سحر الجعارة
«لو كان الفقر رجلاً لقتلته».. هذه العبارة تلخص أسباب لجوء الناس لما يسمى «الطب البديل» أو اللجوء للخرافة: قبل اكتشاف دواء «السوفالدي» الذي نجح في القضاء على فيروس c في مصر خاصة وقد تبنتها الدولة، وأطلق الرئيس «عبدالفتاح السيسي» حملة (100 مليون صحة).. فكيف كان حال المصريين قبلها؟
كان فيروس «سي» يسمى «لعنة المصريين» والدواء الذي حقق نجاحاً ملموساً آنذاك (في التسعينات) كان الإنترفيرون وكان سعر الجرعة المطلوبة وقتها حوالي خمسة آلاف جنيه مصري.. وهو ما كان يعد ثروة، فلجأ فقراء مصر إلى أعشاب «عبدالباسط»، ولمن لا يتذكره هو صاحب أكبر عملية نصب على مرضى فيروس C، وهي «العلاج بالأعشاب»، وبعد مرور أكثر من 15 عاماً على فضحه وسقوط نظريات «الطب البديل» بالضربة العلمية القاضية، اتضح أنه لا يزال يمارس نشاطه على البسطاء، مستغلاً جهل الفقراء، ويروج لبيع أعشابه عبر موقع «فيس بوك».. ولم يخجل من كشفه، بل خرج على الجميع ليعلن عن اكتشافه علاجاً لفيروس كورونا، ادعى «عبدالباسط» أن أعشابه تعالج: «الأمراض المناعية، والصدفية، والإكزيما، والبهاق، والروماتويد المفصلي، والقولون التقرحي، والذئبة الحمراء».. ودفع ثمن أعشابه المسمومة آلاف المرضى من الفقراء والباحثين عن أمل.. ولم يتبقَ لهذه الأعشاب المجهولة إلا أن تزوج العانس وترد الغائب وتجلب الرزق.. إلخ الهلاوس الشعبية المرتبطة بسراب خادع يسمى «الأمل».. ولم يكن الطب وقتها في أحسن أحواله، فقد ظهر طبيب مشهور يعالج فيروس C بقرص النحل!.
وعلى نفس الدرب وبنفس النهج ظهر الدكتور «ضياء العوضي»، الذي أشعل منصات ومواقع التواصل الاجتماعي، بالجدل والنقاش والخلاف و«البلوك» الشهير عقب رفض بروتوكول «الطيبات» الذي اخترعه.. بدأت رحلته من مدرجات كلية الطب، وانتهت بقرارات رسمية بشطب اسمه من سجلات الأطباء، ثم الوفاة في دبي، التي يصفها البعض بأنها غامضة!.
المأساة دائماً عند الأطباء في ترك «الأدوية» والسير على خدعة في الطعام والشراب على أمل الشفاء، وقد حذرني الأستاذ الدكتور «مصطفى المنيلاوي» الرائد في طب المناظير وأمراض الجهاز الهضمي والكبد، رحمه الله، من السير وراء الخزعبلات التي كان منها خلط العلم بالدين وكان نجمها «زغلول النجار».. ومن ظهور أكذوبة العلاج بالأشكال الهندسية التي طرحها المهندس «إبراهيم كريم» على المجتمع، وكان يقدم نفسه للإعلام بصفته مؤسس علم التشكيل الهندسي ذات التأثير الحيوي (Bio-Geometry).. وفكرته باختصار هي ارتداء قلادة محفور عليها أشكال هندسية ادعى أنها تشفي أمراضاً معينة وكانت أسعارها باهظة (قابلته بنفسي).. لكنه الوحيد الذي لم يقل لمرضاه: أوقفوا الأدوية (ربما كان السبب هو الهجوم الضاري على عبدالباسط).
جريمة ضياء العوضي التي لم يحاسب عليها، (إلا بالشطب من نقابة الأطباء)، أنه أمر المرضى بكل ديكتاتورية وغطرسة بوقف الأدوية.. واخترع ما ظن أنه «علم موازٍ» لما اكتشفته البشرية قبله، ودافع عن أفكاره بقوة، مستشهداً بقصص تاريخية، مثل جاليليو والأنبياء، معتبراً أن أفكاره قد تثبت صحتها لاحقاً.. وتورط بعض الإعلاميين والفنانين في الترويج لجريمته.
إنه الطبيب الوحيد في العالم الذي شجع على التدخين وقال للمرضى «ممكن تشرب سجائر في الصيام»، ومن أفكاره اللوذعية أن اللبن السائل سم للبالغين، والفاكهة بعد الأكل سموم مخمرة، إلى آخر أفكاره التي تركت البعض في غرف العناية المركزة.. ليس أشهر شطحات «العوضي» استبدال المياه بالعصير، (وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ.. سورة الأنبياء الآية 30)، بل أوامره الجنونية بوقف الأدوية المصرح بها في كل العالم: عندما يتوقف مريض السكر عن الأنسولين يقف على أعتاب الموت، وعندما يمتنع مريض بمرض مناعي مثلاً عن الكورتيزون فهو يكتب بيده شهادة وفاته.. هذه الجرائم لم يحاسب عليها «العوضي» بل قدم من اتبعوه فاتورتها وللأسف كان بينهم مثقفون.
أتصور أن «العوضي» كان مصاباً بـ«جنون العظمة» وهو نوع فرعي من الضلالات، تتميز باعتقاد غير عادي لدى الشخص بأنه ذو مكانة رفيعة بشكل استثنائي.. وغالباً ما تتخذ أوهام العظمة طابعاً دينياً، أو خيالياً علمياً، أو خارقاً للطبيعة. ومن أمثلتها الاعتقاد الراسخ بأن الشخص يمثل إلهاً، أو أنه يمتلك مواهب خيالية، أو إنجازات استثنائية، أو قوى خارقة.
طارق العوضي لا يختلف كثيراً عن مدعي النبوة أو من يعتبر نفسه «المهدي المنتظر».. وهؤلاء لهم عنبر خاص في مستشفى الأمراض العقلية.. لكننا للأسف لم نعتقل جنونه في عنبر للعلاج، بل أطلقناه على اليوتيوب يدمر صحة المصريين التي نجدناها بصعوبة كانت تصل إلى حد الاستحالة.
كان «العوضي» نرجسياً معادياً للمرأة التي يراها خلقت للضرب وإذا أنجبت بنتاً يطلقها.. إلخ المعتقدات المريضة عن التفوق حتى في النوع!.
أما وفاة «العوضي» فليست مؤامرة من شركات الأدوية ولا تجار الدجاج.. إنها النتيجة الحتمية لنظرية «الطيبات» التي حصدت أرواح الكثيرين.. وكأنه سدد ضريبة جنونه وتحول من طبيب إلى «تجربة سريرية» قضت عليها عبقريته المزعومة.
نقلا عن الوطن





