حلمي النمنم
قبل أن تنتهى حرب يونيو الماضى بين إيران وإسرائيل ثم الولايات المتحدة، شنت إيران غارة على العاصمة القطرية الدوحة، أعلن يومها أن المستهدف هو «قاعدة العديد»، قاعدة أمريكية فى قطر، وكان الرئيس دونالد ترامب نفسه هو من أعلن أن الغارة متفق عليها -من قبل- ومرتبة بين إيران والإدارة الأمريكية، رغبة من إيران فى رد الاعتبار أمام الرأى العام، ردًا على غارة أميركية، لذا تم إخلاء القاعدة استعداداً للغارة ونبهت السلطات القطرية على المواطنين بضرورة تجنب الشوارع فى مدة محددة، توقيت الغارة، التى مرت دون خسائر تذكر.

دلالة الغارة الإيرانية أعمق من ذلك، المعنى أن دول الخليج يمكن أن تكون هدفًا إيرانيًا مباشرًا فى أى مواجهة أخرى، المبرر قائم لديها هو وجود قاعدة أمريكية فى أى بلد مجاور.

الأخطر من ذلك أنه يمكن أن يكون هناك تفاهم إيرانى/أمريكى، على تصفية حساباتهما وثأر كل منهما تجاه الآخر، فى دول الخليج وعلى حساب تلك الدول.

هكذا صارت دول الخليج فى أتون نيران وحروب لم تسع إليها ولم تقرر خوضها، زاد ذلك الاحتمال بالغارة الجوية التى شنتها الطائرات الإسرائيلية على العاصمة القطرية الدوحة، رغبة فى تصفية عدد من قيادات حماس، فشلت الغارة، وتبين أن المخابرات المصرية والتركية، نبهت المستهدفين بالغارة، لذا لم يتجهوا إلى الموقع الذى كان محددًا للاجتماع.

لا أظن أن هذه المعانى كلها، ربما أكثر منها، كانت غائبة عن دول الخليج، لذا وجدنا بعد الحرب مباشرةً، عدة خطوات لافتة.

دولة قطر، قامت بتعزيز وتجديد منظومة الدفاع الجوى لديها، وقعت اتفاق تسليح ضخم فى هذا الجانب مع الولايات المتحدة، كان واضحاً أن قطر لا تزال تراهن وتعول على العلاقات الجيدة مع الولايات المتحدة الأمريكية.

المملكة العربية السعودية وقعت فى شهر سبتمبر اتفاق دفاع مشترك مع باكستان، المعروف أن العلاقات جيدة بين البلدين، منذ تأسيس باكستان، فضلاً عن أن باكستان دولة نووية، فى الاتفاق أن أى عدوان على إحدى الدولتين يعد عدواناً على الدولة الأخرى.

بعدها مباشرة وقعت دولة الإمارات العربية المتحدة مع الهند اتفاقاً وصف أنه استراتيجى شامل، له جوانب اقتصادية وتجارية وبه أيضاً شق دفاعى أو عسكرى، يشمل تدريبات مشتركة وجوانب أخرى، وقتها تحدثت بعض تقارير إعلامية عن أن تحالفاً عسكرياً قيد التشكل بين الهند وإسرائيل والإمارات، خاصة أن هناك صراعاً عسكرياً نشب العام الماضى بين باكستان والهند، فضلاً عن علاقات جيدة ربطت الهند وإسرائيل مؤخراً، صدرت أيضاً تصريحات من إسرائيل عن أن باكستان قد تكون الهدف القادم لدى إسرائيل بعد إيران.

كان واضحاً أن الدول الخليجية لم تتجه نحو العالم العربى، لا إلى أى من دوله ولا إلى الجامعة العربية للنقاش حول الدفاع المشترك، لا تريد العالم العربى، الذى باتت تراه عبئاً عليها، يجب التخلص منه والابتعاد عنه، ولا بأس من الاحتفاظ بشعرة معاوية.

بإزاء هذا لم يكن ممكناً أن تتقدم أى دولة عربية وتناقش أمراً شديد الخصوصية بكل دولة ويتعلق بسيادتها، حتى لو طرح للنقاش العام سوف يفهم على أنه نوع من التدخل فى شأن خاص أو نوع من التطفل الذى لا يليق.

