كمال زاخر
ضمن لقاءات السيد المسيح التي سجلها لنا الإنجيل نتوقف أمام لقائين توجه الحضور فيهما له بأسئلة تتعلق بتنظيم أمور حياتية، أوردهما بالتتابع القديس لوقا، في أولهما قَالَ لَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجَمْعِ:«يَا مُعَلِّمُ، قُلْ لأَخِي أَنْ يُقَاسِمَنِي الْمِيرَاثَ».
فَقَالَ لَهُ: «يَاإِنْسَانُ، مَنْ أَقَامَنِي عَلَيْكُمَا قَاضِيًا أَوْ مُقَسِّمًا؟»، وفي ثانيهما كان السؤال من الجمع المحيط به «أَيَجُوزُ لَنَا أَنْ نُعْطِيَ جِزْيَةً لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟ فَشَعَرَ بِمَكْرِهِمْ وَقَالَ لَهُمْ: لِمَاذَا تُجَرِّبُونَنِي؟ أَرُونِي دِينَارًا. لِمَنِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ؟ فَأَجَابُوا وَقَالوُا: لِقَيْصَرَ. فَقَالَ لَهُمْ: أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا ِللهِ للهِ».
وفيهما يؤسس السيد المسيح رؤيته في تقنين الشئون الحياتية، ونحن في زماننا نحسب الميراث ضمن منظومة الأحوال الشخصية، بحسب الفقه القانوني، ويمد الخط ليشمل الشأن العام حين يؤسس للفصل بين ما لله وما هو للدولة، ولما كانت الكنيسة هي المحملة بتفعيل القواعد التي ارساها مؤسسها، فيمتنع عليها أن تكون طرفاً في تنظيم شئون رعيتها الشخصية والمدنية، والتي ـ بحسب المسيح ـ تقع في نطاق مسئوليات الدولة. ويقتصر دورها على إنارة الأذهان فيما يتعلق بالحياة الروحية الأبدية، وانعكاسات العلاقات الحياتية عليها، ومن هنا يمكن أن ندرك ما وراء قوله لهم َ«الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ مَا تَرْبِطُونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَرْبُوطًا فِي السَّمَاءِ، وَكُلُّ مَا تَحُلُّونَهُ عَلَى الأَرْضِ يَكُونُ مَحْلُولاً فِي السَّمَاءِ.»، بأنه يتعلق بالأمور المرتبطة بالحياة الروحية والأمور المتعلقة بملكوت السموات.
إذ يفتتح البشير متى اللقاء الذي جاء فيه هذا الكلام بقوله «فِي تِلْكَ السَّاعَةِ تَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ إِلَى يَسُوعَ قَائِلِينَ: فَمَنْ هُوَ أَعْظَمُ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ؟»، وفي سياق هذا يكلمهم عن مهامهم في تجنب العثرات وفي البحث عن النفوس البعيدة والضالة والتي نسميها في زماننا الرعاية والافتقاد، إذ يطرح أمامهم مثل الخروف الضال وسعي الراعي في البحث عنه حتى يجده، ويستطرد بحديث مدقق عن دورهم في نبذ الخصام والفرقة وترسيخ مبادرة المصالحة، وهي الدوائر التي أعطاهم فيها سلطان الحل والربط، والذي يبقى مشروطاً بأن يكون اتفاقهم في حضور المسيح «إِنِ اتَّفَقَ اثْنَانِ مِنْكُمْ عَلَى الأَرْضِ فِي أَيِّ شَيْءٍ يَطْلُبَانِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ لَهُمَا مِنْ قِبَلِ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسْطِهِمْ». ويضع أمامهم تحذيراً صارماً وهو يبين لهم مسئوليتهم «وَيْلٌ لِلْعَالَمِ مِنَ الْعَثَرَاتِ! فَلاَ بُدَّ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَاتُ، وَلكِنْ وَيْلٌ لِذلِكَ الإِنْسَانِ الَّذِي بِهِ تَأْتِي الْعَثْرَةُ!».
فهم الآباء الرسل أبعاد مهامهم ومسئولياتهم والمنحصرة في الكرازة بالمسيح وبناء الكنيسة بحسب إرسالية المسيح لهم في باكورة ظهوراته لهم بعد قيامته المجيدة «وَأَمَّا الأَحَدَ عَشَرَ تِلْمِيذًا فَانْطَلَقُوا إِلَى الْجَلِيلِ إِلَى الْجَبَلِ، حَيْثُ أَمَرَهُمْ يَسُوعُ. وَلَمَّا رَأَوْهُ سَجَدُوا لَهُ، وَلكِنَّ بَعْضَهمْ شَكُّوا. فَتَقَدَّمَ يَسُوعُ وَكَلَّمَهُمْ قَائِلاً: دُفِعَ إِلَيَّ كُلُّ سُلْطَانٍ فِي السَّمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ». بحسب ما سجله متي البشير في خاتمة انجيله.
