القمص يوحنا نصيف
بيت عنيا هي قرية صغيرة تقع على بعد حوالي ثلاثة كيلومترات جنوب شرق أورشليم. والطريق إليها من أورشليم يمرّ بجبل الزيتون وقريّة بيت فاجي. أودّ في هذا المقال بنعمة المسيح تقديم بعض التأمّلات القصيرة المركّزة حول الأحداث المرتبطة بأيّام المسيح الأخيرة على الأرض، والتي جرت في بيت عنيا، وأهمّها إقامة لعازر وسكب الطيب على المسيح قبل الفصح.
أقامة لعازر:
إقامة لعازر سبّبت فرحًا عارمًا لكلّ أهل القرية الصغيرة.. لذلك كان من الطبيعي أنّهم كانوا يحتفلون بالمسيح ويتنافسون على استضافته.
لقد تكوّنت علاقة حُبّ كبيرة بين الربّ يسوع وقرية بيت عنيا وأهلها، فكان أثناء وجوده في منطقة اليهوديّة يبيت دائمًا في بيت عنيا.
أهل بيت عنيا هنا يمثّلون البشريّة كلّها، التي تمتّعت بعمل المسيح الواهب الحياة الجديدة، وقرّرت أن يكون له مسكنًا في داخلها.
معجزة إقامة لعازر فيها الكثير من الحُبّ؛ وهذا ما نراه في تعبيرات الإنجيل: هوذا الذي تحبّه مريض - كان يسوع يحبّ مرثا وأختها ولعازر - لعازر حبيبنا قد نام - انظروا كيف كان يحبّه.. إنّها محبّة المسيح للإنسان المائت، أو المحكوم عليه بالموت، والتي تنتهي بأنّه يقيمه من الموت ويهبه الحياة.
لقد خاطر المسيح بحياته عندما ذهب لإقامة لعازر؛ وبالفعل كانت تلك المعجزة سببًا رئيسيًّا في تشاوُر اليهود عليه وقرارهم بقتله، بل وقتل لعازر أيضًا إن استدعى الأمر!
المسيح يقدّم حياته من أجل إقامة البشريّة المُمَثَّلة في لعازر؛ فهو أخذ الذي لنا وأعطانا الذي له، أخذ موتنا وأعطانا حياته، أو بتعبير آخَر مات ليحيينا. إنّ قيامة البشريّة لا تأتي إلاّ على حساب سحق جسد الربّ بالصليب، فالحياة تنبع من آلامه وجروحه الشافية المحيية..
سكب الطيب:
هذه الحادثة هي في الحقيقة أجمل مدخل للأسبوع الأخير، أسبوع البصخة العظيم.. لأنّها تكشف لنا كيف يكون احتفالنا بهذا الأسبوع من خلال تقديم الحُبّ للمسيح المصلوب، الذي أحبّنا وسلّم نفسه للموت كي يحيينا.
لقد أرادت مريم -قبل الفصح بستّة أيّام- أن تكرم الربّ يسوع الذي أقام أخاها لعازر من الموت.. ولكنّ الروح القدس أرشدها، ربّما دون أن تدري، لكي تسكب حبّها وطيبها الغالي على مواضع الجروح المُزمِعة أن تكون في قدميّ الربّ.. لذلك قال الربّ: "أنّها ليوم تكفيني قد حفظته" (يو12: 7).. وهكذا فعلَت المرأة الأخرى قبل الفصح بيومين، عندما سكبت الطيب على رأس المسيح الذي سيُجرَح بإكليل الشوك (مر14: 1-9).
الكنيسة تعلّمنا أن نكون مستعدّين لسكب حبّنا وكلّ حياتنا عند قدمي الربّ يسوع.. وبدون هذا الاستعداد لا نستطيع أن ندخل لسرّ المسيح، ولا أن نلتقي مع الربّ في آلامه، إذ أنّه لا يكشف أسراره إلاّ لمحبّيه!
أنْ يكرّس أحدٌ حياته لسكب الحبّ بلا مقابل على قدميّ الربّ يسوع الحبيب، هو أمر لا يفهمه منطق العالم، بل يَعتبره خسارةً وإتلافًا.. فيصرخون قائلين: لماذا هذا الإتلاف؟ ولكن الحقيقة أنّ ما يراه أهل العالم إتلافًا بمنطقهم المادّي، يراه المسيح "عملاً حسنًا".. فهو افتداء للوقت (قبل أن يمضي إلى العدم)، وافتداء للمال (قبل أن ينتهي)؛ بل أنّ تقديم الحياة مسكوبة للمسيح هو في الحقيقة اقتناء للنفس، كما يعلّمنا الرب: "مَن أضاع حياته من أجلي يجدها" (مت10: 39)، ويؤكّد هذا القدّيس بولس: "لسنا من الارتداد للهلاك، بل من الإيمان لاقتناء النفس" (عب10: 39).
+ إنّ سكب الطيب ليس إتلافًا، بل هو حفظٌ، بحسب تعبير المسيح: "قد حفظته". فالحُبّ الإلهي عندما يملأ القلب فهو حفظٌ له فيما خُلِقَ لأجله.. إذ أنّ حُبّ الله هو العمل الذي خُلِقنا من أجله، كما يقول الرسول: "اختارنا فيه (في المسيح)، قبل تأسيس العالم، لنكون قدّيسين، وبلا لوم قدّامه في المحبّة" (أف1: 4).
العمل الوحيد الذي سيستمرّ معنا في الأبديّة هو حُبّ الله ومناجاته، والتسبيح المُقدّم للجالس على العرش وللحمَل، الذي أعطانا أن نَغلِب ونتمجّد ونجلس معه في عرشه (رؤ3: 21). أمّا هيئة هذا العالم فإنّها تزول (1كو7: 31)، ولن يبقى منها غير هذا الحُبّ الخالص الكثير الثمن، فطوبى لمَن تذوّقه ودرّب نفسه عليه من الآن!
لقد امتلأ البيت من رائحة الطيب؛ فرائحة الطيب هي المحبّة المسكوبة على قدميّ الربّ، كردّ فِعل لمحبّته الفائقة لنا.. كما يقول الرسول بولس: "اسلكوا في المحبّة، كما أحبّنا المسيح أيضًا، وأسلمَ نفسه لأجلنا، قُربانًا وذبيحة لله، رائحة طيّبة" (أف5: 2). البيت هو الكنيسة. وهي تمتلئ من رائحة المحبّة التي تقدّمها النفوس الصادقة المُعترفة بفضل المُخَلِّص؛ رائحة بذل وخدمة خفيّة، رائحة تسبيح وشكر، رائحة صبر واحتمال واتّضاع، رائحة طهارة وبرّ، رائحة سلام وتسامُح وصمت، رائحة صدق وشهادة للحقّ، رائحة أعمال رحمة وشفَقَة..
ما فعلته مريم والمرأة الأخرى هو نموذج جميل لكلّ الكنيسة على مرّ الأجيال؛ ومَن يتشبّه بهما في تقديم طِيبِهِ، يصير شريكًا في تكفين جسد الربّ المجروح لأجلنا، وتطييب قلبه الوديع الملتهب بحبّنا. هكذا فعل القدّيسون والقدّيسات عبر الأجيال، ففاحت رائحة الحُبّ داخل الكنيسة، وانتشرَت منها إلى كلّ المسكونة.





