جمال كامل
عندما نتحدث عن الحضارة المصرية القديمة، فنحن لا نتحدث فقط عن ملوك وعظمة وقصور، بل عن سواعد مصرية سمراء حوّلت الحجر الأصم إلى سجل للخلود.
إن الماضي المصري لم يعد كتاباً مغلقاً كما كان قبل قرن من الزمان؛ فمنذ أن فُكت رموز اللغة المصرية القديمة، تجلى لنا الدور المحوري "للعامل المصري"، المحرك الحقيقي للحياة على ضفاف النيل.
لقد بدأت قصة العظمة المصرية من الأرض؛ فكانت الزراعة هي الحرفة الأولى التي رسمت ملامح هذه الحضارة. وبفضل عرق العمال وتنظيمهم المحكم لمواسم الري والزراعة، استقرت حياة المصري القديم، ليتفرغ بعدها للإبداع في حرف أخرى كانت هي السبيل للتكيف مع بيئته الغنية وتطوير مقدراتها.
ولولا هؤلاء العمال لما رأينا الأهرامات تناطح السحاب، ولما بقيت المعابد والمقابر شاهدة على التاريخ حتى يومنا هذا.
فالعامل المصري هو من طوّع الأخشاب، وصهر المعادن، وشكّل الأواني الفخارية، وصاغ الذهب بدقة أذهلت العالم؛
إن أسماء الملوك العظام ما كانت لتُخلّد في سجلات التاريخ لولا إتقان هؤلاء المبدعين المجهولين الذين عملوا في أصعب الظروف ليبهروا العالم بأرقى الفنون والآثار.
وقد تميزت مصر القديمة بتنوع صناعي فريد يعكس عبقرية العامل، شمل الصناعات الحجرية من قطع المحاجر ونحت التماثيل، والصناعات المعدنية التي بلغت ذروتها في كنوز الذهب والفضة وعلى رأسها قناع الملك "توت عنخ آمون"، بالإضافة إلى الصناعات الكيميائية لتركيب العقاقير، والصناعات الخشبية التي قدمت أفخم الأثاث.
ولم يكن العامل المصري مجرد صانع صامت، بل كان يدرك قيمة عمله وحقوقه؛ حيث يسجل التاريخ في عهد الملك "رمسيس الثالث" أول احتجاج عمالي عرفته البشرية. فقد اعتصم عمال "دير المدينة" في المعبد الجنائزي (مدينة هابو) بالأقصر، احتجاجاً على تأخر أجورهم، ولم يجد الملك بداً من الاستجابة لمطالبهم، ليكون هذا الحدث دليلاً أبدياً على وعي وقوة العامل المصري منذ آلاف السنين.
إن الاحتفاء بتراث هؤلاء العمال هو في جوهره تكريم للشخصية المصرية التي صهرت العمل والدم والعبقرية لتصنع حضارة لا تموت.





