القمص يوحنا نصيف
في أوائل السبعينيّات من القرن الماضي انتقلتُ مع أسرتي للإقامة في مدينة المحموديّة بمحافظة البحيرة، حيث كان والدي يعمل مهندسًا بوزارة الريّ – مصلحة الميكانيكا والكهرباء.
مدينة المحموديّة في ذلك الوقت كانت مدينة صغيرة، وهي تقع على فرع رشيد من النيل، وتبعد عن مدينة دمنهور حوالي 18 كيلومترًا من جهة الشمال الشرقي. ويربطهما طريق زراعي ضيّق. وقد كانت المدينة تُسَمّى في الماضي "العطف"، ولكن بعد حفر ترعة المحموديّة في منتصف القرن التاسع عشر، صار اسم المدينة "المحموديّة".
المنطقة الواقعة بين دمنهور والمحموديّة، كانت تُسمَّى في العصور الوُسطى "مِيصيل". وهذا مذكور في الخرائط والكتب القديمة التي تشرح تاريخ محافظة البحيرة. كما أنّها كانت إيبارشيّة كبيرة بها العديد من الكنائس، قبل إبادة المسيحيّين فيها بين القرن الرابع عشر والقرن الثامن عشر. وربّما نلاحظ في كتاب السنكسار أنّ بعض القدّيسين كانت نشأتهم في كرسي "مِيصيل"، مثل الأنبا بيجيمي السائح، وهو بالتحديد من قرية "فيشا" التي تقع حاليًا في منتصف المسافة تقريبًا بين دمنهور والمحموديّة.
عندما ذهبنا إلى المحموديّة في أواخر عام 1972م، وجدنا في المدينة كنيسة واحدة أثريّة صغيرة باسم السيّدة العذراء، تخدم المسيحيّين الموجودين في المدينة، الذين لم يكونوا يتجاوزون 60 أسرة. وهذه الكنيسة المباركة كانت من أقدم كنائس إيبارشيّة البحيرة. ولعلّي هنا أتذكّر أنّ طاقم أواني المذبح الفضّيّة الذي كان يُستَعمَل لخدمة القدّاس، كان محفورًا عليه بالكتابة هذه الجملة: "وقف على كنيسة السيّدة العذراء بالعطف 1927م". ولست أعرف هل هي مصادفة أم لا أنّ سنة 1927م كانت سنة ميلاد كاهن الكنيسة القمّص متري جرجس ديمتريوس، والذي كان والده وجدوده هم كهنة الكنيسة السابقين أيضًا!
كان أبونا متري لا يَعِظ، ولا يوجَد أيضًا في الكنيسة أيّ خُدّام لخدمة مدارس الأحد، بينما كان نيافة الحبر الجليل الأنبا باخوميوس، نيّح الله نفسه، شابًّا يافِعًا في بداية أسقفيّته، وإذ وَجَدَ أنّ معظم كنائس الإيبارشيّة تحتاج لنهضة روحيّة كبيرة، فقد كان يزور جميع الكنائس بانتظام ليصلّي ويعظ، ويفتقد البيوت بكثافة، ويُرسِل خُدّامًا من تلاميذه بدمنهور للاهتمام بخدمة مدارس الأحد في جميع كنائس الإيبارشيّة، بما فيها كنيستنا بالمحموديّة.
بالطبع أتذكّر أسماء العديد من الآباء الكهنة والخدّام المباركين الذين كانوا يحضرون للوعظ والخدمة على مدى عِدّة سنوات، ومن ضمنهم كان الأستاذ زاهر عزيز، الذي صار فيما بعد القمّص رويس عزيز.
حوالي عام 1974م، حضر للخدمة في أحد أيّام الجمعة الأستاذ زاهر، وألقى عظة القدّاس، وأتذكّر أنّها كانت بعد التناول وليست بعد قراءة الإنجيل. بعد ذلك قاد خدمة مدارس الأحد لنا نحن أطفال ابتدائي وإعدادي.
أتذكّر في ذلك اليوم أنّه قام بتحفيظنا ترنيمة جديدة جميلة، كُنّا أوّل مرة نسمعها بصوته الهادئ الملائكي؛ وكانت ترنيمة "اسم حبيبك إيه؟" والتي لازلت أحفظها حتّى اليوم بنَصّها الأصلي المكوّن من ثلاثة أبيات مع القرار:
1- اسم حبيبك إيه؟ اسم حبيبي يسوع. ساكن فين؟ بيته فين؟ في وسط الجموع.
القرار: رايح: رايح على فين؟ ع السماء على طول.. رايح رايح رايح رايح، رايح مهما تقول.
2- حبي له بيزيد، كلّ صباح جديد. هو حبيبي اللي اشتراني، وأعطاني التجديد.
3- لو فتحت الباب، هيدخل على طول. يتعشّى معاك وإنت معاه، ويقولّ لك مبروك.
ربّما تغيّرت الكلمات أو زادت أبيات الترنيمة بعد ذلك، ولكنّني لم أنس أوّل مرّة ترنّمنا بها وفرحنا بها جدًّا جدًّا.
بعد ذلك تمّت سيامة الأستاذ زاهر كاهِنًا في سبتمبر عام 1975م، وأتذكّر أنّنا نحو ذلك الوقت قُمنا لأوّل مرّة في تاريخ كنيسة المحموديّة برحلة بالأوتوبيس إلى أديرة وادي النطرون، وتمكنّا في يومٍ واحد من زيارة أديرة وادي النطرون الأربعة، بدأناهم بدير البرموس وانتهينا بدير أنبا مقار، والتقينا في دير الأنبا بيشوي بأبينا رويس الذي كان يقضي الأربعين يومًا بعد سيامته هناك.
مع السيامات الجديدة في الإيبارشيّة حدثت نهضة كبيرة في كلّ مكان، وكُنّا نسمع عن انتعاش الخدمة في كنيسة الملاك بحدائق كفر الدوّار التي سيم عليها أبونا رويس، لمساعدة القمّص مينا منصور الذي كان يخدم بمفرده قبل ذلك.
قام أبونا رويس بتلمذة أجيال عديدة، منهم مَن صاروا كهنةً ورهبانًا، وصار تكريسهم بركةً في أماكن عديدة.. وقد كان كالشجرة الوارفة المثمرة، يخدم بالروح في وداعة وطهارة وبرّ حتّى النفس الأخير.
المسيح قادر أن ينيّح روحه الطاهرة في فردوس النعيم، ويكافئه نظير أتعابه الكثيرة وجهاده الأمين، ويسكب تعزيات الروح القدس في قلوب كلّ الأقرباء والمحبّين، ويعيننا كما أعانه لنكمل أيام غربتنا بسلام، وليتمجّد اسم الله القدّوس، الآب والابن والروح القدس. الآن وكلّ أوان وإلى دهر الدهور. آمين.
القمص يوحنا نصيف
الصور:

