بقلم: سند ساحلية
💬 يمثّل هذا المقال قراءة معمّقة في الجزء الأول من رسالة البطريرك بيتسابالا الرعوية، ويشكّل مدخلًا لسلسلة مقالات متتابعة تهدف إلى تفكيك مضامين الرسالة وإضاءتها من زوايا متعددة.
حين وجّه الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، رسالته الرعوية المطوّلة بعنوان "رَجَعوا إِلى أُورَشَليم وهُم في فَرَحٍ عَظيم"، كان يدرك أن اللحظة التاريخية التي تمر بها الكنيسة في الأرض المقدسة لا تحتمل الاكتفاء بالبيانات البروتوكولية أو الخطابات المكررة. المقدمة جاءت بمثابة إعلان نوايا، تكشف عن الحاجة إلى كلمة صادقة، بعيدة عن التجميل، قادرة على ملامسة واقع المؤمنين وسط الحرب والمعاناة. الجزء الأول من الرسالة، الذي حمل عنوان " قراءة الواقع: خواطر حول الوضع الراهن"، وضع الأساس لفهم الأزمة الراهنة، ليس فقط كحدث سياسي أو عسكري، بل كتحوّل ثقافي وروحي يطال حياة الناس والكنيسة.
✨ السياق التاريخي والسياسي
منذ السابع من أكتوبر 2023 وما تبعه من حرب في غزة، دخل الفلسطينيون مرحلة مأساوية جديدة "في تاريخ طويل من الإذلال والتهجير"، فيما عاش الإسرائيليون صدمة غير مسبوقة. الأحداث لم تكن مجرد فصل جديد في الصراع، بل لحظة مفصلية أعادت تشكيل الوعي الجمعي وأثارت أسئلة وجودية حول المستقبل. في هذا المناخ، شدّد البطريرك على أن البيانات المعتادة لم تعد تكفي، وأن الكنيسة بحاجة إلى نص طويل يساعد المؤمنين على التمييز الروحي وسط الضبابية السياسية والعسكرية.
✨ أزمة النظام الدولي
الرسالة لم تكتف بوصف الحرب، بل ربطتها بانقلاب أعمق في النظام العالمي. البطريرك أشار إلى أن ما يجري في غزة والقدس ليس مجرد نزاع محلي، بل أحد أعراض أزمة أوسع تتعلق بانهيار الثقة في القانون الدولي والمعاهدات. القوى الكبرى لم تعد تختار مواقفها بناءً على العدالة، بل وفق مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية. هذا التحليل يضع الحرب في سياق عالمي، ويكشف أن الكنيسة ترى في الأحداث انعكاسًا لأزمة حضارية تتجاوز حدود المنطقة.
✨ الحرب كعبادة وثنية
في قراءة جريئة للواقع، قال البطريرك: "لقد تحوّلت الحرب إلى موضوعِ عبادةٍ وثنيّة... وباتت غايةً في حدّ ذاتها". هذه العبارة ليست مجرد توصيف بل تشخيص لخلل حضاري يطال المنطقة والعالم. فالحرب لم تعد تُخاض كوسيلة اضطرارية لتجنّب المواجهة أو لحماية المدنيين، بل غدت خيارًا يُنظر إليه كحتمي، بل وأحيانًا كطريق وحيد لإثبات الهوية أو القوة. بهذا المعنى، تتحوّل الحرب إلى طقس جماعي، تُستثمر فيه الطاقات البشرية والاقتصادية والإعلامية، ويُقدَّم فيه الإنسان كذبيحة على مذبح المصالح السياسية والعسكرية.
البطريرك يلفت النظر إلى أن هذا التحوّل يجرّد الحرب من بعدها الأخلاقي، ويجعلها أقرب إلى ممارسة طقسية تُقدَّس فيها القوة وتُهمَّش فيها القيم الإنسانية. المدنيون لم يعودوا ضحايا جانبية، بل أصبحوا في قلب الصراع، يتحملون وزر العنف المستمر، وكأن حياتهم فقدت قيمتها أمام منطق القوة. هذا الواقع يضع الكنيسة أمام مسؤولية مضاعفة: أن تكشف زيف هذه "العبادة" الجديدة، وأن تقدّم قراءة مختلفة لا تكتفي بوصف الأحداث، بل تبحث عن معنى إيماني وسط الألم.
