هاني صبري - المحامي
لم تكن قضية رسامة المرأة قسًّا يومًا مسألة اجتماعية أو حقوقية، بل هي قضية لاهوتية تمس سلطة الكتاب المقدس ونظام الله في الخلق والكنيسة.  

وبينما تسارع بعض الطوائف المسيحية إلى تبني مفاهيم معاصرة تحت دعوى المساواة، يُطرح التساؤل الجوهري: هل يجوز للكنيسة أن تُشرّع ما لم يأذن به المسيح رأس الكنيسة، فترسم المرأة قسًّا في مخالفة صريحة للنص الموحى به؟

فحين تُقدَّم "المسايرة العصرية" على "الوحي"، وتُستبدل "الطاعة" بـ"الرغبة"، تفقد الكنيسة هويتها وتتحول من جسد المسيح إلى مؤسسة بشرية تخضع لأهواء العصر. والقول برسامة المرأة قسًّا هو نقضٌ مباشر لنصوص قطعية، وتعدٍّ على ترتيب إلهي ثابت منذ التكوين.

في تقديري: لا يجوز رسامة المرأة قسًّا، لكون ذلك مخالفًا لما ورد في الكتاب المقدس، رغم إقدام بعض الكنائس الأنجليكانية وغيرها من الطوائف المسيحية الأخرى على تعيين نساء في مناصب كهنوتية أو قسوس.

إن الكتاب المقدس لم يسجل رسامة امرأة قسًّا، وأن السيد المسيح بحكمته غير المحدودة اختار 12 تلميذًا من الرجال و70 رسولًا جميعهم من الرجال، لخدمة التعليم داخل الكنيسة. ولا يقلل هذا الموقف من شأن المرأة أو قيمتها؛ لقد خلق الله الإنسان ذكرًا وأنثى على صورته كشبهه (تكوين 1: 27). فهم متساوون في الوجود والكينونة والقيمة من حيث الخلق، وبالفداء لهم أيضًا نفس النصيب الصالح نتيجة عمل المسيح الكفاري، فهم واحد في المسيح. وإنما رفض رسامة المرأة قسًّا هو التزام بالحق الكتابي الذي يحدد أدوارًا ووظائف مختلفة لكل من الرجل والمرأة، ولا أحد ينكر الرسالة العظيمة التي كُلفت المرأة بها من الرب.

إنَّ رسامة المرأة قسًّا عدم طاعة لوصية الكتاب المقدس الواضحة لحفظ دور القس للرجل. فيقول الكتاب المقدس: "لِتَتَعَلَّمِ الْمَرْأَةُ بِسُكُوتٍ فِي كُلِّ خُضُوعٍ. وَلكِنْ لَسْتُ آذَنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعَلِّمَ وَلاَ تَتَسَلَّطَ عَلَى الرَّجُلِ، بَلْ تَكُونُ فِي سُكُوتٍ، لأَنَّ آدَمَ جُبِلَ أَوَّلاً ثُمَّ حَوَّاءُ، وَآدَمَ لَمْ يُغْوَ، لكِنَّ الْمَرْأَةَ أُغْوِيَتْ فَحَصَلَتْ فِي التَّعَدِّي. وَلكِنَّهَا سَتَخْلُصُ بِوِلاَدَةِ الأَوْلاَدِ، إِنْ ثَبَتْنَ فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْقَدَاسَةِ مَعَ التَّعَقُّلِ" (1 تيموثاوس 2: 11–15).  

"لِتَصْمُتْ نِسَاؤُكُمْ فِي الْكَنَائِسِ، لأَنَّهُ لَيْسَ مَأْذُونًا لَهُنَّ أَنْ يَتَكَلَّمْنَ، بَلْ يَخْضَعْنَ كَمَا يَقُولُ النَّامُوسُ أَيْضًا. وَلكِنْ إِنْ كُنَّ يُرِدْنَ أَنْ يَتَعَلَّمْنَ شَيْئًا، فَلْيَسْأَلْنَ رِجَالَهُنَّ فِي الْبَيْتِ، لأَنَّهُ قَبِيحٌ بِالنِّسَاءِ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي كَنِيسَةٍ" (1 كورنثوس 14: 34-35).

