حمدي رزق
قضت محكمة جنح مستأنف شرق «بورسعيد» بإجماع الآراء، بإلغاء حكم أول درجة وقبول استئناف النيابة العامة، ومعاقبة مدير فندق بالحبس غيابيًا سنة مع الشغل، وتغريمه ٥٠ ألف جنيه، لرفضه تسكين الصحفية «آلاء سعد» فى غرفة فندقية بمفردها!
استثناءً من قاعدة القاضى لا يمدح ولا يذم، هيئة محكمة جنح مستأنف شرق تستحق المديح كتابة، والتبجيل والاحترام وقوفًا.. حكم المنصة العالية يترجم انتصارًا للحرية الشخصية التى هى أسمى أمانينا.
الحرية الشخصية تترجم الحرية الاجتماعية، ويُشير مفهومها إلى طبيعة العلاقات بين أفراد المجتمع واحترامهم لبعضهم البعض، وحق الفرد فى التصرف بالطريقة التى يُريدها وأن يكون حرًا، ولكن دون أن يعتدى على حرية شخص آخر.
أنت حر ما لم تضر. «لا ضرر ولا ضرار» قاعدة فقهية جليلة مستمدة من حديث نبوى شريف، تعنى تحريم إلحاق الضرر بالنفس أو الآخرين بشكل مباشر (الضرر)، ومنع رد الضرر بمثله (الضرار)، مما يوجب رفع الضرر القائم والوقاية منه فى المعاملات والشؤون كافة، معتبرة أصلًا لحفظ استقرار المجتمع وحقوقه.
هذا المفهوم حاكم، وحَكم حُكم المحكمة التى انتصرت للحرية الشخصية وفق قاعدة كف الأذى والضرر، وفى انتصارها للحرية الشخصية تبتعد بنا بعيدًا عن عصور القهر والإذلال الفردى تحت مظنة حماية الآداب العامة، وكأن مبيت سيدة، فضلًا عن كونها صحفية، فى فندق من الكبائر المجتمعية، ومبيتها فى الشارع نهبًا لضباع الطريق لا يقض مضاجع جماعات الحسبة المجتمعية المتمرسة فى مفاصل المجتمع تسومه سوء العذاب.
ابتُليت المحروسة بطائفة من المحتسبين الجدد الذين برزوا نهيًا وزجرًا وتضييقًا على الناس فى الطرقات، لم يعد المحتسب يرتدى زى الحسبة، ولا يتحدث بقال الله وقال الرسول، ولا يمتن حديثه بالآيات السماوية والأحاديث الشريفة ولا مأثورات السلف الصالح، يحكم فى الناس عقله الضيق، وفكره السقيم، وذكاؤه المستحكم، وعادات جرى بها العرف وتخالف صحيح القانون.
المحتسبون الجدد يرتدون الثياب الإفرنجية، ويتحدثون بلكنة حداثية، ولكن فى قلوبهم مرض من النساء، فكرة مهيمنة على العقل الجمعى أن النساء عورة حتمًا ولا بد من سترها ما استطعنا إليه سبيلًا، ونقلوا عن فقه الصحراء فكرة لزوم المحرم، لزوم ما يلزم تنقلًا وسكنًا وعملًا، الصحفية لم تكن ذاهبة للعمرة، كانت فى مهمة صحفية ما استوجب مبيتها، ما الحاجة إذن لمحرم طالما تتمتع بحريتها الشخصية التى لم تجافِ القانون نصًا وروحًا، وإذا كانت الحاجة أم الاختراع، لماذا اخترعوا الفنادق إذا رفضت التسكين النساء تحت مظنة شرعية أو حماية الآداب العامة، ومن ذا الذى أدخل هذا المصطلح الكريه فى قطاع الفنادق وهى معنية بترويج السياحة؟
بين ظهرانينا نفر من البشر يود العودة بنا إلى عصور مضت، إلى عصر الحريم، الحرملك، ويحكم فينا أحكام سى السيد فى زمانه، سى السيد عاقب حرمه المصون ( أمينة ) لخروجها للشارع دون إذن من سيادته، رغم أنها استغاثت بسيدنا الحسين، سيدنا الحسين نادانى، لكن هذا لم يشفع لها، كما لم يشفع للزميلة مهمتها الصحفية التى استوجبت المبيت فى الفندق لليلة، ما هكذا تورد الإبل، وما هذا تعامل النساء شقائق الرجال!
نقلا عن المصري اليوم





