الأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طُوسْ...
1 ـ سَنَعْرِضُ الآنَ المَقَالُ الأَوَّلُ:
ما الَّذي كَتَبَهُ الرَّبُّ يَسوعُ بِإِصبَعِهِ عَلَى الأَرضِ عِندَما أَتَوا إِلَيهِ بِالمَرأَةِ الزَّانِيَةِ وَأَرادوا أَن يَحكُمَ عَلَيها بِالرَّجمِ؟
سَنَتَنَاوَلُ المَوْضُوعَ فِي جُزْأَيْنِ
المَقَالُ الأَوَّلُ:
أَوَّلًا: تَحْلِيلُ وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (يُوحَنَّا 8: 1-11).
وَثَانِيًا: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (يُوحَنَّا 8: 1-11).وَهٰذَا سَنَتَنَاوَلُهُ فِي الْمَقَالِ الْقَادِمِ.
ــــــــــــــــــــــــ
سَنَعْرِضُ الآنَ المَقَالُ الأَوَّلُ:
أَوَّلًا: تَحْلِيلُ وَقَائِعِ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ.
إِنْجِيلُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ كَمَا كَتَبَهُ القِدِّيسُ يُوحَنَّا، الإِصْحَاحُ الثَّامِنُ، مِنَ الآيَةِ الأُولَى إِلَى الآيَةِ الحَادِيَةِ عَشَرَ (يُو ٨: ١–١١).
1 أَمَّا يَسُوعُ فَمَضَى إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ.
2 ثُمَّ حَضَرَ أَيْضًا إِلَى الْهَيْكَلِ فِي الصُّبْحِ، وَجَاءَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الشَّعْبِ فَجَلَسَ يُعَلِّمُهُمْ.
3 وَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ امْرَأَةً أُمْسِكَتْ فِي زِنًا. وَلَمَّا أَقَامُوهَا فِي الْوَسْطِ
4 قَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ، هَذِهِ الْمَرْأَةُ أُمْسِكَتْ وَهِيَ تَزْنِي فِي ذَاتِ الْفِعْلِ،
5 وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟»
6 قَالُوا هَذَا لِيُجَرِّبُوهُ، لِكَيْ يَكُونَ لَهُمْ مَا يَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَانْحَنَى إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ بِإِصْبِعِهِ عَلَى الأَرْضِ.
7 وَلَمَّا اسْتَمَرُّوا يَسْأَلُونَهُ، انْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!»
8 ثُمَّ انْحَنَى أَيْضًا إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ عَلَى الأَرْضِ.
9 وَأَمَّا هُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ، خَرَجُوا وَاحِدًا فَوَاحِدًا، مُبْتَدِئِينَ مِنَ الشُّيُوخِ إِلَى الآخِرِينَ. وَبَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ وَالْمَرْأَةُ وَاقِفَةٌ فِي الْوَسْطِ.
10 فَلَمَّا انْتَصَبَ يَسُوعُ وَلَمْ يَنْظُرْ أَحَدًا سِوَى الْمَرْأَةِ، قَالَ لَهَا: «يَا امْرَأَةُ، أَيْنَ هُمْ أُولئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟»
11 فَقَالَتْ: «لاَ أَحَدَ، يَا سَيِّدُ!» فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: «وَلاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلَا تُخْطِئِي أَيْضًا».
يَسوعُ وَالمَرأَةُ الزَّانِيَةُ وَالمُشتَكونَ عَلَيها:
المُقَدِّمَةُ:
هذا المقطع (يوحنّا ٨: ١–١١) يُعرَف غالبًا بـ قِصَّةِ المَرْأَةِ الزَّانِيَةِ، وفيه يَظْهَرُ حِوارٌ عَميقٌ بين الرَّبِّ يَسُوعَ المَسِيحِ وَالكَتَبَةِ وَالفَرِّيسِيِّينَ، وَيُظهِرُ مَبْدَأَ الرَّحْمَةِ وَعَدَمَ الإِدانَةِ.
مُلَخَّصُ الإِصْحَاحِ الثَّامِنِ (١–١١):
تَوجَّهَ يَسُوعُ إِلَى جَبَلِ الزَّيْتُونِ، ثُمَّ عَادَ إِلَى الهَيْكَلِ وَبَدَأَ يُعَلِّمُ الشَّعْبَ.
أَحْضَرَ الكَتَبَةُ وَالفَرِّيسِيُّونَ امْرَأَةً أُمسِكَتْ فِي زِنًا، وَوَقَفُوهَا فِي الوَسَطِ.
قَالُوا لِيَسُوعَ: الشَّرِيعَةُ تَأْمُرُ بِرَجْمِ مِثْلِ هَذِهِ، فَمَا رَأْيُكَ؟
كَانُوا يُجَرِّبُونَهُ لِكَيْ يَجِدُوا عَلَيْهِ شَكْوَى.
انْحَنَى يَسُوعُ وَبَدَأَ يَكْتُبُ عَلَى الأَرْضِ بِإِصْبَعِهِ، دُونَ أَنْ يُجِيبَ فَوْرًا.
لَمَّا أَلَحُّوا عَلَيْهِ، قَالَ جُمْلَتَهُ الشَّهِيرَةَ:
«مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلَا خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ».
بَدَأَ الجَمِيعُ يَخْرُجُونَ وَاحِدًا فَوَاحِدًا، مُبْتَدِئِينَ بِالأَكْبَرِ.
بَقِيَ يَسُوعُ وَالْمَرْأَةُ وَحْدَهُمَا.
قَالَ لَهَا: «أَيْنَ هُمْ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟»
أَجَابَتْ: «لا أَحَدَ يَا سَيِّدُ».
فَقَالَ: «وَلا أَنَا أَدِينُكِ، اذْهَبِي وَلا تُخْطِئِي أَيْضًا».
الفِكْرَةُ الرَّئِيسِيَّةُ:
المَسِيحُ لا يُنْكِرُ الخَطِيَّةَ، لَكِنَّهُ يَفْتَحُ بَابَ التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَيُحَذِّرُ مِنَ الإِدَانَةِ الأُحَادِيَّةِ لِلآخَرِينَ.
أَوَّلًا: تَحليلُ وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ (يُوحَنَّا 8: 1-11)
يَصِفُ يُوحَنَّا الإِنجيليُّ في إِنجيلِ الأَحدِ الخامِسِ (يُوحَنَّا 8: 1-11) السَّيِّدَ يَسوعَ المَسيحَ في هَيكَلِ أُورُشَليمَ، في الأَيّامِ الأَخِيرَةِ قَبلَ آلامِهِ، وَهُوَ يُعَلِّمُ الشَّعبَ وَيَعفو عَنِ المَرأَةِ الزَّانِيَةِ تَأكِيدًا لِتَصريحَاتِهِ "أَنا لا أَحكُمُ على أَحَد" (يُوحَنَّا 8: 15).
وَبِهذَا الأَمرِ يَكشِفُ رَحمَتَهُ تُجاهَ الخُطَأَةِ وَمَغفِرَتَهُ لَهُم، وَيَدعونا أَن نُلقي ما نُمسِكُ في أَيدينا مِن حِجارَةِ التَّحقيرِ وَالإِدانَةِ وَالَّتي نَرغَبُ أَحيانًا في أَن نَرميَ بِها الآخَرينَ.
