سحر الجعارة
نعم أنا الأنثى التي «صوتها عورة»، لكني تمردت حتى نجوت بحنجرتي كاملة، وقدر لي أن يكون صوتي مسموعاً في القاهرة وبعض العواصم العربية والدولية.. لأصرخ بأعلى صوت حتى لا تغرق المرأة في طوفان غضبهم ولا تعلق على مشانقهم.. ولا تقتل بسهام شهواتهم المسمومة بعادات القهر وقوانين المنع: فتختن أفكارها، وبعضها.. ثم تتقبل لعنات المجتمع: «أنتِ عانس»!.. «أنثى» تعيش في مساحة ضيقة بين العار والعورة، تتنفس قهراً، تعيش «هاربة» من ظلها.. أو مطاردة من أحكام القبيلة.. أو يضيع العمر انتظاراً لـ(ضل رجل)، وستر انتزعته عيون الرجال بشراهة ووحشية!

«أنثى» في مجتمع يتاجر بعفتها وعنوستها، تزني بها النظرات في «ثلاجة العرض» وهي تتجمد ذعراً وألماً.

أنثى» تباع في مزادات النشطاء، وإعلانات الصابون والكريم والمنتجعات السياحية.. وكأن زلزالاً ضرب الأرض تحت أقدامها فسقطت لتصبح مجرد «سلعة»!!

في فيلم «لحم رخيص» للمبدعة المخرجة «إيناس الدغيدي» طرحت هذه القضية، لعل المجتمع يفيق ويطهر تلك الأرض الملعونة.. لكنهم لعنوا «إيناس» و«إلهام شاهين» لأنهما كشفتا عذرية المجتمع المزيفة، مجتمع متواطئ مع كل خطاياه باسم الستر.. عاشق لفضيحة أي امرأة ترفع صوتها أو تعري أمراضهم النفسية أو تلعن أفكارهم الرجعية، يتفنن في «قلب الطاولة عليها».. لأنها أذنبت حين «فكرت» أو طالبت بحقوقها، وهذا ما تعرضت له الصحفية «آلاء سعيد» حين طالبت بغرفة تبيت فيها ليلتها بمدينة بورسعيد.. لكن إدارة الفندق وضعت السيناريو الخيالي الحقير لأي امرأة تبيت بمفردها، وهي نفس الفنادق المستعدة «مقابل ثمن رخيص» لتهيئة ليلة محرمة لأي ذكر يبيت بمفرده بالفندق (!!)

تذكرت هذه الواقعة الآن: حين حاولت تأدية فريضة الحج وأنا في بداية الأربعين من عمري مع زوج أختي والإعلامية جيلان حمزة رحمها الله.. قيل لي إنه «محرم مؤقت» يجوز لك إذا ما طلق أختك.. تعجبت من عبقرية الفكرة التي تستند لخيانة أختي على الطائرة.. بعدها أديت فريضة الحج ومعي ابن أختي محرماً لي ولأختي.. ثم أديتها فيما بعد ثانية بصحبة «نساء ثقات» وفهمت من الصحبة الأخيرة أن كل شيء ممكن المهم (من يسمح أو يمنع)!.

أعود لآلاء.. بحكم مهنتي كصحفية سافرت إلى بعض العواصم العربية والأوروبية ولم أمنع من المبيت وحدي (حتى في الحج)، وكذلك في بعض المدن المصرية ضمن مهامي لحضور مؤتمرات أو ندوات.

وبالتالي فأنا أعلم جيداً «حقوق النساء» وقواعد «غرفة المنشآت الفندقية»، التي تشرف على الفنادق.. لهذا احترمت كثيراً موقف آلاء: ففي شهر يناير 2026 رفض فندق «يوتوبيا الصفوة» ببورسعيد حجز غرفة للمبيت لآلاء لأنه «ما بيسكنش ستات»، وبعدها توجهت إلى مديرية أمن بورسعيد لعمل محضر ضد الفندق، استناداً إلى أن عدم السماح للسيدات بحجز غرف فندقية بمفردها هو قرار تمييزي وغير دستوري، لأن الدستور المصري ينص على المساواة وعدم التمييز على أساس النوع (المادة 53) ويضمن حرية التنقل والإقامة (المادة 62)، ما يجعل منع المرأة من المبيت في الفنادق انتهاكاً لهذه الحقوق.

وأخيراً قضت محكمة جُنح مستأنف شرق على مدير الفندق بإجماع الآراء بإلغاء حكم أول درجة وقبول استئناف النيابة بـ(الحبس غيابياً لمدة سنة وغرامة خمسين ألف جنيه عن الاتهام المسند للمتهم في واقعة تمييز ضد صحفية بمنعها من التسكين بغرفة سنجل حريمي). هذا الحكم يجب تعميمه على كل فنادق مصر خاصة الثلاث نجوم منها.. ولا بد للسيد «شريف فتحي»، وزير السياحة والآثار، أن يدرك أن «السياحة الداخلية» هي العمود الفقري للسياحة في ظل ظروف جيوسياسية مضطربة.. وأن الترحيب بالسائحة الأجنبية للمبيت وحدها وطرد المصريات هو مهانة لا حدود لها لبنات بلدي.. وعليه أن يلغي قاعدة: كل امرأة وحيدة متهمة إلى أن يثبت العكس!!

أما أنت يا آلاء فأقول لك: أعدت للنضال في الحق بريقه.. وللمهنة مصداقيتها.. وللدستور جلاله.. وربما يتعلم الجميع من هذا الدرس احترام المرأة المصرية بعيداً عن ظل الرجل وحجاب «البودي ستومك والاسترتش».. خارج مدينتها ومنزل أبويها تعمل لتثبت للجميع أن العمل حياة.. وأخذ الحق إرادة . 
نقلا عن الوطن