إن وصف الحرب بالعبادة الوثنية يفتح الباب أمام تأمل لاهوتي عميق: فكما أن العبادة الوثنية تقوم على تقديم القرابين لإرضاء الآلهة، كذلك الحرب الحديثة تقوم على تقديم ضحايا بشرية لإرضاء نزعات القوة والسيطرة. بهذا التشبيه، يضع البطريرك المؤمنين أمام تحدٍّ روحي: كيف يمكن للإيمان المسيحي أن يقاوم ثقافة الموت هذه، ويعيد للإنسان قيمته كصورة الله، لا كأداة في صراع لا ينتهي؟
✨ الأبعاد الأخلاقية والتقنية
الرسالة طرحت أيضًا أسئلة أخلاقية جديدة حول استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية: "ماذا يحدث عندما تكون الآلة هي التي تقرر من يعيش ومن يموت؟". هذا السؤال يعكس إدراكًا بأن الحرب لم تعد تُخاض فقط بالسلاح التقليدي، بل أيضًا بالتقنيات الحديثة التي تثير قلقًا عالميًا. كما حذّر البطريرك من دور الإعلام والخوارزميات في تغذية الاستقطاب، قائلاً: "كل صورة، وكل مقطع فيديو، وكل عنوان، يمكن أن يتحوّل إلى سلاح". هذه الملاحظات تكشف عن وعي عميق بأن المعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل أيضًا في الفضاء الرقمي والإعلامي.
✨ الواقع الاجتماعي الفلسطيني
من منظور محلي، الرسالة لم تغفل عن الأبعاد الاجتماعية والإنسانية للأزمة. البطريرك أشار إلى تفكك الروابط الإنسانية، وانتشار الكراهية، وفقدان الثقة، وتفاقم الهجرة. العائلات المسيحية تواجه البطالة، وأزمة السكن، وتراجع الزواج والإنجاب، فيما الشباب ينظرون إلى الخارج بحثًا عن مستقبل أفضل. الهجرة تعود لتفتح جرحًا قديمًا يهدد بفراغ الأرض من أهلها الأصليين. هذه التفاصيل تجعل الرسالة أقرب إلى شهادة حيّة عن واقع الناس، وتؤكد أن الكنيسة ليست بعيدة عن معاناتهم.
✨ التمييز الروحي مقابل التحليل السياسي
أحد أبرز محاور الجزء الأول هو التمييز بين التحليل السياسي والقراءة الروحية. البطريرك أوضح أن الهدف من الرسالة ليس تقديم حلول تقنية أو أجوبة فورية، بل مساعدة المؤمنين على التساؤل: "ماذا يطلب الربّ منا في هذه اللحظة؟ وكيف يمكننا أن نجسّد إيماننا تجسيدًا حيًّا في هذا السياق الصعب؟". هذا السؤال يتجاوز الحسابات السياسية، ليضع الإيمان المسيحي في قلب التحدي. الكنيسة ليست مجرد شاهد على الأحداث، بل جماعة مدعوة لتفسير الزمن الراهن وفق منظور الإنجيل.
✨ البعد الكنسي والرمزي
الرسالة شددت على أن أيقونة أورشليم هي المرجع الروحي الذي يوحّد هوية الكنيسة المتوزعة عبر فلسطين والأردن وإسرائيل وقبرص. قال البطريرك: "القدس هي أمّ جميع الشعوب، وهي قلب جماعتنا الكنسية". هذا البعد الرمزي يذكّر بأن أورشليم الأرضية ليست مجرد مدينة، بل علامة روحية تربط المؤمنين بأورشليم السماوية حيث يتحقق السلام الكامل.
الجزء الأول من الرسالة إذن ليس مجرد وصف للواقع، بل تأسيس لسؤال وجودي: كيف نعيش الإيمان وسط الحرب والمعاناة؟ البطريرك يضع الكنيسة أمام مسؤولية أن تكون صوتًا للرجاء، لا مجرد شاهد صامت. الرسالة تكشف عن إدراك أن اللحظة التاريخية تتطلب كلمة مختلفة، طويلة، صادقة، قادرة على ملامسة الواقع المحلي الفلسطيني، وفي الوقت نفسه منفتحة على البعد العالمي للأزمة. بهذا المعنى، المقدمة تمثل حجر الأساس للرسالة بأكملها، وتفتح الباب أمام قراءة معمّقة لبقية الأقسام، حيث يتضح أن الكنيسة تريد أن تقرأ الواقع بصدق، أن تطرح أسئلة وجودية، وأن تساعد المؤمنين على التمييز الروحي وسط الحرب.