وَمِن هُنا تَكمُنُ أَهَمِّيَّةُ البَحثِ في وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ وَتَطبيقاتِهِ.
تَحليلُ وَقائِعِ النَّصِّ الإِنجيليِّ (يُوحَنَّا 8: 1-11)
1 أَمَّا يَسوعُ فَذَهَبَ إِلى جَبَلِ الزَّيتونِ.
عبارة "فذَهَبَ إِلى جَبَلِ الزَّيتون":
عِبارَةُ "فَذَهَبَ إِلى جَبَلِ الزَّيتونِ": وَتُشيرُ عِبارَةُ "فَذَهَبَ إِلى جَبَلِ الزَّيتونِ" إِلى الاِستِراحَةِ في بَيتِ أَحَدِ أَصدِقائِهِ أَو قَضاءِ لَيلَتِهِ في الصَّلاةِ (لُوقا 7:21-38).
لأَنَّهُ كانَ في النَّهارِ يُعَلِّمُ في الهَيكَلِ في أَيّامِ عيدِ المَظالِ (يُوحَنَّا 7: 14)، وَفي اللَّيلِ يَخرُجُ لِلمَبيتِ في جَبَلِ الزَّيتونِ.
أَمَّا عِبارَةُ "جَبَلُ الزَّيتونِ": فَتُشيرُ عِبارَةُ "جَبَلُ الزَّيتونِ" إِلى الاِسمِ المَأخوذِ مِن شَجَرِ الزَّيتونِ الَّذي كانَ مَوجودًا في الجَبَلِ بِكَثرَةٍ.
وَلا تَزالُ تُوجَدُ فيهِ بَعضُ أَشجارِهِ الكَبيرةِ الحَجمِ وَالقَديمَةِ العَهدِ إِلى الآنِ في بُستانِ الجِسمانيَّةِ.
وَيُشرِفُ هذَا الجَبَلُ عَلَى القُدسِ مِن الجِهَةِ الشَّرقِيَّةِ (1 مُلوك 11: 7).
وَيُكثِرُ ذِكرُ هذَا الجَبَلِ في العَهدِ القَديمِ بِاسمِ "جَبَلِ الزَّيتونِ" (2 صَموئيل) وَ"الجَبَل" (نَحميا 8: 15) وَ"جَبَلِ الهَلاكِ" (2 مُلوك 23: 13).
وَيَفصِلُ وادي قَدرونَ هذَا الجَبَلَ عَن أُورُشَليمَ (2 صَموئيل 15: 14).
وَقَد حُسِبَتِ المَسافَةُ بَينَ أَقصى قِمَمِهِ الشَّماليَّةِ وَبَينَ أُورُشَليمَ بِسَفَرِ سَبتٍ (أَعمالُ الرُّسُلِ 1: 12)، وَكانَت هذِهِ المَسافَةُ حَسَبَ تَعليماتِ الرَّبِّيِّينَ أَلفَي ذِراعٍ (ما يُعادِلُ 914 مِترًا) مِن مَنزِلِ الشَّخصِ (عَدَد 35: 5) أَو نَحوَ سَبعِ غَلواتٍ وَنِصفٍ أَي حَوالي 1387 مِترًا (خُروج 16: 29).
وَمِن هذَا الجَبَلِ تَوَجَّهَ يَسوعُ إِلى أُورُشَليمَ في أَحَدِ الشَّعانينَ، وَمِنهُ بَكى يَسوعُ عَلَى المَدينَةِ وَمَصيرِها القَريبِ (لُوقا 19: 37-44)، وَقَد تَحَدَّثَ مِن سَفحِ ذلِكَ الجَبَلِ عَن خَرابِ الهَيكَلِ وَتَدميرِ المَدينَةِ (مَتّى 24: 3)، وَأَخيرًا مِنهُ صَعِدَ يَسوعُ إِلى السَّماءِ.
وَيُسَمِّي العَرَبُ جَبَلَ الزَّيتونِ في الوَقتِ الحاضِرِ جَبَلَ الطُّورِ (أَي جَبَلَ ذُو شَجَرٍ وَثَمَرٍ).
2 وَعادَ عِندَ الفَجرِ إِلى الهَيكَلَ، فَأَقبَلَ إِلَيهِ الشَّعبُ كُلُّه. فَجَلَسَ وَجَعَلَ يُعَلِّمُهُم.
أَمَّا عِبارَةُ "الفَجر": تُشيرُ عِبارَةُ "الفَجرِ" إِلى الصَّباحِ المُبكِّرِ حَيثُ جاءَ السَّيِّدُ المَسيحُ إِلى الهَيكَلِ لِكَي يُعَلِّمَ الشَّعبَ كَما جاءَ في أَسفارِ الحِكمَةِ "أَنا أُحِبُّ الَّذينَ يُحِبّونَني وَالمُبتَكِرونَ إِلَيَّ يَجِدونَني" (أَمثال 8: 17).
أَمَّا عِبارَةُ "الشَّعبُ": فَتُشيرُ إِلى جُموعٍ كَثيرَةٍ حَيثُ كانَتِ الحَرَكَةُ مُستَمِرَّةً وَمُتَزايدَةً مُنذُ الصَّباحِ الباكِرِ كَما يُؤَكِّدُ لُوقا الإِنجيليُّ "كانَ الشَّعبُ كُلُّهُ يَأتي إِلَيهِ بُكرَةً في الهَيكَلِ لِيَستَمِعَ إِلَيهِ" (لُوقا 21: 38).
أَمَّا عِبارَةُ "أَقبَلَ": فَيَحمِلُ استِمراريَّةَ الحُضورِ.
أَمَّا عِبارَةُ "الشَّعبُ كُلُّهُ": فَتُشيرُ عِبارَةُ "الشَّعبُ كُلُّهُ" إِلى جُموعٍ كَثيرَةٍ حَيثُ كانَتِ الحَرَكَةُ مُستَمِرَّةً وَمُتَزايدَةً مُنذُ الصَّباحِ المُبكِّرِ كَما وَرَدَ في إِنجيلِ لُوقا "وَكانَ الشَّعبُ كُلُّهُ يَأتي إِلَيهِ بُكرَةً في الهَيكَلِ لِيَستَمِعَ إِلَيهِ" (لُوقا 21: 38).
أَمَّا عِبارَةُ "جَلَسَ": فَتُشيرُ عِبارَةُ "جَلَسَ" إِلى جُلوسٍ كَمُعَلِّمٍ، إِذ كانَت هذِهِ عادَةُ المُعَلِّمينَ أَن يَجلِسوا لِأَنَّهُم كانُوا يُعَلِّمونَ لِساعاتٍ طَويلَةٍ (لُوقا 4: 20)، وَيُذَكِّرُنا هذَا المَشهَدُ بِموسى النَّبيِّ الَّذي كانَ يَجلِسُ في المُخَيَّمِ مِنَ الصَّباحِ حَتّى المَساءِ لِحَلِّ المَسائِلِ الَّتي كانَت تَنشَأُ بَينَ النَّاسِ (خُروج 18: 13) "إِنَّ الشَّعبَ يَأتي إِلَيَّ لِيَستَشيرَ الله"، (خُروج 18: 16) لِمَعرِفَةِ مَراسيمِهِ وَشَرائِعِهِ.