ولهذا عندما تحملوا مسئولية الرعاية انتبهوا إلى حدود مهمتهم ومسئولياتها، وبحسب ما سجله القديس لوقا في سفر أعمال الرسل الذي يرصد يوميات الكنيسة الأولى «وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ إِذْ تَكَاثَرَ التَّلاَمِيذُ، حَدَثَ تَذَمُّرٌ مِنَ الْيُونَانِيِّينَ عَلَى الْعِبْرَانِيِّينَ أَنَّ أَرَامِلَهُمْ كُنَّ يُغْفَلُ عَنْهُنَّ فِي الْخِدْمَةِ الْيَوْمِيَّةِ. فَدَعَا الاثْنَا عَشَرَ جُمْهُورَ التَّلاَمِيذِ وَقَالُوا: لاَ يُرْضِي أَنْ نَتْرُكَ نَحْنُ كَلِمَةَ اللهِ وَنَخْدِمَ مَوَائِدَ. فَانْتَخِبُوا أَيُّهَا الإِخْوَةُ سَبْعَةَ رِجَال مِنْكُمْ، مَشْهُودًا لَهُمْ وَمَمْلُوِّينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَحِكْمَةٍ، فَنُقِيمَهُمْ عَلَى هذِهِ الْحَاجَةِ. وَأَمَّا نَحْنُ فَنُواظِبُ عَلَى الصَّلاَةِ وَخِدْمَةِ الْكَلِمَةِ». وعبرهم تأسست خدمة الشمامسة، التي أشار إليها القديس بولس الرسول في أكثر من موضع في رسائله، ويمكن بقراءة معاصرة أن نحسبهم بالتوازى إرهاصات تبلور خدمة الأراخنة، وتقترب كثيراً من فكرة «المجلس الملي» بعيداً عن الهيراركية الإكليروسية.
وبغير التوقف كثيراً عند نشأة المجلس الملي في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، 1874م، وما دار حوله من صراعات في تنازع حق ادارة الشئون المادية والادارية في الكنيسة بين الإكليروس والمدنيين من أبناء الكنيسة، والتي لم تتوقف بامتداد تاريخه، وقد شهدت تنويعات على إبعاده وتجميده وأحيانا محاولات تدجينه، حتى انتهى به الأمر إلى عدم الدعوة لانتخاب مجلس جديد بعد انتهاء دورته في 2011، على تأسيس المجلس يحسب ابرز علامات مشوار تحديث واصلاح الإدارة الكنسية، والتي اصطدمت مع المجتمع الأبوي وتراثه وعزلته، وانفراد الإكليروس بإدارة الكنيسة، ومع ذلك فقد شهد المجلس دعماً، في لحظات من تاريخه، من مستنيري الإكليروس، وحين أسند إليه اعداد مشروع قانون ينظم الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس، والذي صدرت لائحته في 1938، كانت مرجعيته الأبحاث والدراسات التي قام بها القمص فيلوثاؤس عوض بتكليف من البابا كيرلس الخامس، وفي مقدمتها إعداد قانون الأحوال الشخصية (1876)، ثم كتاب "الخلاصة القانونية في الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس" (1896)، والذي استهله بتوثيق المفاوضات والملابسات التي أدت إلى وضع هذه القوانين، والتي جاءت متفقة مع العقائد الكنسية وخبرته ككاهن (ايغومانس) الكنيسة المرقسية بكلود بك، والتي صارت مقرا باباويا بقرار من البابا مرقس الثامن (1796)، قبل أن تنتقل لمقرها الحالي بالعباسية مع تنصيب البابا شنودة الثالث.
وهنا يتبين أن لائحة 38 لم ينفرد المدنيون الأراخنة (العلمانيون) بوضعها، وأن ما روج بهذا المعني يحتاج إلى تدقيق، ويحتاج أيضاً إلى اعتذار لهم لكونه زعمٌ يطعن في وعي وادراك وفهم الأراخنة للقوانين الكنسية. على الرغم من أن تاريخ الكنيسة يحتفظ بأدوار لاهوتية وتعليمية للأراخنة العلمانيين لعل ابرزهم القديس اثناسيوس الذي بلور رؤية الكنيسة الإيمانية في مجمع نيقية، 325م، كعضو فاعل في الوفد الكنسي الارثوذكسي السكندري وقتها، وهو بعد شاب قبل رسامته بطريركاً، وهي الرؤية التي بني عليها قانون الإيمان النيقاوي الذي اعتمدته كل الكنائس بتوزيعاتها الجغرافية آنئذ. وفي التاريخ المنظور يصادفنا أرخن مدني علماني هو الاستاذ حبيب جرجس الذي أسس وقاد تيار الإصلاح الكنسي المعاصر، وهو تلميذ للإيغومانوس فيلوثاؤس عوض، وقد تتلمذ على يديه طيف من شباب اربعينيات القرن العشرين وضمهم للجنة العليا لمدارس الأحد، وصاروا فيما بعد قادة ومدبري الكنيسة وفي مقدمتهم الأستاذ نظير جيد (قداسة البابا شنودة فيما بعد). واعترافا من الكنيسة بدوره النهضوي الكبير اعتمدته قديساً وضمته إلى قديسي المجمع في ليتورجيتها.
وغدا الأحد نستكمل الطرح.
رابط الجزء الثاني





