإصغاء للقلب القلق، والإصغاء في الصلاة، والانتباه لكلمة الله والإصغاء أيضاً للذين بيننا يبحثون ويقرؤون علامات الأزمنة؟ هل نحن منفتحون على احتمال اختيار شيء مختلف من أجل معنى جديد ومتجدد للرسالة في حياتنا؟

 "ما من خادم يستطيع أن يعمل لسيدين، لأنه إما أن يبغض أحدهما ويحب الآخر، وإما أن يلزم أحدهما ويزدري الآخر. فأنتم لا تستطيعون أن تعملوا لله وللمال". يلفتني أن هذه الآية التي قُرئت في إنجيل اليوم يمكن ترجمتها بهذا المعنى: هل نحن منقسمون بين رغبتنا في اتباع المسيح مهما كلفنا الثمن، ورغبتنا في البقاء حيث نحن، راضين وقليلين الرغبة أو القدرة على تغيير المسار الذي نسلكه؟ هنا، في هذا المكان، يجدر بنا التساؤل عما إذا كنا نحن أيضاً بحاجة لاكتشاف اتجاه جديد، "رحلة عودة"، وارتداد جديد.

لقد جرى تفكير عميق، في سياقات مختلفة من الحياة الرهبانية، حول مسألة "الحفاظ أم الرسالة؟". وأود مشاركتكم هذا التساؤل صباح اليوم، يقيناً مني أنه سيساعدنا خلال الأسبوعين القادمين. هل نحن نكتفي بمجرد الحفاظ على الأشياء كما هي، أم أن الروح الإرسالية حية في قلوبنا؟ وللمساعدة في التأمل بهذه الأسئلة، أقترح بعض المقارنات:

عند التفكير في مفهوم الخدمة، فإن المجموعة التي تسعى فقط لـ "الحفاظ" ستؤكد: "يجب أن نبقى أوفياء لماضينا"؛ بينما الجماعة ذات "الروح الإرسالية" ستقول: "يجب أن نكون أوفياء لمستقبلنا". عند قياس الفعالية، تتساءل جماعة "الحفاظ": "كيف يمكن استدامة هذا العمل الرسولي مالياً؟"؛ أما الجماعة الملتزمة بـ "الرسالة" فتطرح سؤالاً مختلفاً: "كيف نصنع تلاميذ كُثراً؟". عند التفكير في التغيير، وإذا ما كنا نريد أو نستطيع فعل شيء مختلف، يقول الحريصون على الحفاظ على الوضع الراهن: "إذا كان هذا سيسبب مشاكل لأي منا، فنحن لا نريده". أما السؤال الجوهري للملتزمين بـ "الرسالة" فسيكون: "إذا كان هذا سيساعدنا في الوصول إلى البعيدين، فنحن نقبل المخاطرة للقيام به".

إنَّ أسلوب القيادة في عقلية الذين يفضِّلون "الحفاظ" هو أسلوب "إداري" بالدرجة الأولى، منظم وفعال، حيث يسعى القادة للحفاظ على كل شيء في نظامه وضمان سير الأمور بسلاسة. أما الجماعة ذات الرؤية النبوية والحياة المكرسة للرسالة، فستنشد نوعاً مختلفاً من القيادة: أسلوب "تغييري"، قادر على تقديم رؤية لما يمكن أن يكون، مع إرادة للمضي بعيداً ومواجهة مخاطر عديدة لتحويل الرؤية إلى واقع. إنّ جماعة "الحفاظ" ستفكر أولاً في كيفية إنقاذ جمعيتها الرهبانية؛ أما الجماعة المكرسة لـ "الرسالة" فستفكر أولاً في كيفية الوصول إلى العالم.

"ما من خادم يستطيع أن يعمل لسيدين...". في تعليقه على "عظة الجبل"، الكتاب الثاني، يوضح أوغسطينوس أن استحالة خدمة سيدين لا تعني بالضرورة أن المرء ينتهي به الأمر إلى "بغض الله" عندما يصبح خادماً لسيد آخر؛ بل بالأحرى يتسلل "الفتور" أو "المساومة"، واعتبار الله ونعمته أمراً مفروغاً منه. قد تكون هذه هي حالتنا تماماً: بعد أن فقدنا الحماس الأول، صرنا راضين عما نفعله. يذكرنا الإنجيل اليوم بضرورة القيام بخيار جذري، ببذل كامل لحياتنا لله ولرسالة الإنجيل. اليوم يُوضع أمام أعيننا من جديد الخيار الذي اتخذناه، ونُدعى لتجديد التزامنا بعيش الرسالة الإنجيلية. فليقدنا الروح القدس وليُنرنا!