خالد منتصر

ذات يوم بعدما أنهيت برنامجى فى دريم، وجدت رقماً غريباً غير مسجل يطلبنى على تليفونى المحمول، كانت سيدة تطلب منى طلباً غريباً، وهو أن أعطيها رقم موبايل عادل عبد العال، الذى كان مدرساً للألعاب، ومدلكاً فى نادٍ شهير، وكان ضيفاً دائماً فى برنامج أحد الزملاء فى نفس القناة، وللأسف كان يصف علاجات على الهواء لجميع الأمراض، ويقدم نفسه على أنه دكتور!!، ودخلت ضده معارك وصلت إلى المحاكم، المهم قلت لها، لا أعرف الرقم، لكن «حضرتك محتاجه إيه؟»، قالت لى محتاجة أشكره، فقد ذهبت بطفلى لجراح عظام، وكان عنده عيب خلقى فى الساق،

 

وتم إصلاحه، لكن تبقى بعض الإرهاق والتعب عند السير لمسافات طويلة، ذهبت للدكتور عادل عبدالعال، والحمد لله عالج الطفل، اندهشت، قلت لها متسائلاً: «يعنى الجراح اللى تعب وطلعت عينه فى الجراحة وعمل المعجزة، ده اعتبرتيه ما عملش حاجة، ولم تقدمى له الشكر، ومن أخذ الحالة على الجاهز، ولم يفعل شيئاً، عايزة تشكريه؟، جراحات العظام النقاهة فيها بتاخد وقت، وابنك كان كده كده هيخف، بس لو صبرتى، وخد وقته»، لم أفهم وقتها مثل هذا الانحياز للدجل، والكراهية للعلم، تكرر مثل هذا التصرف، لكن مع تغيير اسم المعالج، وطبيعة الحالة، حدثت مع مريضة سرطان خرجت بعد وفاة المرحوم د. ضياء العوضى، لتشكره على علاجها بعد فشل أطباء الأورام، وقررت لذلك وامتناناً له أن تفتتح مطعماً تبيع فيه ساندويتشات الطيبات، على نفس اسم نظامه الغذائى الذى اخترعه، بالطبع استفز هذا طبيبها المعالج، الذى نشر التحاليل والأشعات التى أثبتت أنها ذهبت للعوضى، بعد شفائها تماماً من هذا السرطان، والذى أظهرت العينة عدم وجود خلايا سرطانية فيها!!،

 

تذكرت حالة عبدالعال، عندما شاهدت حالة العوضى، وتحدانى السؤال: لماذا هذا الانكار لمن يتبعون الطب القائم على الدليل، ومحاولة تشويه وتتفيه مجهودهم، وتضخيم الهزل والعبث اللاعلمى الذى يمارسه تجار الوهم؟!، سنحاول ارتداء معطف الطبيب النفسى، ونجلس هذه الحالات على الشيزلونج، فمريضة السرطان تعيش زلزالًا وجوديًا؛ يهدد كيانها، هنا يظهر تاجر الوهم ليقدّم ما لا يقدّمه الطب، قصة مريحة، يقول لها إن المرض مجرد سموم فى القولون يمكن تنظيفها وكنسها، وإن الشفاء هو قرار داخلى إيمانى، وإنها ضحية لجشع الأطباء، ثم تتدخل آليات أعمق، منها التحيز التأكيدى الذى يجعل المريض يبحث عمّا يثبت قناعته الجديدة ويتجاهل الأدلة الطبية، والتنافر المعرفى الذى يدفعه، بعد الشفاء، إلى إعادة كتابة الماضى كى لا يعترف بأنه كاد يغامر بحياته، فيحوّل الدجال إلى منقذ، وتخترع مغالطة ربط النظام الغذائى بالشفاء، رغم أن السبب الحقيقى هو العلاج الذى تلقّته من الطبيب المسكين المهمل المنسى، والإعلام لا يركز على الذين ماتوا نتيجة شراء الوهم، تكتم أصواتهم، ولا نسمعها، فيبدو المشهد وكأن الدجل نجح بامتياز، وأن تاجر الوهم هو صاحب طوق النجاة، للغريق،

 

فى مصر، تتغذى هذه الآليات النفسية على بيئة خصبة، فجوة الثقة فى منظومة صحية مرهقة، أطباء يئنون تحت ضغط الوقت والحاجة، لغة علمية جافة مكلكعة، مقابل معالج يتكلم لغتك، ويقدم وعوداً باتساع السماء، تغذيه وتدعمه صفحات ومقاطع فيديو تبيع حكايات الشفاء الطبيعى الرخيص، بدون خوف من الأعراض الجانبية، ثم خوارزميات النت التى تنحاز للقصص المثيرة، وتصفق وتنشر فيديو التى تعافت من السرطان بحبة البركة ومنقوع البردقوش،

 

تنشرها الخوارزميات أسرع من أى ورقة علمية من هارفارد تشرح آلية دواء، ويأتى فى النهاية الخلطة الدينية العلمية، ليدخل الدجل الحاضنة الشعبية، الطبيب الذى يتكلم بالعلم برغم أنه صادق لكن المريض يعتبره بارداً، أما الثانى فبالرغم من كذبه، يقتنع المريض بدفئه، وينحاز له، فى مواجهة الأمراض القاسية الصعبة، لا يختار الإنسان دائمًا الحقيقة، ولا يحب أن يستمع إليها، أو يشكر قائلها، بل يختار القصة الوهمية التى تجعله أقل خوفًا، حتى لو كانت كذبة، وحينها يصفّق للذى خدعه، ومارس عليه الدجل، وباع مجرد الكلام المرسل.

 

نقلا عن المصرى اليوم