أَمَّا عِبارَةُ "الهَيكَلَ": فَتُشيرُ عِبارَةُ "الهَيكَلَ" إِلى البِناءِ الَّذي أَشادَهُ سُلَيمانُ الحَكيمُ بنُ داوُدَ لِأَداءِ فَرائِضِ العِبادَةِ اليَهودِيَّةِ للهِ.
وَقَد دَمَّرَهُ البابِلِيُّونَ سَنَةَ 581 ق.م. وَأَعادَ بِنائَهُ اليَهودُ بَعدَما رَجَعوا مِن بابِلَ بِقِيادَةِ زَرُبّابِلَ 520-516 ق.م. ثُمَّ وَسَّعَهُ هيرودُسُ الكَبيرُ سَنَةَ 20 ق.م.
وَكانَ في الهَيكَلِ قِسمانِ: قِسمٌ لا يَدخُلُهُ إِلّا الكَهَنَةُ وَيُقالُ لَهُ القُدسُ، وَفي القُدسِ مَكانٌ يُقالُ لَهُ قُدسُ الأَقداسِ لا يَدخُلُهُ إِلّا عَظيمُ الكَهَنَةِ مَرَّةً في السَّنَةِ؛ وَقِسمٌ آخَرُ يَدخُلُهُ اليَهودُ وَحدَهُم؛ وَكانَ في خارِجِ الهَيكَلِ عِدَّةُ أَروِقَةٍ يَحِقُّ لِجَميعِ النّاسِ حَتّى الوَثَنِيِّينَ الدُّخولُ إِلى بَعضِها.
فَقَد كانَ يَسوعُ يَذهَبُ إِلى الهَيكَلِ أَثناءَ النَّهارِ، وَفي اللَّيلِ كانَ يَذهَبُ إِلى جَبَلِ الزَّيتونِ.
وَكانَ السَّيِّدُ المَسيحُ يُعَلِّمُ في أُورُشَليمَ وَفي الهَيكَلِ يَومَ العيدِ الأَخيرِ كُلَّهُ، أَيِ اليَومَ الثّامِنَ مِن عيدِ المَظالِ.
الآيَةُ 3 "فَأَتاهُ الكَتَبَةُ وَالفِرِّيسيُّونَ بِامرَأَةٍ أُخِذَت في زِنًى. فَأَقاموها في وَسَطِ الحَلقَةِ".
أَمَّا عِبارَةُ "الكَتَبَةُ وَالفِرِّيسيُّونَ": فَتُشيرُ عِبارَةُ "الكَتَبَةُ وَالفِرِّيسيُّونَ" إِلى مُعَلِّمي الشَّعبِ الَّذينَ كانُوا يَقرَأونَ التَّوراةَ وَيُفَسِّرونَها وَيَنسَخونَها، وَكانَ تَعليمُهُم تَقليدِيًّا وَسُلطَتُهُم بَشَرِيَّةً.
وَالفِرِّيسيُّونَ هُم مَجموعةٌ "انفَصَلَت" عَنِ الشَّعبِ وَتَعَلَّقَت بِشَريعَةِ موسى بِحِفظِها بِدِقَّةٍ، كَما تَعَلَّقَت بِتَقليدِ الشُّيوخِ (مَتّى 15: 2).
وَأَمَّا الكَتَبَةُ فَهُم مُعَلِّمُو الشَّريعَةِ وَقَدِ اعتَنَوا بِدِراسَةِ الشَّريعَةِ وَالتَّقاليدِ لِكَي يُطَبِّقوها في حَياةِ الجَماعاتِ.
أَمَّا عِبارَةُ "بِامرَأَةٍ أُخِذَت في زِنًى": فَلا تُشيرُ عِبارَةُ "بِامرَأَةٍ أُخِذَت في زِنًى" إِلى اسمِ المَرأَةِ الزَّانِيَةِ لأَنَّها تُمَثِّلُنا جَميعًا، فَقِصَّتُها تَفتَحُ أَمامَ كُلِّ نَفسٍ بابَ الرَّحمَةِ الإِلٰهِيَّةِ.
أَمَّا عِبارَةُ "زِنًى": فِي الأَصلِ اليُونانِيِّ فَتُشيرُ إِلى كُلِّ اتِّصالٍ جِنسيٍّ غَيرِ شَرعِيٍّ. كَأَن يُضاجِعَ رَجُلٌ امرَأَةً غَيرَهُ، أَو فَتاةً مَخطوبَةً لِرَجُلٍ آخَرَ، أَو فَتاةً حُرَّةً غَيرَ مَخطوبَةٍ.
وَكانَ عِقابُ هذِهِ الخَطيئَةِ الرَّجمَ وَالمَوتَ (الأَحبار 20: 10 وَتَثنِيَةُ الاِشتِراعِ 22: 22-29).
أَمَّا عِبارَةُ "فَأَقاموها في وَسَطِ الحَلقَةِ": فَتُشيرُ عِبارَةُ "فَأَقاموها في وَسَطِ الحَلقَةِ" إِلى المَسافَةِ الَّتي يَضَعُها الكَتَبَةُ وَالفِرِّيسيُّونَ بَينَهُم وَبَينَ المَرأَةِ الزَّانِيَةِ، إِذ يَبتَعِدونَ عَنها، لأَنَّهُم يَشعُرونَ بِأَنَّهُم بَعيدونَ عَنِ الخَطيئَةِ وَعَنِ الشَّرِّ؛ كَما لَو كانَتِ الخَطيئَةُ تَخُصُّ هذِهِ المَرأَةَ وَحدَها، وَبِالتّالي يُعَرِّضونَها لِحُكمٍ وَدينونَةِ الجَميعِ.
لَكِن غَيرَتُهُم بِشَأنِ خَطايا الآخَرينَ كانَت مُجَرَّدَ سِتارٍ لِإِخفاءِ شَرِّهِم.
وَلَكِن هَل هُناكَ أَقسَى وَأَشَدُّ مِن وَضعِ هذِهِ المَرأَةِ الخاطِئَةِ "في وَسَطِ الحَلقَةِ" في الهَيكَلِ، لِتَعرِيضِها لِلنَّظَراتِ القاسِيَةِ مِنَ الجُموعِ؟
الآيَةُ 4 "وَقالوا لَهُ: يا مُعَلِّم، إِنَّ هذِهِ المَرأَةَ أُخِذَت في الزِّنى المَشهود".
أَمَّا عِبارَةُ "يا مُعَلِّم": تُشيرُ عِبارَةُ "يا مُعَلِّم" إِلى نِفاقٍ وَرِياءٍ الفِرِّيسِيِّينَ وَالكَتَبَةِ لأَنَّهُم دَعَوهُ في اليَومِ السّابِقِ مُضَلِّلًا (يُوحَنَّا 7: 47).
أَمَّا عِبارَةُ "إِنَّ هذِهِ المَرأَةَ أُخِذَت في الزِّنى المَشهود": فَتُشيرُ عِبارَةُ "إِنَّ هذِهِ المَرأَةَ أُخِذَت في الزِّنى المَشهود"؛ فَتُشيرُ إِلى الكَتَبَةِ وَالفِرِّيسِيِّينَ الَّذينَ لَم يَحتَرِموا المَرأَةَ، بَل أَذَلُّوها.
