بقلم الأب يسطس الأورشليمى
من أقوال الأنبياء السابقين على مجيء المسيح، يتضح أن مجيئه كان هدفه الأول هُو خلاص آدم وبنيه من العقوبة الأبدية المحكوم بها عدلاً على آدم وأبنائه الذين ولدوا من صلبه، ودمهم ملوث بوصمة الخطيئة الأصلية، فورثوا منه حالته وفساد طبيعته، فسرى على آدم وذريته من بعده حكم القضاء الإلهي على الجميع بالموت الأبدي والطرد من الجنة، وإغلاق الفردوس في وجه الإنسان، فلم يكن في مقدور أحد بعد الموت إلا أن تنزل روحه إلى الجحيم في العالم السفلي، وقد ترك الله البشر ألوف السنين في هذه الحالة، حتى اقتنعوا بأنهُم جميعاً أخطأوا وأعوزهم مجد الله.. راجع (مز13؛ 52؛ 57؛ 129؛ رو10:3-12)..
 
ولكنهم لم يجدوا بينهم أحداً يمكنه أن يعتقهم من سوء مصيرهم، فاسترحموا الله واستغفروه، وقدموا الذبائح من لحم الحيوان ومن دمه استرضاء لله، ولكنهم كانوا يعلمون أن الحيوان أقل مرتبة من الإنسان، ومن ثم فلا يمكن أن يقوم بدور الوسيط الحقيقي بين الإنسان وبين الله..
 
من هُنا فإن أتقياءهم أدركوا أن ذبيحة الحيوان لا تفدي ولا تُخلّص، ولكن تقديمها لله هُو من قبل الطاعة للشريعة والخضوع لله والإقرار بالخطيئة والخطأ أما الفادي الحقيقي فلابد أن يكون أعظم من الإنسان الذي أخطأ، ولابد أن تكون قيمة لحمه ودمه قيمة لا نهائية في ثمنها وكرامتها، تتناسب مع جلالة الله الذي أخطأ الإنسان نحوه بتعديه على شريعته ووصيته، وتتناسب أيضاً مع حجم البشرية التي سرت إليها وصمة الخطيئة، بطبيعة إنها جميعها من دم واحد تكونت، من آدم إلى نهاية كُل الأجيال..
 
فمَن من الناس يمكنه أن يقوم بهذه المهمة؟ ومَن من الناس يمكنه أن يكون ذاك الوسيط الذي يستطيع أن يكون الفادي والمُخلّص؟!
إن إنساناً واحداً لو توافرت له شروط الكمال الأخلاقي، لا يمكنه إلا أن يفدي إنساناً واحداً، لأن قيمته هي قيمة إنسان واحد نظيره، فكيف إذن يمكنه ذلك إذا كان هذا الفادي نفسه خاطئاً ومحكوماً عليه بالموت..
 
لأنه من نسل آدم وقد انتقلت إليه لوثة الخطيئة، ووصمتها في دمه الذي وصل إليه من آدم أبي الجنس البشري كُله..
لهذا جاء الفادي الحقيقي مُتأخراً في الزمان، بعد أن أقتنع الناس بفشلهم عن تحقيق الخلاص ورنوا بأبصارهم إلى المُخلّص الآتي من بعيد في ملء الزمان، فأنشد يعقوب أبو الأسباط يقول: لخلاصك انتظرت يارّب، وأنشد غيره يقول: أراه ولكن ليس الآن، أبصره ولكن ليس قريباً.. راجع الكتاب (تك18:49؛ عد17:24؛ إش53)..
 
ووصف الأنبياء السابقون آلام الفادي وصلبه وموته من أجل فداء الإنسان فقال النبي إشعياء: حمل أوجاعنا، حسبناه مصاباً مضروباً من الله .. جرح لأجل معاصينا وسحق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه، وبحبره شفينا، كُلنا ضللّنا كالغنم، كُل واحد مال إلى طريقه .. ألقى الرّب عليه إثم جميعنا، ظُلم وهُو خاضع ولم يفتح فاه، كشاه سيق إلى الذبح، وكحمل صامت أمام الذين يجزونه ولم يفتح فاه .. إنه ضُرب من أجل ذنب شعبي، وجعل مع الأشرار قبره، ومع غني عند موته على أنه لن يصنع جوراً، ولم يوجد في فمه غش .. جعل نفسه ذبيحة إثم .. ومرضاة الرّب تنجح على يده .. أحصى مع العصاة وهُو حمل خطايا كثيرين وشفع في المذنبين..
 
وجاء عنه في المزامير، وكأن داود النبي كان واقفاً تحت الصليب يرى المسيح الفادي مصلوباً يقول: كالماء انسكبت وتفككت جميع عظامي، صار قلبي مثل الشمع، قد ذاب في وسط أحشائي، يبست مثل شقفة قوتي، لساني لصق بحنكي، وإلى تراب الموت تحدرني، قد أحاطت بيّ كلاب، زمرة من الأشرار أحدقت بيّ، ثقبوا يدي ورجلي، أحصى عظامي كُلها، وهم ينظرون ويتفرسون في يقتسمون ثيابي بينهم وعلى لباسي يقترعون (مز21)، والمعروف أن شيئاً من مثل ذلك لم يحدث للنبي، إنما كان هذا الوصف بتفصيلاته نطق به الرُوح القدُس على فمه بالنبوءة عن المسيح.. 
 
وعن قيامته من بين الأموات قوله عن المسيح: سيستقر جسدي على الرجاء .. لأنك لن تترك نفسي في الهاوية، ولا تدع قدوسك ينال منه الفساد.. تعرفني سروراً بمشاهدة وجهك (مز9:15-11)..
 
وفي العهد الجديد تعقيب على هذه النبوءة..راجع (أع22:2-32؛ 26:13-38)..