العذراءُ مريم وابنها
(د. أشرف ناجح إبراهيم عبد الملاك)
هَل يمكن لأيّ مسيحيّ أن ينكر– بيبليًّا وثيولوجيًّا– أنّ خدمة العذراء مريم ورسالتها ودمعها وأحزانها وأفراحها هم مُرتبِطون ارتباطًا وَثيقًا بما هو لابنها؟ أليست هي المطوّبة من الأجيال كلّها لأنّ القدير صنع إليها أمورًا عظيمة (لو 1/ 48)؟ أليست هي مَن سمعت كلام الله والبشر وكانت تحفظه، وتتأمَّل به في قلبها (لو 2/ 19) وعملت به (لو 11/ 27-28)، بل وحملت بالكلمة في أحشائها (لو 1/ 26-38)؟ أليست هي الأُمّ العظيمة والوَافيّة التي اتَّبعت ابنها بإخلاص منذ بدايّة خدمته ورسالته (يو 2/ 1-12) حتّى بَلَغَتَا قِمّتهما عند أقدام الصّليب (يو 19/ 25-27)، وبعده (رسل 1/ 12-14)؟
يمكننا أن نجزم بأنّه حيث يوجد السّيّد المسيح، هناك أُمّه العذراء مريم أيضًا؛ وحيث توجد العذراء مريم، هناك ابنها المسيح أيضًا. وفي هذا السّياق، يذكّرنا كتابُ "التَّعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة" بأنّ: «ما تؤمن به العقيدة الكاثوليكيّة بالنسبة إلى مريم يرتكز على ما تؤمن به بالنسبة إلى المسيح، ولكنّ ما تُعلِّمه في ما يتعلّق بمريم يُنيرُ بدوره إيمانها بالمسيح» (بند 487).
وفقًا للعهد الجديد، لا شكّ أنّ العذراء مريم أُمٌّ "فِسْيولوجيّة-جسديّة" ليسوع المسيح (غل 4/ 4؛ مت 2/ 1-12؛ لو 2/ 1-20)؛ وأُمومَتُها "بَتوليّة" (مت 1/ 18-25؛ لو 1/ 26-38)، فهي "دائمة البَتوليّة". وانطلاقًا من الوحي الإلهيّ والتّقليد الكنسيّ والفكر الثّيولوجيّ، اعترفت بها الكنيسةُ على أنّها "ثيؤطوكوس" ("والدة الإله")، أي نادت بأُمومَيتها الإلهيّة (لو 1/ 43). «فهذا الذي حبِلت به إنسانًا بالروح القدس والذي صار حقًّا ابنها في الجسد ليس سوى ابن الآب الأزليّ، الأقنوم الثاني من الثالوث الأقدس. والكنيسة تعترف بأنّ مريم هي حقًّا والدة الإله» (ت. م، بند 495).