فَكانَ بِاستِطاعَتِهِم أَن يَحتَفِظوا بِها وَيَسأَلوا يَسوعَ بِشَأنِها دونَ أَن يُقَدِّموها أَمامَ الشَّعبِ.
وَبِالإِضافَةِ إِلى ذلِكَ تَطلُبُ الشَّريعَةُ أَن يُرجَمَ الرَّجُلُ وَالمَرأَةُ مَعًا وَلَيسَ فَقَطِ المَرأَةُ الزَّانِيَةُ "إِن أُخِذَ رَجُلٌ يُضاجِعُ امرَأَةً مُتَزَوِّجَةً، فَلْيَموتا كِلاهُما" (تَثنِيَة 22: 22).
أَينَ العَدلُ الإِلٰهِيُّ؟ "لا مُحاباةَ فيهِ"؟ (يَعقوب 3: 17).
أَمَّا عِبارَةُ "المَشهود": فِي الأَصلِ اليُونانِيِّ (مَعناها ذاتُ الفِعلِ) فَتُشيرُ إِلى الجُرمِ الَّذي ارتُكِبَ بِمَرأى النّاسِ.
الآيَةُ 5 "وَقَد أَوصانا موسى في الشَّريعَةِ بِرَجمِ أَمثالِها، فَأَنتَ ماذا تَقول؟"
تُشيرُ عِبارَةُ "أَوصانا موسى في الشَّريعَةِ بِرَجمِ" إِلى ما وَرَدَ في شَريعَةِ موسى "أَيُّ رَجُلٍ زَنى بِامرَأَةِ رَجُلٍ (الَّذي يَزني بِامرَأَةِ قَريبِهِ)، فَلْيُقتَلِ الزَّاني وَالزَّانِيَةُ" (الأَحبار 20: 10).
وَكانَت وَسيلَةُ الحُكمِ بِالمَوتِ في ذلِكَ الحينِ هِيَ الرَّجمُ.
أَظهَرَ الكَتَبَةُ وَالفِرِّيسيُّونَ بِتَصَرُّفِهِم هذَا أَنَّهُم غَيورونَ ضِدَّ الخَطيئَةِ، لَكِنَّهُم هُم أَنفُسُهُم لَيسوا مُتَحَرِّرينَ مِنها، كانُوا كَما قالَ لَهُم السَّيِّدُ المَسيحُ مَملوئينَ مِنَ الدّاخلِ نَجاسَةً (مَتّى 23: 27-28).
لَيتَنا لا نُلقي الحِجارَةَ عَلى إِخوَتِنا بَينَما نَحنُ أَنفُسُنا نَستَحِقُّ الرَّجمَ.
أَمَّا عِبارَةُ "بِرَجْمِ أَمثالِها": فَتُشيرُ عِبارَةُ "بِرَجْمِ أَمثالِها" إِلى التَّكَلُّمِ عَنها بِاحتِقارٍ بِحَيثُ لا تَستَحِقُّ الوُجودَ عَلَى الأَرضِ.
لِماذا لَدَينا الرَّغبَةُ الكَبيرةُ في رَجمِ الآخَرينَ؟
تَوَصَّلَ أَحَدُ الفَلاسِفَةِ إِلى القَولِ إِنَّ "الإِنسانَ هُوَ عِبارَةٌ عَن ذِئبٍ لِلإِنسانِ الآخَرِ".
لا يُريدُ الرَّبُّ أَن يَحمِلَ أَحَدٌ الحِجارَةَ في يَدَيهِ، لِأَنَّ الحِجارَةَ وَالبُغضَ وَالغَضَبَ تُشَوِّهُنا وَتُؤذينا.
أَمَّا عِبارَةُ "رَجم": فَتُشيرُ إِلى نِظامِ الرَّجمِ عِندَ اليَهودِ بِأَن تُربَطَ يَدا المُجرِمِ مِنَ الخَلفِ، وَهُوَ نِصفُ عارٍ، وَيُوضَعُ عَلى مَنصَّةٍ ارتِفاعُها ثَلاثَةُ أَمتارٍ، ثُمَّ يَدفعُهُ الشّاهِدانِ بِكُلِّ قُوَّةٍ، فَإِن ماتَ يَنتَهي الأَمرُ، أَمَّا إِذا لَم يَمُتْ يَحمِلُ أَحَدُ الشّاهِدَينِ حَجَرًا ضَخمًا وَيَضرِبُ بِهِ عَلى صَدرِهِ، وَغالِبًا ما تَكونُ الضَّربَةُ القاضِيَةُ.
وَعَلَيهِ فَإِنَّ الزَّانِيَةَ لا تَستَحِقُّ الوُجودَ عَلَى الأَرضِ، وَلا السُّكنى في بَيتٍ، بَل تُلقى في حُفرَةٍ وَتَنهالُ عَلَيها الحِجارَةُ.
وَهُنا فَقَدَ الكَتَبَةُ وَالفِرِّيسيُّونَ جَوهَرَ رِسالَتِهِم، وَهُوَ الدُّخولُ بِكُلِّ نَفسٍ لِكَي تَعرِفَ مَشيئَةَ اللهِ، وَتَتَمَتَّعَ بِالحُبِّ الإِلٰهِيِّ بَل تَمَسَّكوا في الحَرفِ القاتِلِ.
أَمَّا عِبارَةُ "فَأَنتَ ماذا تَقول؟": فَتُشيرُ إِلى سُؤالِ رِجالِ الدِّينِ الَّذينَ أَشاروا إِلى الجَريمَةِ وَحَدَّدوا العِقابَ في نَفسِ الوَقتِ.
قاموا بِدَورِ المُدَّعي وَالقاضِي في نَفسِ الوَقتِ، وَلَم يَترُكوا أَيَّةَ فُرصَةٍ لِلدِّفاعِ.
وَالأَسَفُ الشَّديدُ: ما يَزالُ هذَا المَشهَدُ ماثِلًا أَمامَنا حَتّى اليَومِ.
لا يَزالُ بَعضُ النّاسِ يُشيرونَ بِإِصبَعِ الاِتِّهامِ: هذَا كَذّابٌ، اِنبِذوهُ، هذَا مُنافِقٌ، اِحتَقِروهُ، هذَا كَسلانٌ، اِرفُضوهُ، هذَا حَرامي، اِسجِنوهُ، هذَا كافِرٌ، اِقتُلوهُ، هذَا زانٍ، اِجلِدوهُ، هذَا مُختَلِفٌ، دَمِّروهُ.
الآيَةُ 6 "وَإِنَّمَا قَالُوا ذَلِكَ لِيُحْرِجُوهُ فَيَجِدُوا مَا يَشْكُونَهُ بِهِ. فَانْحَنَى يَسُوعُ يَخُطُّ بِإِصْبَعِهِ فِي الْأَرْضِ".
بِمَاذَا تُشِيرُ عِبَارَةُ" لِيُحْرِجُوهُ" فِي الْأَصْلِ الْيُونَانِيِّ؟
(مَعْنَاهَا مُجَرِّبُونَ) إِلَى نَفْسِ اسْمِ إِبْلِيسَ الْمُجَرِّبِ (مَتَّى 4: 1-3).
