فاطمة ناعوت
لوحةٌ بالأكواريل رسمها ابنى «عمر» وهو طفل: نخلةٌ، تميلُ بجزعها على جَرّة ماء. وضوءُ الشمس آتٍ من اليمين يرمى ظلاله على يسار الجرة والنخلة. وحولهما فراغٌ أبيضُ شاسع كأنّه الصمت. لا تفاصيلُ، لا زخارفُ، ولا بشر. لونان فقط بدرجاتهما. الأخضرُ، والبُنىّ. بساطةٌ مفرطة حدّ التعقيد. شىءٌ ما فى هذه البساطة يُربكنا؛ لأننا اعتدنا أن نختبئ فى التفاصيل، التى نُراكِمها؛ فلا نعودُ نميّز بين ما نحتاجُ إليه، وما هو فائضُ زحام.
حين نشرتُ اللوحة على صفحتى، هالنى الصدى الواسع والتحليلات الجميلة لهذه اللوحة البسيطة التى رسمها طفلٌ متوحّد. ربما لأننا نشتاقُ إلى البراءة. من بين التعليقات أختارُ كلمة الأستاذ «عزّ الدين رضوان»؛ لأنه كتب ما بدا لى نصًّا موازيًا للوحة.
(لما شوفت اللوحة: نخلة وجرة ماء، افتكرت الحديث الشريف: «حسب ابنِ آدمَ لُقيماتُ يُقِمن صُلبَه». وقول المسيح: «للثعالبِ أوجِرَةٌ، ولطيورِ السماءِ أوكارٌ، وأمّا ابنُ الإنسان فليس له أين يسندُ رأسَه». هو إحنا بنتقاتل على إيه بالضبط؟ هو الصراع اللى عايشين فيه ليه وعلى إيه؟! أصلها مش مستهلة؛ عشان نعيش فى سلام، مش محتاجين إلا نخلة وجرة ماء. اللوحة بتقول كده. شوفتها كده).
انتهى التعليق الجميل، الذى كان غوصًا فى قلب اللوحة. التقطَ الخيطَ الخفيَّ الذى نسجه «عمر» ببساطة المتوحدين وتعقيده؛ ربط البساطة البصرية بسؤالٍ وجودى قديم: ماذا نحتاج لنحيا؟ وكم نُثقِل حياتنا بما لا يلزم؟ وهنا، تتسلّل فكرةٌ أخرى: الهدر. ليس وحسب هدر الموارد، بل هدر الحياة. نحن لا نستهلك، بل نُفرط فى الاستهلاك حتى نصنع عالَمًا من الفائض الذى لا نحتاجه. نهدرُ الماءَ كما لو أنه لا ينضُب، ونهدرُ الطاقةَ كما لو كانت بلا حدود، ونهدر أعمارنا فى سباقٍ محموم نحو المزيد، دون أن نسأل: المزيد عن ماذا؟
فى الأثر النبوى: مرّ النبى (صلى الله عليه وسلم) برجل يتوضأ فقال: «ما هذا السَّرَفُ يا سعد؟» قال: أفى الوضوء سرف؟ قال: «نعم، وإن كنتَ على نهرٍ جارٍ». جملة تكفى لتقويض وهم الوفرة الدائمة. حتى النهر، حيث الماء يبدو بلا نهاية، يظلّ الاعتدال واجبًا. مسألة وعى. وفى الإنجيل، بعد معجزة الخبز والسمك، قال المسيحُ لتلاميذه: «اجمعوا الكِسَر الفاضلة لكى لا يضيع شىءٌ» حتى المعجزة، بما تحمله من فيضٍ إلهى، لا تبرّرُ الهدر. هناك دائمًا دعوة خفية إلى احترام النعمة مهما بدت وفيرة.
إذا عدنا إلى لوحة «عمر»، سنجد أنها تقول هذا كله دون كلام. النخلة، فى اللوحة، لا تقف منتصبةً، بل تميلُ على الجَرّة كأنها تعرفُ غايتها. لا تتباهى، لا تتزاحم، لا تطلب أكثر مما تحتاجه لتمنح: الظلال والثمر والحياة. إنها رمزُ الاكتفاء الذى لا يصرخ، بل يكتفى بأن يكون. والجَرّة، بتكوينها البدائى، تُعيدنا إلى أصل الأشياء: الماء، الطين، البقاء. لا زينةَ فيها، ولا فائضَ، بل وظيفة صافية لا تعرف التكلّف. الجَرّة ليست ممتلئة حدّ الفيض، بل بقدر الحاجة. والنخلة لا تُلقى ثمارها عبثًا، بل بانتظام الطبيعة. والفراغُ الأبيض، فى أحد أوجهه، هو نقيض الهدر: لا فائض، ولا زحام، ولا استهلاك زائد. كأن اللوحة تُعيد ترتيب علاقتنا بالأشياء، لا على أساس الامتلاك، بل على أساس الكفاية. أما الفراغ الأبيض ليس نقصًا، بل حضورٌ مختلف. نحن، فى عالمنا المكتظ، نخاف الفراغ. نملؤه بالصخب، بالصور، بالكلمات، بالمشاغل التى لا تنتهى. لكن «عمر»، بعفويته، تركه مفتوحًا، نظيفًا وصامتًا، كصفحة لم تُدنَّس. الفراغ هنا ليس غيابًا، بل إمكانية: مساحة سلام.
الأطفالُ، وخاصةً الواقفين على «طيف التوحّد»، يمتلكون القدرة على اختزال العالم. لا ينجذبون إلى الزوائد التى نعتبرها بديهيات. يرون الجوهر. لذا تأتى رسوماتهم، فى كثير من الأحيان، محمّلة بصدقٍ حاد، يجرحنا لأنه يُعرّى تعقيداتنا الزائفة. «عمر»، فى هذه اللوحة، لم يكن يقدّم درسًا فى الاقتصاد والبيئة، لكنه، بعفويته، لامس واحدةً من أعمق أزمات عصرنا: أننا فقدنا حِسّ الكفاية. لم نعد نعرف متى نقول: «هذا يكفى». ربما لهذا أثارت اللوحة كل هذا الصدى. لأنها لا تقول لنا ماذا نفعل، بل تسألنا: ماذا نفعل بكل هذا الذى نحمله فوق أكتافنا؟ لماذا نُحمّل حياتنا ما لا تحتمل؟ ولماذا نخاف أن نعيش ببساطة، كأننا فقدنا الثقة فى أن القليل يمكن أن يكون كافيًا؟ «هو إحنا بنتقاتل على إيه؟» نحن لا نتقاتل على ما نحتاجه، بل على ما نُهدره أيضًا. نخلق النُّدرة بأيدينا، ثم ندخل فى صراعٍ عليها. ماذا لو كان السلام يختبئ فى تلك المساحة البيضاء التى نخافها؟ ربما يكفى: نخلة، وجَرّة ماء، وقليلٌ من الشجاعة لنُصدّق أن هذا يكفى.
نقلا عن المصري اليوم





