عادل نعمان
ليس لنا يا سادة الحق فى مزاحمة الشيعة والسنة معركتهم الدائرة منذ الأوائل، وليس لنا ناقة ولا جمل فى هذه العركة المنصوبة منذ قرون، وما لنا رحال لسلب الغنائم والأسلاب، إلا أن بيوتنا مفتوحة لتلقى العزاء، ونساؤنا يندبن وينتحبن ويلطمن الخدود على ميت غريب عن الديار، وضحية لم تشاهده العيون ولم تلده بطون الحرائر.
ونظن أننا فى مصر قد برئنا من هذا الداء فى زمن السلطان الأيوبى، إلا أن ميراث الغضب يورث ولا يموت وهذه حكايته:
يضع صلاح الدين الأيوبى رأسه على الوسادة لينام بعد صلاة الفجر بالمسجد الكبير، يمد يده كما تعود يتحسسها، يهب واقفًا مذعورًا، تحت الوسادة خنجر تتدلى منه رسالة (غدًا على رقبتك).. عرف ساعتها أنهم قاتلوه، من هم؟ الشيعة الفاطمية!!
يقول المقريزى: «اجتمعت طائفة من أهل القاهرة على أن يتولى الحكم رجل من أولاد العاضد (آخر خليفة فاطمى بمصر) وأن يقتلوا صلاح الدين، وأرسلوا رسولهم إلى الفرنجة، فوشى أحدهم بخبرهم هذا عند السلطان صلاح الدين الأيوبى فحاصرهم وشنقهم، وتتبع الفاطميين فقتل وأسر الكثير، وأصر أن يرحل كافة جنود (الشيعة) وحاشية القصر» وقد كان الخلاص منهم أمرًا حتميًّا قبل الانقضاض عليه. إلا أن عودة الصراع مع الشيعة فى المحروسة كان لها جذور.
مراحل الصراع بين السنة والشيعة على مر التاريخ لم تكن «مصر» طرفًا فيها (فهو صراع سياسى بين أبناء العمومة بنو عبد الدار وعبده مناف) حتى ظهور الدولة الفاطمية، واحتلالهم مصر، ونعود قليلًا إلى صراع آخر الأحفاد، الأول: «محمد النفس الزكية» ابن عبد الله الكامل جده الحسن بن على بن أبى طالب، حاول الانفصال بالمدينة عن حكم الخليفة العباسى أبوجعفر المنصور، ودارت «موقعة الحرة» بينهما وانتهت بهزيمة آل البيت وقتل النفس الزكية واستباح جنود أبو جعفر نساء المدينة ثلاثة أيام، قيل «إن ألف امرأة من المدينة حملن سفاحًا منهم» والثانى: الحسين بن على جده الحسن بن على بن أبى طالب، حاول الخروج على حكم العباسيين وحاربوه وشيعته فى موقعة «فخ» وقتلوه كما قتل الأمويون جده الحسين الكبير فى كربلاء. بعد المعركة هرب منهم الكثير إلى بلاد المغرب وأسسوا دولة الأدارسة بقيادة إدريس بن إدريس بن على بن عبدالله، وكانت دولة الأدارسة النواة الأولى للدولة الفاطمية.
أرسل المعز لدين الله الفاطمى قائد جيوشه جوهر الصقلى لاحتلال مصر، وحولها الفاطميون من المذهب السنى (الشافعى) إلى المذهب الشيعى (الإسماعيلى)، وأنشأ الفاطميون الأزهر الشريف لتمكين المذهب الشيعى، وكانت المرحلة الأولى للصراع السنى الشيعى فى مصر. انتهت هذه المرحلة بالقضاء على الدولة الفاطمية على يد صلاح الدين الأيوبى، ودارت مصر إلى المذهب الشافعى (السنى).
الصراع السنى الشيعى احتدم وزادت قوته بعد قيام الدولة الصفوية فى إيران وتحويلها من دولة سنية إلى دولة شيعية، وليس صدفة أن تقود فارس المذهب الشيعى وهى مولد سلمان الفارسى وهو من الصحابة الذين رفضوا تولى أبى بكر الخلافة وأيدوا أحقية على فيها.
مصر لم تكن تستهويها المذاهب يومًا، تعيش على حب آل البيت دون هوية شيعية، ولم تسمع يومًا عن ابن تيمية أو ابن القيم أو ابن عبد الوهاب، يصومون ويصلون ويزكون كما كان أجدادهم يفعلون دون فقيه أو ولى، فما انحرفوا أو تطرفوا يومًا أو حادوا عن جادة الصواب، فلم نسمع يومًا عن تكفير الآخر أو قتل المرتد أو تارك الصلاة، حتى جاءتنا محطتان من أخطر محطات الفكر السنى المتشدد، الأولى: فرار مشايخ الوهابية من الحجاز بعد مطاردة إبراهيم باشا ابن محمد على وتسللهم إلى مصر وتدريسهم المذهب الحنبلى الوهابى فى الأزهر. والمحطة الأخطر على تاريخنا هى نزوح المصريين للعمل فى السعودية فى سبعينيات القرن الماضى وتصدير الفكر الوهابى إلى مصر بموافقة سعودية ومساعدة المخابرات الأمريكية، وأصبحنا دولة مستوردة لبضاعة الحقد الوهابى على الشيعة وعلى كل الأديان الأخرى، وأمسينا جزءًا من صراع مدفوع الأجر، السلفيون يقبضون من وهابية السعودية لمحاربة المد الشيعى، والشيعة يقبضون من إيران لتشيع الدولة، ووقفت الدولة المصرية من هذا الصراع «ودن من طين والأخرى من عجين»، الغريب أن دولة المنبع لأهل السنة حريصة على تدفق طوائف الشيعة للحج، والسلفيون يرفضون زياراتهم لآل البيت فى مصر!! وعجبى.
وما زلنا ندفع ثمن صراع لا ناقة لنا فيه أو جمل، والحل (الدولة المدنية هى الحل).
نقلا عن المصري اليوم