هذه الآيات تعلّم بوضوح عدم السماح للمرأة أن تعلّم أو تتسلّط في الكنيسة (1 تيموثاوس 2: 12)، ولم يمنع عن المرأة أن تعلّم وترشد أسرتها داخل البيت، لكنه فقط يمنعها من وظيفة التعليم داخل الكنيسة، هذه الوظيفة التي أودعها الله للرجال على وجه التحديد، وهذا ليس له علاقة بمواهب المرأة أو استحقاقها وحقوقها، لكن بالطاعة ورئاسة الرجل. فالمسيح هو الملك والرأس الوحيد لكنيسته، يحكم فيها من خلال كلمته وروحه. وليس مسموحًا للكنيسة أن تمارس أي أمر يخالف الكتاب المقدس. فكلمة المسيح تمنع المرأة من أي تعليم داخل الكنيسة بحسب (1 تيموثاوس 2: 12).

والأسباب التي يعطيها بولس الرسول غير مرتبطة بالعادات الاجتماعية، بل بأسباب تنطبق على كلِّ العصور، وهي كون آدم خُلق أولًا، وكون المرأة انخدعت أولًا (1 تيموثاوس 2: 13-14). ويأتي بعد هذا النص مباشرةً التعليم بشأن مؤهلات وظيفة القس والأسقف في الكنيسة (1 تيموثاوس 3: 1-7) والتي تنطبق فقط على الرجال على أساس أنه تم استثناء المرأة من هذه الوظيفة في (1 تيموثاوس 2: 12–14). فقد وضع الله نظامًا في الخلق وعلى الكنيسة أن تتبع هذا النظام. ولأن قوانين الخلق لا تتغير فكذلك تطبيقها لا يتغير فيما يتعلق بعدم جواز رسامة المرأة قسًّا.

إن العهود الكتابية الستة التي صنعها الله مع شعبه كانت من خلال وساطة الرجل وليس المرأة. فالرجل هو الممثل لخليقة الله بما فيها النساء. فكما رأينا مثلًا، العهد الذي قطعه الله مع آدم تطلّب ولاء آدم بالطاعة واشتمل على عواقب العصيان وهو الموت. وهذا كله قيل لآدم باعتباره ممثلًا ونائبًا ورأسًا لحواء. فالرجل هو رأس المرأة كما أن المسيح هو رأس الكنيسة (أفسس 5: 23).

إن رئاسة الرجل متجذّرة بعمق في نظام الخلق نفسه (تكوين 2: 15–24، 3: 15–19، 1 تيموثاوس 2: 11–15، 1 بطرس 3: 1–7)، وكذلك أيضًا في النظام الذي وضعه الله في الكنيسة. ومن ثم وفقًا لتعاليم الكتاب المقدس لا يجوز رسامة المرأة قسًّا، فإن أدوار العلاقات التي منحها الرب للرجل والمرأة غير قابلة للتفاوض فيها. فالأمر يتعلق باللاهوت وليس تسيّدًا ثقافيًا أو تأثير مجتمع ذكوري كما يدعي البعض.

أما ما يظنه البعض من وجود شخصيات مثل دبورة القاضية في سفر القضاة أصحاحات 4–5 يجعل من حق المرأة التعليم داخل الكنيسة، فهذا مردود عليه؛ فكونها قاضية يعني أنها كانت تحكم بين الناس، حيث يقول الكتاب: "فِي أَيَّامِ حُكْمِ الْقُضَاةِ" (راعوث 1: 1). فحكم القضاة لم يكن وظيفة دينية. كان الكهنة واللاويون هم الوعاظ وقادة العبادة في ذلك الوقت.

ونحذر من التعليم الليبرالي الحر الذي يخالف تعاليم الكتاب المقدس. ويجب علينا جميعًا رفض رسامة المرأة قسًّا لأن تلك التعاليم الخاطئة دخيلة على قيمنا ومبادئنا المسيحية.

ونناشد كافة كنائس العالم رفض رسامة المرأة قسًّا تماشيًا مع تعاليم الكتاب المقدس. يعتبر الكثيرون أن هذا الموقف يعكس التزامًا قويًا بتطبيق المبادئ الدينية في الممارسات الكنسية.