ولما وقعت الواقعة وشنت الجمهورية الإسلامية عدوانها على الدول الخليجية، طرحت ميليشيات السوشيال ميديا، السؤال الجهول والخبيث.. أين مصر؟، ثم قامت حرب ضارية على مصر والمصريين، تجرد مصر من كل شيء واختزلت مصر كلها بماضيها وحاضرها فى كلمات وتصريحات ثلاث أو أربع شخصيات، كل منهم يعبر عن نفسه هو فى المقام الأول والأخير، لا أستبعد أن يكون بينهم من يقصد إحراج الدولة المصرية، رغم أن داخل دول الخليج ذاته هناك من أعلنوا مساندة إيران فى غاراتها على دول الخليج.

قبل هذه الأزمة بأكثر من عشر سنوات طرحت مصر رسمياً فكرة قوات عربية مشتركة، أو ما أسمى إعلامياً الناتو العربى، وكان الرفض تاماً من دول الخليج، مؤخراً أعاد بعض الصحافيين المصريين تجديد هذا الاقتراح وكان الرد من بعض الزملاء فى الخليج «توقفوا عن هذا الطرح».

من المهم التذكير أن علاقة مصر بإيران منذ سنة79، كانت مقطوعة أو فى أدنى مستوياتها، ولما حاول د. محمد مرسى زمن حكم إخوان حسن البنا، الارتقاء بمستوى العلاقات تصدت له العديد من القوى المدنية والسياسية، بينما كانت العلاقات الخليجية مع إيران، غاية فى الازدهار، باستثناء المملكة العربية السعودية بعض الوقت بسبب تنمر إيران بموسم الحج ومحاولة استخدام الفريضة الدينية لأغراض سياسية مباشرةً.

فى زمن الرؤساء السادات ومبارك والسيسى، كان بعض رموز المعارضة يضغطون على الدولة المصرية لإقامة علاقات كاملة مع إيران وكانوا يحتجون عليها بعمق علاقات دول الخليج، خاصة الإمارات، المتميزة مع إيران.

وكان مدهشاً ما نشرته «المصرى اليوم» على لسان أستاذ العلوم السياسية بإحدى الدول الشقيقة يقول إن بلاده كانت تتوقع أن تبادر مصر بإرسال سرب من طائرات الرافال وسرب من طائرات إف ١٥.

لست متخصصاً فى الشأن العسكرى، لكن المعلومات العامة تقول أن سرب الطائرات المقاتلة يمكن أن يواجه سرباً معادياً أو يعترضه ويرده، أما الطائرات المسيرة والصواريخ فلها أساليب وأسلحة أخرى، لكن الأهم من ذلك هو أن دخول جندى واحد أو طائرة أو أى معدة عسكرية، من دولة إلى دولة أخرى، مهما كان التقارب بينهما، دون طلب رسمى وتنسيق كامل يعد قانونياً نوعاً من الغزو وشروعاً فى الاحتلال، هنا لا تجدى كلمات الأخوة وحسن النوايا، منذ غزو صدام حسين للكويت فى أغسطس سنة 1990، هناك الشك والحذر بين الأشقاء، فى أكثر من دولة عربية صارت إسرائيل أفضل لديهم وأقرب من الشقيق العربى، بل أقرب من الشقيق داخل نفس الدولة.

وسط هذه المعطيات كلها، يصبح واجب الشقيق أن يستجيب فوراً لما يطلبه الشقيق، بلا زيادة ولا نقصان، فى الحرب الأخيرة لبت مصر واستجابت لكل ما طلبه الأشقاء، حين تعلن التفاصيل الدقيقة، سوف تكون كشفًا لمدى جهالة بعض رموز السوشيال وأدعياء الإعلام.

وسط هذه المعطيات كلها، يصبح واجب الشقيق أن يستجيب فوراً لما يطلبه الشقيق، بلا زيادة ولا نقصان، فى الحرب الأخيرة لبت مصر واستجابت لكل ما طلبه الأشقاء، حين تعلن التفاصيل الدقيقة، سوف تكون كشفًا لمدى جهالة بعض رموز السوشيال وأدعياء الإعلام.
نقلا عن المصري اليوم