أَلأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طُوسْ...
يُعَدُّ سُؤَالُ العَدْلِ مِنْ أَعْمَقِ الأَسْئِلَةِ الَّتِي شَغَلَتِ الإِنْسَانَ عَبْرَ العُصُورِ، لِأَنَّهُ يَمَسُّ جَوْهَرَ الحَيَاةِ الإِنْسَانِيَّةِ وَنِظَامَ المُجْتَمَعِ. وَعِنْدَ طَرْحِ سُؤَالٍ مُبَاشِرٍ: «هَلْ يُحَقِّقُ القَانُونُ المَدَنِيُّ وَالقَوَانِينُ الدِّينِيَّةُ العَدْلَ؟» فَإِنَّ الإِجَابَةَ لَا تَكُونُ مُطْلَقَةً، بَلْ تَحْتَاجُ إِلَى نَظَرَةٍ وَاقِعِيَّةٍ تَأْخُذُ فِي الاِعْتِبَارِ طَبِيعَةَ الإِنْسَانِ وَتَعْقِيدَ الوَاقِعِ.
وَقَبْلَ الدُّخُولِ فِي التَّفْصِيلِ، يَبْرُزُ مَبْدَأٌ عَمِيقٌ يُضِيءُ لَنَا طَرِيقَ الفَهْمِ، وَهُوَ: «لَا يُعْرَفُ العَدْلُ إِلَّا عِنْدَمَا يَتِمُّ الظُّلْمُ». فَكَثِيرًا مَا لَا يُدْرِكُ الإِنْسَانُ قِيمَةَ العَدْلِ إِلَّا عِنْدَمَا يَفْتَقِدُهُ أَوْ يُعَانِي مِنْ نَقِيضِهِ. وَمِنْ هُنَا، نَفْهَمُ أَنَّ بَحْثَنَا عَنِ العَدْلِ فِي القَوَانِينِ هُوَ فِي جَوْهَرِهِ بَحْثٌ عَنْ تَجَنُّبِ الظُّلْمِ وَمُقَاوَمَتِهِ.
أَوَّلًا: القَانُونُ المَدَنِيُّ
القَانُونُ المَدَنِيُّ هُوَ مَجْمُوعَةُ القَوَاعِدِ الَّتِي تَضَعُهَا الدَّوْلَةُ لِتَنْظِيمِ العَلَاقَاتِ بَيْنَ الأَفْرَادِ، وَيَهْدِفُ—مِنْ حَيْثُ المَبْدَأُ—إِلَى تَحْقِيقِ العَدَالَةِ وَحِفْظِ الحُقُوقِ. وَمِنْ أَهَمِّ مُمَيِّزَاتِهِ أَنَّهُ يَسْعَى إِلَى المُسَاوَاةِ، وَيَعْتَمِدُ عَلَى نُصُوصٍ وَإِجْرَاءَاتٍ مُحَدَّدَةٍ.
وَلَكِنَّ الوَاقِعَ يُثْبِتُ أَنَّهُ لَا يُحَقِّقُ العَدْلَ بِشَكْلٍ كَامِلٍ دَائِمًا، بِسَبَبِ سُوءِ التَّطْبِيقِ أَوِ التَّفْسِيرِ، أَوْ تَأَثُّرِهِ بِالنُّفُوذِ، أَوْ قُصُورِ بَعْضِ النُّصُوصِ. وَهُنَا يَظْهَرُ الظُّلْمُ أَحْيَانًا، فَنُدْرِكُ أَكْثَرَ قِيمَةَ العَدْلِ الَّذِي كَانَ يُفْتَرَضُ أَنْ يَتَحَقَّقَ.
ثَانِيًا: القَوَانِينُ الدِّينِيَّةُ
القَوَانِينُ الدِّينِيَّةُ تَسْتَمِدُّ مَبَادِئَهَا مِنَ التَّعَالِيمِ المُقَدَّسَةِ، وَتَهْدِفُ إِلَى تَحْقِيقِ عَدْلٍ يَجْمَعُ بَيْنَ الحَقِّ وَالرَّحْمَةِ. وَمِنْ أَبْرَزِ هَذِهِ القَوَانِينِ:
القَوَانِينُ المَسِيحِيَّةُ (القَانُونُ الكَنَسِيُّ).
القَوَانِينُ الإِسْلَامِيَّةُ (الشَّرِيعَةُ الإِسْلَامِيَّةُ).
القَوَانِينُ اليَهُودِيَّةُ (الهَلاخَا).
القَوَانِينُ الهِنْدُوسِيَّةُ (الدَّهَرْمَا).
وَهُنَاكَ أَيْضًا قَوَانِينُ دِينِيَّةٌ أُخْرَى أَقَلُّ شُهْرَةً، وَلَكِنَّهَا مُهِمَّةٌ، مِنْهَا:
القَوَانِينُ البُوذِيَّةُ (الفِينَايا).
القَوَانِينُ الجَيْنِيَّةُ.
القَوَانِينُ السِّيخِيَّةُ (رَهِيتْ مَرْيَادَا).
القَوَانِينُ الزَّرَادَشْتِيَّةُ.
القَوَانِينُ البَهَائِيَّةُ.
القَوَانِينُ الشِّينْتُوِيَّةُ.
القَوَانِينُ التَّاوِيَّةُ.
وَرَغْمَ سُمُوِّ هَذِهِ القَوَانِينِ، فَإِنَّ تَطْبِيقَهَا يَبْقَى مُرْتَبِطًا بِالإِنْسَانِ، الَّذِي قَدْ يُحْسِنُ أَوْ يُسِيءُ الفَهْمَ وَالتَّنْفِيذَ. وَعِنْدَمَا يَحْدُثُ الظُّلْمُ بِاسْمِ الدِّينِ، يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى خَلَلٍ فِي التَّطْبِيقِ لَا فِي المَبْدَأِ، وَهُنَا أَيْضًا نُدْرِكُ قِيمَةَ العَدْلِ الحَقِيقِيِّ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ هَذِهِ القَوَانِينُ.
الخُلَاصَةُ
لَا القَانُونُ المَدَنِيُّ وَلَا القَوَانِينُ الدِّينِيَّةُ—بِكُلِّ أَنْوَاعِهَا—تُحَقِّقُ العَدْلَ تَحْقِيقًا مُطْلَقًا فِي الوَاقِعِ، لِأَنَّ العَدْلَ الكَامِلَ يَتَجَاوَزُ القُدْرَةَ البَشَرِيَّةَ. وَلَكِنَّهَا جَمِيعًا تَبْقَى مَحَاوَلَاتٍ جَادَّةً لِلاقْتِرَابِ مِنْهُ.
وَمِنْ خِلَالِ خِبْرَةِ الإِنْسَانِ مَعَ الظُّلْمِ، يَتَعَلَّمُ قِيمَةَ العَدْلِ، لَكِنْ لَيْسَ مِنَ الضَّرُورِيِّ أَنْ نُجَرِّبَ الظُّلْمَ لِنَعْرِفَ العَدْلَ، بَلْ يَكْفِي أَنْ نُرَبِّي ضَمِيرَنَا عَلَى الحَقِّ وَالنَّزَاهَةِ.
فَالعَدْلُ الحَقِيقِيُّ لَا يَسْكُنُ فِي النُّصُوصِ وَحْدَهَا، بَلْ فِي الإِنْسَانِ الَّذِي يُحْيِيهَا، وَفِي ضَمِيرٍ يَعْرِفُ الحَقَّ قَبْلَ أَنْ يَتَأَلَّمَ مِنْ فِقْدَانِهِ.
✍️
أَلأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طُوسْ...





