بقلم / هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض 
تشكل مشروعات قوانين الأحوال الشخصية إحدى أخطر البنى التشريعية التي تمس كيان الأسرة واستقرار المجتمع، ومن ثمّ فإن أي نصوص تتضمنها يجب أن تأتي منضبطة بضوابط الدستور، متسقة مع المبادئ العامة للنظام القانوني، بعيدة عن التمييز أو التعسف أو التضييق غير المبرر على الحقوق والحريات.
 
وفي هذا الإطار، يثير مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين في مصر  العديد من الاشكاليات منها على سبيل المثال على الحصر إشكاليتين جوهريتين تستوجبان التوقف والتحليل، وهما: اشتراط وحدة الطائفة في الزواج، ورفع سن الأهلية القانونية للزواج إلى 21 سنة.
 
أولاً: اشتراط أن يكون الزواج بين نفس الطائفة المسيحية.
هناك أوجه قصور ومخالفات دستورية عديدة في النص المقترح بمشروع القانون الذي يشترط أن يكون الزواج بين طرفين من نفس الطائفة المسيحية يثير عدة إشكاليات دستورية، أبرزها:
 
1- مخالفة المادة 3 من دستور 2014: نصت على أن "مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية". 

هذا النص يحمل عدة دلالات حاسمة:
أ- إطلاق لفظ “المسيحيين” دون تقييد
المشرع الدستوري الذي استخدم لفظ “المسيحيين” مطلقاً، ولم يقرنه بأي قيد طائفي أو مذهبي.
 
ومن المستقر في أصول التفسير:
“المطلق يجري على إطلاقه ما لم يرد ما يقيده”وبالتالي: لا يجوز للمشرع العادي أن يُدخل قيداً لم يأتِ به الدستور لأن ذلك يُعد تقييداً لإرادة المشرع الدستوري.
 
ب- وحدة المصدر التشريعي
النص يتحدث عن “مبادئ شرائع المسيحيين” كمصدر، وليس “شرائع كل طائفة على حدة”.
 
وهذا يعكس اتجاهاً نحو: وحدة الإطار العام وليس التقسيم الطائفي المغلق
 
واشتراط اتحاد الطائفة: يُعد تخصيصاً للنص العام دون سند ويشكل افتئاتاً على الإطلاق الدستوري.
 
2- مخالفة مبدأ المساواة وعدم التمييز. ينص الدستور المصري في مادته (53) على أن: “المواطنون لدى القانون سواء، وهم متساوون في الحقوق والحريات والواجبات العامة، لا تمييز بينهم…”
 
من ثم، فإن التفرقة بين المواطنين المسيحيين على أساس الانتماء الطائفي في مسألة جوهرية كحق الزواج، تمثل تمييزاً غير مبرر يفتقر إلى أساس موضوعي أو ضرورة اجتماعية ملحة، خاصة وأن جميعهم يندرجون تحت ذات الديانة.
 
3- مخالفة حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر إن المادة (64) من الدستور تكفل حرية الاعتقاد، ومن لوازم هذه الحرية عدم فرض قيود طائفية داخل الدين الواحد تقيد حق الأفراد في تكوين أسرة.
 
4- مخالفة المادة 92 من الدستور: "الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلاً ولا انتقاصاً".
 
الزواج حق طبيعي وأصيل، ويعد من الحقوق اللصيقة بالشخصية، وتقييده باتحاد الطائفة انتقاص منه بغير سند دستوري .
 
وقد استقر الفقه الدستوري على أن القيود التي ترد عليه يجب أن تكون ضرورية ومتناسبة، وهو ما لا يتوافر في هذا الشرط.
 
5- مخالفة الاتجاه القضائي المستقر
استقر القضاء المصري على عدم التوسع في القيود التي تعطل إتمام الزواج متى توافرت أركانه الجوهرية، خاصة إذا كانت القيود ذات طبيعة تنظيمية وليست جوهرية.
 
