الأب رفيق جريش
يبدو أن الرئيس دونالد ترامب معارض لبابا روما بشكل عام مهما كان الشخص الذى يعتلى السدة البطرسية ففى ولايته الأولى عارض وتطاول على مثلث الرحمات البابا فرنسيس الأرجنتينى الأصل وها هو مرة أخرى يتطاول على البابا الجديد لاون الرابع عشر أول بابا أمريكى فى التاريخ ومن بنى وطنه.

لكن البابا لاون الرابع عشر، الذى انتُخب قبل أقل من عام، وقدم عصراً جديداً فى الفاتيكان وأصبح يحظى بمكانة هامة تماماً بين ما يقرب من مليار ونصف من الكاثوليك فى العالم. وبصفته أول أمريكى يشغل كرسى القديس بطرس، فهو ملم إلماماً تاماً بالسياسة وثقافة الأمريكيتين وتحظى قيادته بدعم واسع النطاق وقد أعاد بشكل كبير بناء علاقة الفاتيكان مع الشعب الكاثوليكى الأمريكى لدرجة أن العديد من أعضاء معسكر ترامب نفسه سارعوا للدفاع عن البابا عندما تطاول عليه.

من الخطأ تصنيف البابوات أو رجال الدين بتصنيفات سياسية هذا يسارى أو ذاك يمينى وإلى آخره من التصنيفات لأن البابا لا يعلن إلا ما هو فى الإنجيل المقدس من تعاليم السيد المسيح حول محبة الأعداء «أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ، وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ» (مت ٥: ٤٤). وعدم مقاومة الشر بالشر «لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ» (مت ٥: ٣٩)، وطوبى لصانعى السلام فإنهم أبناء الله يدعون (مت ٥: ٩). وكل ذلك التعليم الرافض للعنف والحرب بل والعمل على نشر المحبة والسلام وهذا لا يعجب السيد ترامب الذى ينتمى للمسيحية المشيخية المتصهينة.

ومنذ اللحظات الأولى لاختيار البابا لاون الرابع عشر فى مايو الماضى، توقع كثيرون أن الأمور بين البابا والرئيس ترامب لن تسير على ما يرام، وأن البابا الجديد سيمثل بتوجهاته تحدياً سياسياً مباشراً لترامب، خاصة فى ظل دعوة البابا لبناء جسور السلام مع العالم. ترامب فى الأول رحب باختيار أمريكى ليكون البابا، ثم أثار الجدل بنشر صورة لنفسه بالذكاء الاصطناعى فى هيئة البابا.

منذ عشرة أيام ظهر الخلاف بين البابا والرئيس، ووصل لحد الرد والرد المضاد بالتصريحات على خلفية الموقف من الحرب. فالبابا واصل موقفه دفاعاً عن السلام، ومنذ اليوم الأول لحرب إيران الحالية أعلن أنه لا يمكن بناء الاستقرار والسلام بالتهديدات المتبادلة، ولا بالأسلحة التى تزرع الدمار والألم والموت، بل فقط من خلال حوار عقلانى وحقيقى ومسئول ودعا لوقف دوامة العنف قبل أن تصير هاوية لا يمكن إصلاحها وأكد أن هذه الحرب ليست حرباً عادلة التى تكون فقط للدفاع عن النفس والوطن، وفى ٢٢ مارس الماضى اعتبر الحرب عاراً على البشرية جمعاء، ثم عاد ليؤكد إدانته استخدام اسم يسوع المسيح لتبرير الحروب قائلاً إن يسوع لا يستمع إلى صلوات الذين يشنون الحروب بل يرفضها. وفى العاشر من أبريل الحالى أدان توظيف الدين لتبرير الحروب قائلاً إن الله لا يبارك أى صراع، وكل من يتبع المسيح، أمير السلام، لا يمكن أن يقف إلى جانب من حملوا السيف بالأمس ويسقطون القنابل اليوم. وفى ١١ أبريل قال، كفى عبادة للذات والمال! كفى استعراضاً للقوة! كفى حرباً! واعتبر أن وهم القوة المطلقة هو ما يغذى الحرب، ومن الكاميرون التى زارها فى ١٥ / ٤ / ٢٠٢٦ قال البابا: «قال لنا يسوع طوبى لصانعى السلام» ثم أضاف الويل لأولئك الذين يتلاعبون بالدين باسم الله ذاته لتحقيق مكاسب عسكرية أو اقتصادية أو سياسية لأنفسهم فهم يجرون المقدس إلى الظلام.

الرئيس ترامب لا يقبل من يخالفه حتى ولو كان بابا الفاتيكان. فخرج ليصف البابا بأنه ضعيف فى مواجهة الجريمة وسيئ فى السياسة الخارجية، مضيفاً أنه لا يريد بابا يقبل بامتلاك إيران سلاحاً نووياً. فكان رد البابا لا أخاف من إدارة ترامب، وأتعهد بمواصلة النداء من أجل السلام مؤكداً أن رسالة الإنجيل يجب ألا يساء استخدامها بالطريقة التى يفعلها البعض، فإذ بترامب يرد بنشر صورة لنفسه بالذكاء الاصطناعى فى هيئة السيد المسيح وليس البابا فقط، البابا قال أيضاً أنا لست رجل سياسة، أى أن أقواله تلك تصدر من موقف أخلاقى ومن واجبه إعلاء قيم السلام والعدل والمحبة فى العالم، فهذا هو دوره الروحى.

باختصار الخلاف ليس فقط بين شخصين بل بين أسلوبين، بين القوة والغطرسة والأنانية من جهة وبين الأخلاق المبنية على قيم الإنجيل من جهة أخرى.
نقلا عن المصري اليوم