إِنَّهُمْ يُرِيدُونَ إِيقَاعَ يَسُوعَ فِي وَرْطَةٍ. فَإِذَا أَفْتَى يَسُوعُ بِرَجْمِ الزَّانِيَةِ ثَارَ عَلَيْهِ الرُّومَانُ لِأَنَّ لَهُمُ الصَّلَاحِيَّةَ وَحْدَهَا إِنْزَالُ عُقُوبَةِ الْمَوْتِ (يُوحَنَّا 18: 31).
إِذًا أَيْنَ الرَّحْمَةُ الَّتِي يُنَادِي بِهَا؟
إِنَّهُ يُنَاقِضُ كَامِلَ رِسَالَتِهِ الَّتِي تَدْعُو إِلَى الْمَحَبَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ.
وَإِذَا أَفْتَى بِتَبْرِئَتِهَا ثَارَ عَلَيْهِ مُعَلِّمُو الشَّعْبِ، الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ، إِذْ يُخَالِفُ شَرِيعَةَ مُوسَى، وَيَفْتَحُ بَابًا لِلزِّنَى.
وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ "هَذِهِ الْكَلِمَاتُ وَالْآرَاءُ رُبَّمَا كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى إِشْعَالِ الْحَسَدِ ضِدَّ يَسُوعَ، وَإِثَارَةِ الِاتِّهَامَاتِ ضِدَّهُ، وَتَكُونَ سَبَبًا لِطَلَبِ إِدَانَتِهِ.
وَلَكِنْ هَذِهِ ضِدَّ مَنْ؟
لَقَدْ وَقَفَتِ الْحَمَاقَةُ ضِدَّ الِاسْتِقَامَةِ، وَالْبُطْلَانُ ضِدَّ الْحَقِّ، وَالْقَلْبُ الْفَاسِدُ ضِدَّ الْقَلْبِ الْمُسْتَقِيمِ، وَالْجَهَالَةُ ضِدَّ الْحِكْمَةِ".
أَمَّا عِبَارَةُ "انْحَنَى يَسُوعُ":
فَتُشِيرُ عِبَارَةُ "انْحَنَى يَسُوعُ" إِلَى حُزْنِهِ عَلَى مَا وَصَلَ إِلَيْهِ حَالُ الْإِنْسَانِ الَّذِي خَلَقَهُ حُرًّا؛ إِذْ صَارَ مُسْتَعْبَدًا فَالْمَرَأَةُ الزَّانِيَةُ مُسْتَعْبَدَةٌ لِشَهَوَاتِهَا وَالْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ مُسْتَعْبَدُونَ لِلْخَطِيئَةِ وَالْخُبْثِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "يَخُطُّ بِإِصْبَعِهِ فِي الْأَرْضِ":
فَتُشِيرُ عِبَارَةُ "يَخُطُّ بِإِصْبَعِهِ فِي الْأَرْضِ" إِلَى هَذَا الَّذِي سَبَقَ فَكَتَبَ الْوَصَايَا الْعَشْرَةَ بِإِصْبَعِهِ عَلَى حِجَارَةٍ، وَسَلَّمَهَا لِمُوسَى (خُرُوج 18: 31). رُبَّمَا قَامَ يَسُوعُ بِهَذَا الْعَمَلِ لِيَتَجَاهَلَ عَمْدًا سُؤَالَ الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ.
أمَّا عِبَارَةُ "ولا تَعودي بَعدَ الآنَ إِلى الخَطيئة" فَتُشيرُ عِبَارَةُ "ولا تَعودي بَعدَ الآنَ إِلى الخَطيئة" إِلى تَوْصِيَةِ يَسوعَ لِلمَرأَةِ بِأَنْ تَقطَعَ صِلَتَها بِماضيها المُظلِمِ، وَتَتوبَ، وَتَنظُرَ إِلى الأَمامِ، وَتَأخُذَ قَصْدًا لِمُستَقبَلِها بِأَنْ تَبدَأَ حَياةً جَديدةً وَأَلَّا تَعودَ إِلى الخَطيئةِ، وَأَمَّا إِذا عادَت إِلى خَطيئَتِها فَيَصدُقُ المَثَلُ القائِلُ: "عادَ الكَلْبُ إِلى قَيْئِهِ يَلحَسُه" أَو "ما اغتَسَلَتِ الخِنزيرَةُ حتَّى تَمَرَّغَت في الطِّين" (2 بُطرُس 2: 22). المَسيحُ هُنا لَم يَتَساهَلْ مَعَ الشَّرِّ، بَل هُوَ غَفَرَ مَعَ تَوْصِيَةٍ أَلَّا تُخطِئَ ثانِيَةً. فَالمَسيحُ لا يَقبَلُ الخَطيئةَ لَكِنَّهُ يَقبَلُ الخاطِئَ حينَ يَعودُ بِالتَّوبَةِ. لِقاءُ يَسوعَ مَعَ المَرأَةِ الزّانِيَةِ كانَ نُقطَةَ تَحوُّلٍ في حَياتِها بِفَضلِ نَظرَتِهِ الرَّحيمَةِ، وَبِالتَّالي مَغفِرَتِهِ المَجانِيَّةِ لَها.
فَتُشِيرُ عِبَارَةُ "يَخُطُّ بِإِصْبَعِهِ فِي الْأَرْضِ" إِلَى هَذَا الَّذِي سَبَقَ فَكَتَبَ الْوَصَايَا الْعَشْرَةَ بِإِصْبَعِهِ عَلَى حِجَارَةٍ، وَسَلَّمَهَا لِمُوسَى (خُرُوج 18: 31). رُبَّمَا قَامَ يَسُوعُ بِهَذَا الْعَمَلِ لِيَتَجَاهَلَ عَمْدًا سُؤَالَ الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ.
تَصَرَّفَ يَسُوعُ بِالتَّأْكِيدِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ سَمِعَ الْمُشْتَكُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ؛ أَوْ رُبَّمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ اسْتِسَاغَتِهِ لِمَا عُرِضَ عَلَيْهِ مِنْ مُهِمَّةٍ (يُوحَنَّا 3: 17، لُوقَا 9: 56، 12: 14).
أَوْ مُرَاعَاةً لِمَشَاعِرِ الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ، فَثَبَّتَ نَظَرَهُ عَلَى الْأَرْضِ وَلَيْسَ عَلَيْهَا. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ: "إِنْ سَأَلْتَ: مَاذَا كَتَبَ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ عَلَى الْأَرْضِ؟
أَجَبْتُكَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَدْ رَسَمَ شَيْئًا يُسَبِّبُ حَيَاءً وَخَجَلًا لِلْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ، وَتَبْكِيتًا لِخَطَايَاهُمْ".
رُبَّمَا كَتَبَ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ لِيَرَى كُلُّ وَاحِدٍ صُورَةَ نَفْسِهِ دُونَ أَنْ يَفْضَحَهُمْ أَمَامَ الْآخَرِينَ.
"وَلَمْ يَكْتُبْ يَسُوعُ عَلَى رُخَامٍ أَوْ نُحَاسٍ بَلْ عَلَى التُّرَابِ، لِأَنَّهُ كَتَبَ خَطَايَاهُمْ إِلَى لَحَظَاتٍ وَتَزُولُ، كَتَبَهَا عَلَى الْأَرْضِ فِي التُّرَابِ لِكَيْ تُدْفَنَ مَعَ التُّرَابِ وَتَنْتَهِي.