وفي تقديري اشتراط وحدة الطائفة يمثل قيداً غير دستوري، لأنه:
١- يقوم على تمييز غير مشروع
٢- لا يحقق مصلحة عامة حقيقية.
٣- يقيد حقاً أساسياً دون ضرورة.
إن اشتراط اتحاد الطائفة في زواج المسيحيين – حال الأخذ به – يعد: مخالفة مباشرة للمادة (3) من الدستور (تقييد المطلق)
وانتقاصاً من حق لصيق بالمواطن بالمخالفة للمادة (92).
وقيداً غير مبرر يفتقر إلى الضرورة والتناسب.
ومن ثم، فإنه نص مرجح القضاء بعدم دستوريته إذا ما عُرض على المحكمة الدستورية العليا.
واقترح النص البديل لهذه المادة
 
مادة مقترحة:
“يصح زواج المسيحيين متى كان الطرفان متحدين في الديانة المسيحية، دون اشتراط الانتماء إلى ذات الطائفة أو المذهب، مع مراعاة تنظيم الكنائس لشؤونها الدينية الداخلية.”
 
هذا النص: ١- يحقق التوازن بين الدستور واحترام التنظيم الكنسي
 
٢- يمنع التمييز الطائفي.
 
٢-يحافظ على وحدة الإطار الديني دون تعسف.
 
 
ثانياً: عدم دستورية رفع سن الزواج إلى 21 سنة.
يثير النص المقترح القاضي بعدم جواز توثيق عقد الزواج لمن لم يبلغ إحدى وعشرين سنة ميلادية إشكالية دستورية وقانونية مركبة، لتعارضه مع البناء التشريعي العام للدولة، ومساسه بحق أصيل دون سند من ضرورة أو تناسب.
 
أولاً: المخالفة الدستورية
يخالف هذا التوجه نصوصاً دستورية حاكمة، على نحو يكشف عن انحراف في معيار تنظيم الحق:
١- إن المادة (80) من الدستور حددت صراحة سن الطفولة بثماني عشرة سنة، وهو تحديد ذو دلالة قاطعة؛ إذ يفيد بمفهوم المخالفة أن من بلغ هذه السن قد خرج من وصف الطفولة، وأضحى أهلاً لتحمل تبعات أفعاله في المجالات المختلفة.
 
ومن ثم، فإن حرمانه من الزواج حتى سن 21 ينطوي على إعادة إدخاله ضمنياً في نطاق عدم الأهلية، بالمخالفة للتحديد الدستوري
 
٢- المادة (10) من الدستور ألزمت الدولة بحماية الأسرة والحفاظ على تماسكها. ومنع فئة عمرية كاملة (18–21) من الزواج رغم اكتمال أهليتها الواقعية والقانونية، يؤدي عملياً إلى نتائج عكسية، ويُضعف الإطار الشرعي لتكوين الأسرة.
 
ثانياً: المخالفة القانونية والإخلال بوحدة التشريع.
النص المقترح بمشروع القانون لا يقف عند حد التعارض الدستوري، بل يصطدم صراحة بالقوانين النافذة:
 
أ- تنص المادة 31 مكرراً من قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 المعدل بالقانون 126 لسنة 2008 قررت حداً أدنى موحداً للزواج عند 18 سنة، وهو نص آمر متعلق بالنظام العام، يسري على جميع المصريين دون استثناء. ولا يجوز لقانون لاحق أو خاص أن ينتقص منه دون مبرر أقوى، وهو غير متحقق هنا.
 
ب- قانون العقوبات (المادة 227) جرّم زواج من لم يبلغ 18 سنة، بما يفيد بمفهوم المخالفة إباحة الزواج لمن بلغها. ومن ثم، فإن تجريم أو منع الزواج بعد هذه السن يُعد مصادمة صريحة للسياسة الجنائية القائمة.
 
ج- القانون المدني (المادة 44/2) وإن حدد سن الرشد الكامل في التصرفات المالية بواحد وعشرين عاماً، إلا أن المشرع ذاته ميّز بين أنواع الأهلية، وأفرد للزواج تنظيماً خاصاً بسن 18، بما يؤكد أن الأهلية للزواج ليست مرهونة ببلوغ سن الرشد المالي.
 
هذا التعارض بين القوانين يؤدي إلى ازدواجية تشريعية تُربك التطبيق القضائي، وتهدر مبدأ الأمن القانوني، وهو من المبادئ المستقرة في الفقه الدستوري.
 
