الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
المقولة الشائعة «بينما يتجادل اللاهوتيّون، يتسلّلل البسطاء إلى الملكوت» أودّ تغييرها إلى: «بينما يتحدّث الجهلاء في الميكروفونات، تتحوّل حياة المؤمنين البسطاء إلى جحيم». ربّما الجملة قاسية، لكنّها تلخّص مأساة حقيقيّة: حين يلبس الجهل ثوب اليقين الدينيّ، لا يبقى مجرّد نقص في المعرفة، بل يتحوّل إلى سلطة فوق الضمائر، تصنع الخوف، وتشوّه صورة الله، وتُدخل الناس في عبوديّة باسم الإيمان. ومن هنا يبدأ السؤال: هل الإيمان ضدّ العقل؟ ولو كان العقل ضدّ القداسة، فلماذا خلقه الله؟ البابا القدّيس يوحنّا بولس الثاني يبدأ رسالته "الإيمان والعقل" بصورة بديعة: «الإيمان والعقل هما بمثابة الجناحين اللذين يمكّنان العقل البشري من الارتقاء إلى تأمل الحقيقة» (الإيمان والعقل، تمهيد). يعني أنّ المشكلة ليست في العقل، بل في عقلٍ يتكبّر فيرفض الإيمان، أو في إيمانٍ يكسل فيرفض الفهم. فالله لم يخلق في الإنسان رغبة المعرفة عبثًا، بل «وضع في قلب الإنسان الرغبة في معرفة الحقيقة ومعرفته هو ذاته» (الإيمان والعقل، تمهيد). إذًا، حين نُهين العقل باسم الإيمان، فنحن لا ندافع عن الله؛ نحن نهين عطية من عطاياه.

الجملة الشعبيّة «الإيمان مش محتاج دراسة» تخلط بين بساطة القلب وسذاجة التفكير. صحيح أنّ الإنسان يستطيع أن يحبّ الله من غير شهادة دكتوراه، لكن حين يبدأ يشرح الله للناس، ويعلّم، ويحكم، ويستخدم الميكروفون، فهو لم يعد في مساحة التقوى الشخصيّة فقط، بل دخل في مساحة الحقيقة والمسؤوليّة. يوحنا بولس الثاني يقول إنّ الكنيسة تخدم البشريّة من خلال «خدمة الحقيقة» (الإيمان والعقل، ٢)، وإنّ الفلسفة نفسها تنبع من توق الإنسان إلى السؤال عن «علّة الأشياء وغايتها» (الإيمان والعقل، ٣). لذلك فالقداسة لا تعني تعطيل السؤال، بل تطهيره؛ ولا تعني إلغاء العقل، بل إنقاذه من الغرور والسطحيّة. توما الأكويني عبّر عن هذا بطريقته: الإيمان لا يخاف العقل، بل «يلتمسه ويثق به»، لأنّ «النعمة تفترض الطبيعة وتكمّلها»، وكذلك «الإيمان يفترض العقل ويكمّله» (الإيمان والعقل، ٤٣). يعني ببساطة: ربنا ما خلقش العقل علشان نركنه عند باب الكنيسة.

والحقيقة أنّ تاريخ الكنيسة نفسه يفضح خرافة “القديس العبيط”. في وعينا الشعبيّ اتشوّهت أحيانًا صورة القداسة، فبقت قريبة من السذاجة أو ادّعاء العبط، كأنّ الإنسان كلما قلّ فهمه زادت قداسته. لكن شرقًا وغربًا، عرفت الكنيسة قدّيسين وقدّيسات جمعوا بين الصلاة والفكر، بين النسك والبحث، بين المحبّة والعقل. آباء الشرق مثل أوريجينس وأثناسيوس وكيرلّس وباسيليوس وغريغوريوس لم يخافوا من الفلسفة، بل استخدموها ونقّوها لخدمة الإيمان. ويوحنا بولس الثاني نفسه يذكّر بأنّ آباء الكنيسة «رحّبوا ترحيبًا كاملًا بالعقل المنفتح على المطلق ورفدوه بالثروة الصادرة عن الوحي» (الإيمان والعقل، ٤١). وفي الغرب، توما الأكويني وبونافنتورا وألبرت الكبير، والقديسات معلّمات الكنيسة مثل كاترينا السيانيّة وتريزا الأفيليّة، لم يقدّموا إيمانًا ضدّ العقل، بل إيمانًا عميقًا يعرف أنّ السرّ أكبر من الفهم، من دون أن يجعل الجهل فضيلة. لذلك يقول البابا بوضوح إنّ «الإيمان بدون العقل» يتعرّض لأن يصير «مجرّد أسطورة أو خرافة»، وأنّ العقل من دون إيمان يتيه عن هدفه الأخير (الإيمان والعقل، ٤٨).

الخلاصة: الإيمان لا يناقض العقل، بل يتجاوزه من دون أن يلغيه؛ والعقل لا يصنع الإيمان، لكنّه يحرسه من التشويه. الخطر الحقيقي ليس في أن تقول: «أنا لا أعرف»، بل في أن تقول: «ربنا قال» وأنت لم تفهم، ولم تدرس، ولم تميّز. لذلك، أحيانًا تكون أكثر جملة إيمانيّة ولاهوتيّة وفلسفيّة صدقًا هي: «أنا أبحث… لأنّي أؤمن».