كَتَبَ فِي التُّرَابِ لِكَيْ يَحْكُمَ التُّرَابُ عَلَى التُّرَابِ " كَمَا يُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ.
الآيَةُ 7 "فَلَمَّا أَلَحُّوا عَلَيْهِ فِي السُّؤَالِ انْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ: مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلَا خَطِيئَةٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَرْمِيهَا بِحَجَرٍ"!
عِبَارَةُ "فَلَمَّا أَلَحُّوا عَلَيْهِ فِي السُّؤَالِ":
تُشِيرُ عِبَارَةُ "فَلَمَّا أَلَحُّوا عَلَيْهِ فِي السُّؤَالِ" إِلَى مَوْقِفِهِمُ الْمُلِحِّ، وَلَا يَسْتَسْلِمُونَ وَيَسْتَمِرُّونَ فِي التَّشْكِيكِ بِهِ عِنْدَمَا يَبْدُو أَنَّ يَسُوعَ لَا يُصْغِي إِلَيْهِمْ.
أَمَّا عِبَارَةُ "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلَا خَطِيئَةٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَرْمِيهَا بِحَجَرٍ":
فَتُشِيرُ عِبَارَةُ "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلَا خَطِيئَةٍ، فَلْيَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَرْمِيهَا بِحَجَرٍ" إِلَى دَعْوَةٍ لِلتَّفْكِيرِ وَالتَّدْبِيرِ، قَبْلَ الْحُكْمِ وَالتَّكْفِيرِ، وَدَعْوَةٍ لِفَحْصِ الذَّاتِ وَلِلتَّنَازُلِ عَنِ الْكِبْرِيَاءِ الرُّوحِيِّ.
نَقَلَ يَسُوعُ الْمُشْكِلَةَ مِنْ وَجْهَتِهَا الشَّرْعِيَّةِ وَجَابَهَهُمْ بِمَعْنَاهَا الْأَدَبِيِّ فِي حَيَاتِهِمْ؛ وَضَعَ يَسُوعُ كُلٌّ مِنْهُمْ أَمَامَ ضَعْفِهِ وَخَطِيئَتِهِ وَأَمَامَ مُشْكِلَةٍ مَنْ الَّذِي يُنَفِّذُهُ، مَنْ الَّذِي يَسْتَحِقُّ؟ وَمَوْقِفُهُ هَذَا لَا يَأْتِي لِلْهُرُوبِ مِنَ الْعَدَالَةِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَرِضْ عَلَى حُكْمِ الشَّرِيعَةِ، لِأَنَّهُ أَتَى لَا لِيُبْطِلَ الشَّرِيعَةَ بَلْ لِيُكَمِّلَ (مَتَّى 5: 17)، لَكِنَّهُ سَأَلَهُمْ عَمَّنْ يَتَأَهَّلُ لِلْبَدْءِ بِالرَّجْمِ.
فَمَنْ يُرِيدُ أَنْ يُنَفِّذَ الْقَانُونَ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْقَانُونِ، وَلَيْسَ مِنَ الْخَاطِئِينَ. وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ: "هَذَا هُوَ صَوْتُ الْعَدَالَةِ. لِتُعَاقَبِ الْخَاطِئَةُ، وَلَكِنْ لَيْسَ بِوَاسِطَةِ الْخُطَأَةِ. لِيُنَفَّذِ النَّامُوسُ لَكِنْ لَيْسَ بِكَاسِرِي النَّامُوسِ".
وَهُنَا يُذَكِّرُ يَسُوعُ الْكَتَبَةَ وَالْفَرِّيسِيِّينَ بِمَا تَقْضِيهِ الشَّرِيعَةُ (تَثْنِيَةُ الِاشْتِرَاعِ 17: 5-7) كَيْ يَتَجَنَّبَ الْفَخَّ الْمَنْصُوبَ لَهُ، أَوْ يُذَكِّرُهُمْ بِأَنَّهُمْ خَاطِئُونَ فَلَا يُدِينُوا لِئَلَّا يُدَانُوا (مَتَّى 7: 1-2).
وَمِنْ هُنَا نَقَلَ يَسُوعُ الْقَضِيَّةَ مِنِ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ خَاطِئَةٍ، إِلَى الْجَمْعِ كُلِّهِ بَدْءًا بِالْفَرِّيسِيِّينَ وَالْكَتَبَةِ الَّذِينَ أَرَادُوا أَنْ يُحْرِجُوهُ فَأَحْرَجَهُمْ.
وَكَأَنَّ يَسُوعَ يَقُولُ لَهُمْ "لِمَاذَا تَنْظُرُ إِلَى الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ؟ وَالْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ أَفَلَا تَأْبَهُوا لَهَا؟ (مَتَّى 7: 3) "لَمْ يَسْقُطِ السَّيِّدُ الْمَسِيحُ فِي الشِّبَاكِ الْمَنْصُوبَةِ لَهُ، بَلْ بِالْأَحْرَى سَقَطُوا هُمْ فِيهَا" كَمَا يَقُولُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ.
أَمَّا عِبَارَةُ "يَرْمِيهَا بِحَجَرٍ":
فَتُشِيرُ عِبَارَةُ "يَرْمِيهَا بِحَجَرٍ" إِلَى الرَّجْمِ، وَالْحَجَرُ هُوَ رَمْزٌ لِرَجْمِ الشَّرِّ.
الآيَةُ 8 "ثُمَّ انْحَنَى ثَانِيَةً يَخُطُّ فِي الْأَرْضِ
عِبَارَةُ "انْحَنَى ثَانِيَةً "
تُشِيرُ عِبَارَةُ "انْحَنَى ثَانِيَةً" إِلَى تِكْرَارِ الْعَمَلِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَصْمِيمِهِ عَلَى تَجَنُّبِ عَمَلِ الْحُكْمِ عَلَى الْمَرْأَةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "يَخُطُّ فِي الْأَرْضِ":
فَتُشِيرُ عِبَارَةُ "يَخُطُّ فِي الْأَرْضِ" إِلَى مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْمَخْطُوطَاتِ أَنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ عَلَى الْأَرْضِ خَطَايَاهُمْ.
وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ الْقِدِّيسُ إِيرُونِيمُوسُ: "إِنَّ يَسُوعَ دَوَّنَ خَطَايَا مُتَّهِمِيهَا عَلَى التُّرَابِ"، كَتَبَ فِي التُّرَابِ لِكَيْ يَحْكُمَ التُّرَابُ عَلَى التُّرَابِ، قَرَأَ كُلٌّ مِنْهُمْ فِيهَا خَطِيَّتَهُ الْخَفِيَّةِ.
أَمَّا يَسُوعُ مَا جِاءَ لِيَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لِيُخَلِّصَ الْعَالَمَ" (يُوحَنَّا 12: 47)، وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ يُوحَنَّا الذَّهَبِيُّ الْفَمِ: "يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَدْ رَسَمَ شَيْئًا يُسَبِّبُ حَيَاءً وَخَجَلًا لِلْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ، وَتَبْكِيتًا لِخَطَايَاهُمْ".