ثالثاً: انعدام المبرر الموضوعي واختلال معيار التناسب.
الأصل أن القيود التي ترد على الحقوق يجب أن تقوم على ضرورة حقيقية وأن تكون متناسبة مع الغاية منها. وهو ما لا يتوافر في النص محل النقد، للأسباب الآتية:
لا يستند رفع السن إلى ضرورة طبية أو اجتماعية أو دينية مستقرة.
 
يخالف التطور التشريعي المصري الذي استقر على اعتبار 18 سنة حداً أدنى كافياً للحماية.
 
يتجاوز فكرة الحماية إلى المنع المطلق، وهو أشد صور التقييد.
 
ومن ثم، فإن النص يفشل في اجتياز اختبار التناسب بثلاثة عناصره:
1. الملاءمة: غير متحققة لغياب دليل على تحقيق مصلحة فعلية.
 
2. الضرورة: منتفية لوجود وسائل أقل تقييداً.
 
3. التناسب: مختل لثقل القيد مقارنة بالحق محل التنظيم.
 
رابعاً: الآثار العملية السلبية
التطبيق العملي لهذا النص يُفضي إلى نتائج عكسية، منها:
 
- انتشار الزواج غير الموثق للفئة العمرية من 18 إلى 21 .
 
- ضياع الحقوق القانونية للزوجة والأطفال.
 
-  التحايل على القانون بوسائل غير مشروعة.
 
- خلق منازعات قضائية حول صحة العلاقات القانونية.
 
وهو ما يتناقض مع الغاية الأساسية للتشريع، وهي تحقيق الاستقرار الأسري.
 
يتبين مما تقدم أن رفع سن الزواج إلى 21 سنة: يخالف نصوصاً دستورية صريحة ، ويصادم قوانين نافذة متعلقة بالنظام العام. ويخل بمبدأ وحدة التشريع والأمن القانوني ويفرض قيداً غير مبرر على حق أصيل.
 
ومن ثم، فهو نص مرجّح القضاء بعدم دستوريته حال عرضه على المحكمة المختصة.
 
والنص البديل المقترح منا
مادة مقترحة:
“لا يجوز توثيق عقد الزواج لمن لم يبلغ من الجنسين ثماني عشرة سنة ميلادية كاملة، ويُعتد في حساب السن بالتقويم الميلادي.
 
ويقع باطلاً كل زواج يتم بالمخالفة لأحكام هذه المادة، وذلك مع عدم الإخلال بأحكام قانون الطفل.”
 
إن تنظيم سن الزواج يجب يظل في إطار الحد الأدنى للحماية دون التحول إلى قيد مانع.
 
وقد استقر المشرع المصري – دستوراً وقانوناً – على أن سن 18 يمثل الحد الفاصل بين الطفولة والأهلية، وأي انحراف عن هذا الإطار دون ضرورة معتبرة يُعد إخلالاً بالبناء الدستوري ذاته، وليس مجرد خيار تشريعي جائز.
 
ونري إن ضبط تشريعات الأحوال الشخصية يجب أن يقوم على معادلة دقيقة بين: احترام الخصوصية الدينية والالتزام بالمبادئ الدستورية.
 
وأي انحراف عن هذه المعادلة يهدد بخلق نصوص قابلة للطعن بعدم الدستورية، ويضعف من استقرار النظام القانوني.
 
فالتشريع الرشيد ليس مجرد تعبير عن توجه اجتماعي أو ديني، بل هو صناعة قانونية منضبطة تقوم على: المشروعية
و التناسب والاتساق.
 
وهو ما يستوجب إعادة النظر في هذه النصوص لضمان توافقها مع الدستور وروح القانون.
 
لما كان مشروع القانون يتعلق بمسائل الأحوال الشخصية التي تمثل ركيزة النظام الاجتماعي، فإن طرحه للحوار المجتمعي قبل إقراره يضمن تكامل الرؤى القانونية والشرعية والاجتماعية، ويحقق الغاية من التشريع في تنظيم شؤون المواطنين بما يلائم واقعهم.