بقلم: هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
لم يعد الجدل حول مدى إلزامية قواعد الأحوال الشخصية للمصريين المسيحيين ترفًا فقهيًا أو خلافًا نظريًا، بل بات مسألة عملية تمس استقرار الأسرة، ووحدة النظام القانوني، وهيبة القضاء. وقد كشفت التطبيقات القضائية عن محاولات للالتفاف على هذه القواعد عبر اتفاقات خاصة أو من خلال التحايل الإجرائي، بما يفرغ النصوص من مضمونها ويهدد الغاية التي شرعت من أجلها. ومن ثم تبرز الحاجة الملحة إلى تأصيل قانوني صريح يقرر أن هذه القواعد تُعد من قبيل النظام العام، بما لا يجوز الاتفاق على مخالفتها أو التحايل للنفاذ من أحكامها.
حيث يقوم هذا الاتجاه على دعائم دستورية راسخة لإضفاء صفة النظام العام، في مقدمتها:-
أولاً: المادة (2) من الدستور المصري: التي تقرر أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. وهي قاعدة عامة تحكم المنظومة التشريعية، مع السماح بتنظيم خصوصيات الطوائف غير المسلمة في مسائل أحوالها الشخصية.
ثانياً: المادة (3) من الدستور: التي نصت صراحة على أن “مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين واليهود هي المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية…”.
وهذا النص لا يمنح مجرد رخصة، بل يقرر التزامًا تشريعيًا باحترام الخصوصية الدينية في إطار الدولة القانونية.
ثالثاً: مبدأ سيادة القانون (المادة 94): من الدستور الذي يفرض خضوع الجميع—أفرادًا وسلطات—للقانون، ويمنع تعطيل أحكامه باتفاقات خاصة.
ومن جماع هذه النصوص، يتضح أن المشرّع الدستوري لم يكتفِ بالاعتراف بالتعددية الدينية، بل ألزم الدولة بحمايتها تشريعيًا وقضائيًا، وهو ما يقتضي بالضرورة تحصين هذه القواعد بطبيعتها الآمرة.
الأصل في قواعد الأحوال الشخصية أنها تتصل اتصالًا وثيقًا بالنظام الاجتماعي والأخلاقي للمجتمع، ومن ثم تُعد في غالبها قواعد آمرة لا يجوز الاتفاق على مخالفتها.
وهذا ما استقر عليه الفقه والقضاء، إذ تُعد مسائل الزواج والطلاق والنسب من صميم النظام العام، لما لها من تأثير مباشر على كيان الأسرة واستقرار المجتمع.
وبالنسبة للمصريين المسيحيين، فإن قواعد الأحوال الشخصية لا تستمد إلزامها فقط من القانون الوضعي، بل أيضًا من المرجعية الدينية التي أقرها الدستور ذاته، مما يضفي عليها قوة مضاعفة تستوجب الحماية من أي تحايل أو التفاف.
وقد يتساءل الكثيرون ما هي مخاطر إغفال النص الصريح على اعتبار هذه القواعد من النظام العام؟.
إن غياب النص الصريح على اعتبار هذه القواعد من النظام العام أفرز عدة إشكاليات، منها:
1. التحايل الإجرائي: كاختيار تطبيق قانون آخر أو تغيير الملة أو الطائفة صوريًا.
2. الاتفاقات الخاصة: التي تحاول تجاوز القيود الموضوعية (كأسباب الطلاق).
3. تضارب الأحكام القضائية: نتيجة اختلاف التكييف القانوني لطبيعة هذه القواعد.
وهو ما يؤدي في النهاية إلى زعزعة الثقة في النظام القانوني، وخلق حالة من عدم الاستقرار الأسري.
واستقر قضاء محكمة النقض المصرية على أن قواعد الأحوال الشخصية—بوجه عام—تتعلق بالنظام العام متى تعلقت بأسس الأسرة. كما أكدت أن الاتفاقات المخالفة للنظام العام تقع باطلة بطلانًا مطلقًا.
ومن ثم، فإن القياس يقتضي أن تمتد هذه الحماية إلى قواعد الأحوال الشخصية للمسيحيين، خاصة في ظل النص الدستوري الصريح الذي يجعلها المصدر الرئيسي للتشريع في هذا المجال.
على الرغم من إمكانية استخلاص هذه النتيجة من المبادئ العامة، إلا أن الواقع العملي يثبت أن النص الصريح يظل أكثر فاعلية في حسم النزاع، وغلق أبواب التحايل.
فالتشريع الواضح يحقق: توحيد التطبيق القضائي ، تقليل المنازعات
وتعزيز الاستقرار الأسري واحترام الخصوصية الدينية في إطار الدولة المدنية.
واقترح نص تشريعي جديد نضعه أمام مجلس النواب الموقر لإقراره ضمن مشروع قانون الأحوال الشخصية.
مادة مستحدثة (…):
“تُعد قواعد الأحوال الشخصية الخاصة بالمصريين المسيحيين، المستمدة من شرائعهم الدينية والمعمول بها قانونًا، من النظام العام.
ويقع باطلًا بطلانًا مطلقًا كل اتفاق أو تصرف أو إجراء يقصد به مخالفة هذه القواعد أو التحايل عليها أو تعطيل أحكامها، ولو تم ذلك باتفاق الأطراف أو برضاهم.
وتلتزم المحاكم بإعمال هذه القواعد من تلقاء نفسها، ولها أن تقضي بالبطلان في أي حالة تكون عليها الدعوى.”
وفي تقديري إن إدراج قواعد الأحوال الشخصية للمسيحيين ضمن النظام العام ليس تقييدًا للحرية، بل هو ضمانة لحماية كيان الأسرة ومنع العبث بأسسها. كما أنه ترجمة حقيقية لاحترام الدستور للتعددية الدينية، دون أن يسمح بتحويلها إلى أداة للتحايل أو التهرب من الأحكام القانونية.
فالدولة التي تحترم تنوعها الديني، هي ذاتها التي تضع لهذا التنوع إطارًا قانونيًا ملزمًا، يحقق التوازن بين الحرية والنظام، وبين الخصوصية والوحدة، وهو ما لا يتحقق إلا بنص واضح، حاسم، وقاطع في دلالته.