وَكَأَنَّهُ يَقُولُ لِلْفَرِّيسِيِّينَ "إِنْ كُنْتُمْ تُدِينُونَهَا، فَالْأَوْلَى أَنْ تُدِينُوا أَنْفُسَكُمْ أَيْضًا، وَإِنْ آثَرْتُمْ رَجْمَهَا فَبِالْأَوْلَى وَجَبَ رَجْمُكُمْ." وَعَلَيْهِ فَإِنَّ السَّيِّدَ الْمَسِيحَ أَنْقَذَ الْمَرْأَةَ الزَّانِيَةَ مِنَ الْمَوْتِ، وَلَمْ يُخَالِفِ النَّامُوسَ، لِأَنَّهُ عَادِلٌ وَرَحِيمًا.
إِحْدَى التَّرْجَمَاتِ الْقَدِيمَةِ تُضِيفُ إِلَى الْعَدَدِ الْمُتَكَرِّرِ الْكَلِمَاتِ" وَكَتَبَ عَلَى الْأَرْضِ خَطِيئَةَ كُلِّ وَاحِدٍ فِيهِمْ".
الآيَةُ 9 "فَلَمَّا سَمِعُوا هَذَا الْكَلَامَ، انْصَرَفُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ يَتَقَدَّمُهُمْ كِبَارُهُمْ سِنًّا. وَبَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ وَالْمَرْأَةُ فِي وَسَطِ الْحَلْقَةِ".
وَعِبَارَةُ "انْصَرَفُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ"
تُشِيرُ عِبَارَةُ "انْصَرَفُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ" إِلَى إِدْرَاكِ الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ أَنَّهُمْ كُلُّهُمْ خُطَأَةٌ عِنْدَ مُحَاسَبَةِ ضَمَائِرِهِمْ وَأَنَّهُمْ قَدْ دِينُوا فِي بَوَاعِثِ قُلُوبِهِمْ. انْسَحَبَ قُضَاةُ هَذِهِ الْمَرْأَةِ مِثْلَ قُضَاةِ سُوسَنَّةَ (دَانِيال 13: 1-64)، وَانْسَحَبَ الْجَمِيعُ إِذِ انْكَشَفُوا أَمَامَ الرَّبِّ.
أَمَّا عِبَارَةُ "يَتَقَدَّمُهُمْ كِبَارُهُمْ سِنًّا":
فَتُشِيرُ عِبَارَةُ "يَتَقَدَّمُهُمْ كِبَارُهُمْ سِنًّا" إِلَى انْسِحَابِ الشُّيُوخِ قَبْلَ الشَّبَابِ؛ وَبِالتَّأْكِيدِ إِنَّ الشُّيُوخَ كَانُوا أَكْثَرَ إِدْرَاكًا لِخَطَايَاهُمْ مِنَ الشَّبَابِ، بِسَبَبِ سِنَوَاتِ عُمْرِهِمُ الْأَكْثَرِ، أَوْ أَنَّهُمْ فَهِمُوا قُوَّةَ كَلَامِ السَّيِّدِ الْمَسِيحِ قَبْلَ غَيْرِهِمْ؛ وَتَعَلَّمُوا أَنَّهُمْ لَنْ يَكُونُوا قَادِرِينَ مِنَ الْآنِ فَصَاعِدًا عَلَى اتِّهَامِ أَيِّ شَخْصٍ دُونَ أَنْ يَتَذَكَّرُوا أَنَّهُمْ مُشَارِكُونَ فِي الشَّرِّ الَّذِي يَرَوْنَهُ فِي الْآخَرِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "بَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ":
فَتُشِيرُ عِبَارَةُ "بَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ" إِلَى يَسُوعَ وَحْدَهُ بِلَا خَطِيئَةٍ؛ وَيُعَلِّقُ الْقِدِّيسُ أُوغُسْطِينُوسُ: "بَقِيَ اثْنَانِ فِي السَّاحَةِ الْمَرْأَةُ الْبَائِسَةُ وَالرَّحْمَةُ اللَّامُتَنَاهِيَةُ". لَمْ يَبْقَ سِوَى الْمَسِيحِ الدَّيَّانِ وَحْدَهُ. وَلَكِنَّهُ فِي مَجِيئِهِ الْأَوَّلِ لَمْ يَأْتِ لِيَدِينَ بَلْ لِيُكَفِّرَ عَنْ خَطَايَا الْبَشَرِ بِدَمِهِ.
الآيَةُ 10 "فَانْتَصَبَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: "أَيْنَ هُمْ، أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ؟ أَلَمْ يَحْكُمْ عَلَيْكِ أَحَدٌ؟
وَعِبَارَةُ "أَيْنَ هُمْ":
تُشِيرُ عِبَارَةُ "أَيْنَ هُمْ" إِلَى سُؤَالٍ عَنِ الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ الَّذِينَ كَانُوا يَشْكُونَ الْمَرْأَةَ الزَّانِيَةَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَبْرِئَتِهَا. وَبِانْسِحَابِ الْمُدَّعِينَ وَالشُّهُودِ سَقَطَتِ الْقَضِيَّةُ وَبَقِيَتِ الْمَرْأَةُ وَلَمْ تَنْسَحِبْ وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى بَدَايَةِ مَشَاعِرِ التَّوْبَةِ وَالِانْسِحَاقِ عِنْدَهَا.
أَمَّا عِبَارَةُ "أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ":
فَتُشِيرُ عِبَارَةُ "أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ" إِلَى مُخَاطَبَةِ يَسُوعَ لِلْمَرْأَةِ ا بِكُلِّ احْتِرَامٍ لِإِنْسَانِيَّتِهَا وَمَشَاعِرِهَا وَكَرَامَتِهَا. وَلَمْ يَقُلْ يَا زَانِيَةُ أَوْ يَا سَاقِطَةُ أَوْ يَا نَجِسَةُ. خَاطَبَهَا بِلُغَةِ الْمَحَبَّةِ السَّمَاوِيَّةِ الْحَرِيصَةِ عَلَى خَلَاصِ النَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "أَلَمْ يَحْكُمْ عَلَيْكِ أَحَدٌ؟":
فَتُشِيرُ عِبَارَةُ "أَلَمْ يَحْكُمْ عَلَيْكِ أَحَدٌ؟" إِلَى عَدَمِ جُرْأَةِ الْخُطَأَةِ أَنْ يَحْكُمُوا عَلَى الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ. بَقِيَ يَسُوعُ، الْقُدُّوسُ الْبَارُّ، صَاحِبُ الرَّحْمَةِ أَمَامَ الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ، الَّتِي عَاشَتِ الْخَطِيئَةَ وَالشَّقَاءَ. بَقِيَتِ الْمَرْأَةُ الزَّانِيَةُ وَحْدَهَا تَقِفُ أَمَامَ دَيَّانِ الْعَالَمِ كُلِّهِ الَّذِي مَا جَاءَ لِيَدِينَ بَلْ لِيُخَلِّصَ.
الآيَةُ 11 "فَقَالَتْ: ((لَا، يَا رَبّ)). فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: "وَأَنَا لَا أَحْكُمُ عَلَيْكِ. اذْهَبِي وَلَا تَعُودِي بَعْدَ الْآنَ إِلَى الْخَطِيئَةِ".
