بقلم: أندرو اشعياء
 
«أما الرحمة والحق فيهديان مخترعي الخير». (أم 14: 22).
 
يكون الخير مُخترَعًا حين لا يكتفي الإنسان بتنفيذ الوصية حرفيًا، بل يدخل إلى روحها، فيدع الله يفتح أمامه طرقًا غير مألوفة للمحبة.
 
فالوصية تقول "أحب"، لكن كيف نحب؟ هنا يبدأ الاختراع. لأن كل نفس لها احتياج مختلف، وكل موقف يحمل تعقيدًا خاصًا، فيصير الخير فعلًا حيًا يتشكل بحسب اللحظة، لا قالبًا جامدًا يُكرَّر بلا وعي.
 
يُختَرَع الخير أيضًا حين تتحول الرحمة من مجرد عاطفة إلى رؤية داخلية جديدة. فبدل أن يرى الإنسان أخاه من خلال أخطائه، يراه من خلال ألمه واحتياجه، فيبتكر طرقًا للاحتواء لم تكن تخطر له من قبل. هذا التحول في النظرة يخلق أشكالًا جديدة من الصبر، والغفران، والخدمة؛ كأن القلب نفسه يصير مُبدعًا، لا مستهلكًا لما تعلّمه سابقًا.
 
أما عمق اختراع الخير، فيتحقق حين يشترك الإنسان مع نعمة الله في عمل داخلي مستمر، فيصير الخير ثمرة علاقة، لا مجرد سلوك. عندها لا يعود الإنسان يسأل: «ماذا أفعل؟» بل: «كيف يعمل الله فيّ الآن؟» ومن هذا السؤال تخرج أفعال تحمل طابعًا فريدًا، مليئًا بالحق والرحمة معًا. وهكذا يصبح الخير إبداعًا روحيًا، يتجدد في كل لحظة، لأن مصدره هو الله الحي، لا الفكر البشري المحدود. 
 
والخير يُعرف أنه ليس محفوظًا في القوانين، بل يُستخرج من عمق العلاقة مع الله. الخير الحقيقي يحتاج إلى قلب يرى الآخر بعين الله.. الخير هو قبول التأديب.
 
إنما يُعد اختراع الخير أعلى من كونه اكتشاف ثوب جديد لسبل المحبة، أو ابتكار أو تطوير أو تشكيل جديد لعمل الرحمة.. اختراع الخير هو تمخض لولادة مستمرة لنور داخل القلب.. هو ما نبحث عنه باوفر اجتهاد ونناله بالنعمة.. هو نور لم يعهده الانسان من قبل.. نور معرفة المسيح يسوع ربنا..
 
حقًا «أما الرحمة والحق فيهديان مخترعي الخير». (أم 14: 22) .. «الرحمة والحق التقيا. البر والسلام تلاثما.». (مزمور85: 10)