هاني صبري – الخبير القانوني والمحامي بالنقض
في لحظات التحول التشريعي، لا يُقاس نجاح القوانين بما تتضمنه من نصوص فحسب، بل بمدى اتساقها مع البنية الدستورية التي تستمد منها مشروعيتها. فالتشريع الذي ينتقي من الدستور ما يوافقه ويُغفل ما يُلزمه، لا يؤسس لاستقرار قانوني، بل يفتح بابًا لخلل بنيوي وهو : عيب جوهري في أساس التشريع وفلسفته، يجعله متعارضاً مع المبادئ الدستورية الحاكمة. ينعكس على التطبيق ويُهدد سلامة النظام القانوني ذاته. ومن هذا المنطلق، يثور التساؤل حول مدى اتساق مشروع قانون الأحوال الشخصية للمصريين المسيحيين مع نصوص الدستور، في ضوء إغفاله تنظيم نظام التبني، رغم كونه من المسائل الجوهرية في البنيان الأسري المسيحي.

ذلك أن المادة (3) من الدستور المصري لم تُقرر مجرد مبدأ عام، بل أرست قاعدة آمرة محددة الدلالة، حين نصت على أن مبادئ شرائع المصريين المسيحيين هي المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية. وهذه الصياغة، في بنيتها اللغوية والدستورية، تنطوي على قيد صريح على سلطة المشرّع، إذ تنقل مركز إنشاء القاعدة القانونية من الإرادة التشريعية إلى تطبيق الشريعة المسيحية ذاتها في الأحوال الشخصية للمصريين المسيحيين ، بحيث يصبح دور المشرّع كاشفًا ومُنظمًا، لا مُنشئًا أو مُعدِّلًا في جوهر هذه المبادئ. ومن ثم، فإن أي انحراف عن هذا الإطار لا يُعد مجرد اجتهاد تشريعي، بل يُمثل خروجًا على قيد دستوري واجب الإعمال.

وإذا كان المشروع قد استند إلى هذا النص الدستوري ذاته لإقرار مبدأ المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة للمسيحيين، تأسيسًا على ما تقرره الشريعة المسيحية في هذا الشأن، فإن المنطق الدستوري ذاته يفرض امتداد هذا الالتزام إلى سائر المبادئ التي تُشكّل ذات المرجعية، وفي مقدمتها نظام التبني، باعتباره أحد المكونات الأصيلة للتصور المسيحي للأسرة. ذلك أن إعمال النص الدستوري في جانب، وتعطيله في جانب آخر، يُفضي إلى ازدواجية في الأساس القانوني، ويُخل بمبدأ الاتساق التشريعي الذي يُعد من ركائز المشروعية الدستورية، ويُفقد النصوص القانونية تماسكها الداخلي.

ولا يُمكن تبرير هذا الإغفال بالاستناد إلى فكرة النظام العام، إذ إن هذه الفكرة، في الفقه الدستوري الحديث، لم تعد مفهومًا جامدًا سابقًا على الدستور، بل غدت مستمدة منه ومتشكلة في ضوء قيمه. فإذا كان الدستور قد أقر صراحة التعددية الدينية في مسائل الأحوال الشخصية، فإن مقتضى ذلك أن يُعاد بناء مفهوم النظام العام بما يستوعب هذه التعددية، لا أن يُستخدم كأداة لإهدارها. وإلا أصبح النظام العام، في هذه الحالة، قيدًا على الدستور، بدلًا من أن يكون أحد تجلياته.

ويترتب على هذا الإغفال أثر قانوني بالغ الخطورة، يتمثل في حرمان فئة من المواطنين من إعمال أحد أنظمتهم الأسرية المقررة دينيًا، بما يُنشئ تمييزًا سلبيًا لا يستند إلى أساس موضوعي، ويتعارض مع مبدأ المساواة المنصوص عليه دستوريًا، لا من حيث الصياغة فحسب، بل من حيث الأثر العملي للقاعدة القانونية. 

وقد استقر قضاء المحكمة الدستورية العليا على أن الحماية الدستورية للحقوق لا تتحقق بمجرد الاعتراف النظري بها، وإنما بتمكين أصحابها من ممارستها ممارسة فعلية منتجة لآثارها القانونية، وهو ما ينتفي في ظل غياب تنظيم تشريعي للتبني.

كما أن القول بصعوبة تنظيم هذا النظام لا يصمد أمام النظر القانوني الدقيق، إذ يمكن استيعابه في إطار تشريعي منضبط يحقق التوازن بين الخصوصية الدينية وضمانات حماية الطفل، من خلال إخضاعه لرقابة قضائية كاملة، وربطه بمبدأ المصلحة الفضلى للطفل، وتنظيم آثاره القانونية بصورة واضحة، بما يشمل النسب الحكمي والحقوق المالية، على نحو يحول دون أي إساءة استخدام أو اضطراب في المعاملات. ومن ثم، فإن الإشكال لا يكمن في استحالة التنظيم، بل في غياب الإرادة التشريعية لاستكمال مقتضيات النص الدستوري.

إن استبعاد التبني من نطاق التنظيم لا يُعد موقفًا محايدًا، بل يُمثل في حقيقته إحلالًا ضمنيًا لتصور قانوني بديل لا يعكس المرجعية التي ألزم بها الدستور، وهو ما يُعد إخلالًا مباشرًا بحجية النص الدستوري، ويضع التشريع في مواجهة محتملة مع رقابة الدستورية. ولا يغير من ذلك أن المشروع قد تناول جوانب أخرى من الأحوال الشخصية، إذ إن وحدة الأساس الدستوري تقتضي شمول التطبيق، لا تجزئته.

ومن ثم، فإن استكمال هذا المشروع لا يتطلب إعادة صياغته، بقدر ما يستلزم إزالة هذا النقص البنيوي بإدراج نص صريح يُقر نظام التبني للمسيحيين في إطار الضوابط الدستورية، بما يعيد للنص الدستوري فاعليته الكاملة، ويُحقق الاتساق بين مصادر القاعدة القانونية ومضمونها. 

ونقترح على مجلس النواب الموقر إدراج مادة مستحدثة في مشروع القانون تقرر  "حق المسيحيين في إقرار التبني بحكم قضائي، وفقًا لمبادئ شريعتهم، مع ترتيب كافة آثاره القانونية.

إن إقرار التبني في قانون الأحوال الشخصية للمصريين المسيحيين لا يُعد توسعًا تشريعيًا، بل هو وفاء بالتزام دستوري قائم، واستجابة منطقية لوحدة المرجعية التي ارتضاها الدستور ذاته. واستكمال هذا المسار الذي بدأه المشروع بإقرار المساواة في الميراث، لا يتحقق إلا بإعمال ذات الأساس في سائر المسائل المرتبطة به، بما يُرسخ مبدأ سيادة الدستور، ويُعزز الثقة في التشريع، ويُجسد احترام الدولة لتنوعها الديني في إطار من الوحدة القانونية المنضبطة.