أَمَّا عِبَارَةُ "لَا، يَا رَبّ":
تُشِيرُ عِبَارَةُ "لَا، يَا رَبّ" إِلَى جَوَابٍ بِلَا تَلَعْثُمٍ أَوْ بُكَاءٍ، بَلْ بِلَهْجَةِ الْوَاثِقِ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى تَغْيِيرٍ عَظِيمٍ فِي حَيَاتِهَا. اعْتَرَفَتْ بِيَسُوعَ أَنَّهُ رَبّ، وَعَرَفَتْ أَنَّهَا تَحَرَّرَتْ وَتَخَلَّصَتْ مِنْ مُتَّهِمِيهَا وَطَالِبِي قَتْلِهَا.. أَمَّا عِبَارَةُ "أَنَا لَا أَحْكُمُ عَلَيْكِ. اذْهَبِي وَلَا تَعُودِي بَعْدَ الْآنَ إِلَى الْخَطِيئَةِ" فَتُشِيرُ إِلَى رَحْمَةِ يَسُوعِ إِلَهِ الرَّحْمَةِ الَّذِي لَمْ يَحْكُمْ عَلَى الزَّانِيَةِ، لِأَنَّ الرَّبَّ لَا يُرِيدُ أَنْ الْمَوْتَ لِلْخَاطِئِ، "بَلْ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ طَرِيقِهِ فَيَحْيَا" (رَاجِعْ حِزْقِيَال 33، 11)، حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهَا أَيَّ شَيْءٍ عَنْ خَطِيئَتِهَا، وَعَنْ مَاذَا اقْتَرَفَتْ. وَلَمْ يُوَبِّخْهَا وَلَا يَنْظُرُ إِلَى مَاضِيهَا بَلْ حَرَّرَهَا مِنْ قُيُودِ حُكَّامِهَا الْمُنَافِقِينَ الْخَاطِئِينَ؛ وَقَدْ غَفَرَ لَهَا إِظْهَارًا لِرَحْمَةِ اللَّهِ الْوَاسِعَةِ لِلْخَاطِئِينَ. وَدَعَاهَا يَسُوعُ أَنْ تَقْبَلَ الْغُفْرَانَ لِذَاتِهَا فَفَتَحَ لَهَا أَبْوَابَ الرَّجَاءِ أَمَامَهَا فَنَالَتِ الْخَلَاصَ وَالْغُفْرَانَ وَدَعَاهَا أَنْ لَا تُخْطِئَ بَعْدُ. لَمْ يَأْتِ يَسُوعُ لِيَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لِيُخَلِّصَهُ كَمَا حَدَثَ مَعَ الْمَرْأَةِ الْخَاطِئَةِ (لُوقَا 7: 36-50).
لَمْ يُنْهِ يَسُوعُ عَنْ تَقْيِيمٍ بِمَوْضُوعِيَّةٍ، بَلْ يُنْهِي عَنِ الْحُكْمِ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ، فَيَنْسِبُ إِلَى نَفْسِهِ السُّلْطَانَ الْخَاصَّ بِاللَّهِ الدَّيَّانِ وَحْدَهُ "السَّمَاوَاتُ تُخْبِرُ بِعَدْلِهِ لِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّيَّانُ" (مَزْمُور 50: 6). وَظَهَرَ يَسُوعُ لِيَدِينَ الْخَطِيئَةَ لَكِنَّهُ يُرِيدُ خَلَاصَ الْخُطَأَةِ. إِنَّهُ لَا يَسْتَخِفُّ بِالْخَطِيئَةِ أَوْ يَتَجَاوَزُ عَنْهَا بِأَيِّ شَكْلٍ، لِأَنَّ بِرَّ اللَّهِ يَدِينُ الْخَطِيئَةَ.
وَالدَّرْسُ الَّذِي عَلَّمَهُ لِلْيَهُودِ هُوَ أَنَّ الْبَشَرَ لَيْسُوا الْمُنَفِّذِينَ لِعِقَابِ اللَّهِ. إِنَّ الْحَقَّ الْكَائِنَ فِي الْمَسِيحِ وَبَّخَ الْكَذِبَ فِي الْكَتَبَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ، وَالطَّهَارَةُ الْكَائِنَةُ فِيهِ أَدَانَتِ الشَّهْوَةَ الْكَائِنَةَ فِي الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "اذْهَبِي":
فَتُشِيرُ عِبَارَةُ "اذْهَبِي" إِلَى مَنْحِ يَسُوعَ الْمَرْأَةَ بَرَكَةً وَسَلَامًا مَعَ غُفْرَانٍ وَقُوَّةٍ تَرْفُضُ بِهَا الْخَطِيئَةَ وَتَخْتَبِرُ مَعْنًى جَدِيدًا لِلْفَرَحِ وَنُورِهِ. جَاءَ يَسُوعُ لِيُعْطِيَ النَّاسَ فُرْصَةً جَدِيدَةً فِي الْحَيَاةِ.
أَمَّا عِبَارَةُ "وَلَا تَعُودِي بَعْدَ الْآنَ إِلَى الْخَطِيئَةِ":
فَتُشِيرُ عِبَارَةُ "وَلَا تَعُودِي بَعْدَ الْآنَ إِلَى الْخَطِيئَةِ" إِلَى تَوْصِيَةِ يَسُوعَ لِلْمَرْأَةِ بِأَنْ تَقْطَعَ صِلَتَهَا بِمَاضِيهَا الْمُظْلِمِ وَتَتُوبَ وَتَنْظُرَ إِلَى الْأَمَامِ، وَتَأْخُذَ قَصْدًا لِمُسْتَقْبَلِهَا بِأَنْ تَبْدَأَ حَيَاةً جَدِيدَةً وَأَنْ لَا تَعُودَ
إِلَى الْخَطِيئَةِ، وَأَمَّا إِذَا عَادَتْ إِلَى خَطِيئَتِهَا فَيَصْدُقُ الْمَثَلُ الْقَائِلُ: "عَادَ الْكَلْبُ إِلَى قَيْئِهِ يَلْحَسُهُ " أَوْ "مَا اغْتَسَلَتِ الْخِنْزِيرَةُ حَتَّى تَمَرَّغَتْ فِي الطِّينِ" (2 بُطْرُس 2: 22). الْمَسِيحُ هُنَا لَمْ يَتَسَاهَلْ مَعَ الشَّرِّ بَلْ هُوَ غَفَرَ مَعَ تَوْصِيَةٍ أَلَّا تَخْطِئَ ثَانِيَةً.
فَالْمَسِيحُ لَا يَقْبَلُ الْخَطِيئَةَ لَكِنَّهُ يَقْبَلُ الْخَاطِئَ حِينَ يَعُودُ بِالتَّوْبَةِ. لِقَاءُ يَسُوعَ مَعَ الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ كَانَ نُقْطَةَ تَحَوُّلٍ فِي حَيَاتِهَا بِفَضْلِ نَظْرَتِهِ الرَّحِيمَةِ وَبِالتَّالِي مَغْفِرَتِهِ الْمَجَّانِيَّةِ لَهَا.
وَالْمَقَالُ الْقَادِمُ: تَطْبِيقَاتُ النَّصِّ الإِنْجِيلِيِّ (يُوحَنَّا 8: 1-11).
✍️
الأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ طُوسْ...





