د. وسيم السيسي
قال ديودورس الصقلى:

ما أعجب هؤلاء القوم، جمال الوجه وشكله كما هو، شعر الرأس والحواجب، بل ورموش العين كما هى! ملامح من ماتوا من وقت بعيد كما هى، قسمات الوجه ومناسيبه كما هى، حتى ليهيأ لك أنهم مازالوا أحياء بيننا!.

لم يكن ديودورس الصقلى مبالغًا حين ترك لنا هذا الوصف للمومياوات، فعندما فكوا الأربطة عن رمسيس الثانى فى باريس، كان الجسد المحنط صورة طبق الأصل من تماثيله وصوره على الجداريات.

الشىء العجيب أن البعض يهاجم التحنيط، ما الفائدة؟ إنها حضارة موت وليست حياة!.

والرد على هؤلاء أن التحنيط أعطى الناس أملًا فى حياة بعد هذه الحياة، ومن هنا كان قانون الأخلاق، ليس هذا فقط بل أعطى التحنيط معرفة واسعة ودقيقة بدقائق الجسم البشرى، فكانت عمليات التربنة، والمياه البيضاء، وزراعة الأسنان، وتثبيت كسور العظام بمسامير داخل النخاع، واستئصال أورام المخ.

ذهب الدكتور محمد فياض إلى سنغافورة، وألقى محاضرة عن طب أمراض النساء والتوليد فى مصر القديمة، وكيف أنهم كانوا يعرفون انسداد أنابيب فالوب فى السيدة العاقر بزيت الألسين الموجود فى الثوم، وبعد عشر ساعات من وجود الأنسين عند عنق الرحم، يشم الطبيب رائحة التنفس عند السيدة العاقر، فإن وجد رائحة الثوم، يعلن أن هذه السيدة سوف تحمل لأن القنوات مفتوحة!.

كان الأجداد يفرغون المخ من الأنف، وقد استفاد الطب الحديث الآن، فكانت المناظير من الأنف، والمواد المشعة لأورام الغدة النخامية من الأنف. استفاد علم الكيمياء من التحنيط، فكان حفظ المومياوات آلاف السنين.

جدير بالذكر، أن كلمة كيمياء جاءت من كلمة كيمت وهى أحد أسماء مصر. كان التحنيط فى الدولة القديمة ليس كاملًا، فخاف الأجداد أن تضل الروح عند القيامة ولا تعرف صاحبها، فكانت الصور والتماثيل، فتقدمت الفنون بسبب التحنيط.

جدير بالذكر، إذا كان المتوفى تنقصه عين أو ساق مثلًا، فكانوا يكملون المومياء بما ينقصها حتى تكون كاملة عند القيامة. فرق بين Embalming أى التعطير بالراتنجات العطرية، وكلمة Mumification وهى من موميا أى القار الأسود الذى يخرج من باطن الأرض.

كانت عملية التحنيط تبدأ بتفريغ المخ من الأنف أو من خلف الجمجمة، ثم شق البطن من الجهة اليسرى واستخراج الأحشاء ماعدا الكليتين، ثم شق الحجاب الحاجز، واستخراج الرئتين، ويتركون القلب حتى يشهد لصاحبه أمام محكمة العدل الإلهية.

يذكر لنا ديودورس الصقلى طقسا غريبا، يأتى شخص ويشق البطن من الجهة اليسرى، ويجرى هاربًا ووراءه أهل المتوفى يلاحقونه باللعنات «تمثيلية» لأن القانون كان: ملعون هذا الإنسان الذى يجرح إنسانًا حيًا أو ميتًا ما عدا الأطباء، لم يذكر هذا الطقس هيرودوت. يقول إليوت سميث: أفادنا التحنيط فى علم الجراحة، ومعرفة الأمراض القديمة، والفنون.

يقول آلان جاردنر: لم أر شعبًا فى الدنيا محبًا للحياة، وعلى استعداد أن ينفق كل ما يملك من أجل الاستمتاع بها مثل الشعب المصرى.
نقلا عن المصري اليوم