+ نيافة الأنبا باخوميوس في بداية أسقفيّته.

+ القمص رويس عزيز في أواخر حياته.

+ مجمع كهنة إيبارشيّة البحيرة في ديسمبر من عام 1975م أمام باب كنيسة الملاك ميخائيل بدمنهور، ويظهر في منتصف الصفّ الأمامي نيافة أنبا باخوميوس، ويقف القمص متري جرجس كاهن كنيسة العذراء بالمحموديّة في أقصى طرف يسار الصورة (سيامة 1946م)، ومن الناحية الأخرى على يسار أنبا باخوميوس مباشرةً يقف القمص ميخائيل جرجس كاهن كنيسة مار جرجس بكفر الدوّار (سيامة 1935م) وهو الأخ الأكبر للقمص متري جرجس، وخلف أبونا متري يقف القمّص بولس بولس كاهن كنيسة مارجرجس بدمنهور (سيامة 1948م). بينما يقف في منتصف الصورة وخلف الكلّ أبونا رويس عزيز، الذي كان أحدث الكهنة في ذلك الوقت، وكانت لحيته لم تَصِل بعد للحجم الذي عرفناه به. ويقف في أعلى الصورة وفي الخلف أيضًا على اليمين بلحيته البيضاء القمّص أنطونيوس عزيز الأخ الأكبر لقدس أبينا رويس، وقد سيم قبله بحوالي سنة. بركة صلوات الجميغ تكون معنا.





