الأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ...
الغَيْرَةُ: الجُزْءُ الحَادِي عَشَرَ وَالجُزْءُ الثَّانِي عَشَرَ وَالأَخِيرُ
أَحَدَ عَشَرَ ـ نَصَائِحُ لِلقَضَاءِ عَلَى الغَيْرَةِ:
يَوجَدُ العَدِيدُ مِنَ النَّصَائِحِ الَّتِي يُمْكِنُ اتِّبَاعُهَا لِلقَضَاءِ عَلَى مَشَاعِرِ الغَيْرَةِ، وَمِنْهَا مَا يَأْتِي:
1 ـ يَجِبُ الثِّقَةُ فِي شَرِيكِ الحَيَاةِ، وَالثِّقَةُ تَأْتِي مِنَ الثِّقَةِ بِالنَّفْسِ.
2 ـ الاِعْتِرَافُ بِأَنَّ مَا أَفْعَلُهُ مَعَ شَرِيكِ الحَيَاةِ هُوَ شُعُورٌ بِالنَّقْصِ، أَوْ هِيَ عَمَلِيَّةُ حُكْمٍ وَإِسْقَاطٌ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ دَاخِلِيٌّ، وَمَا مَرَرْتُ بِهِ وَعِشْتُهُ مِنْ خِبْرَاتٍ سَلْبِيَّةٍ.
3 ـ الاِعْتِرَافُ بِمَشَاعِرِ الغَيْرَةِ، بِحَيْثُ يَعْتَرِفُ الشَّخْصُ لِنَفْسِهِ بِأَنَّهُ غَيُورٌ، مِمَّا يُقَلِّلُ مِنْ سَطْوَةِ الغَيْرَةِ عَلَيْهِ، ثُمَّ الإِقْرَارُ بِأَنَّهَا لَمْ تَعُدْ تُعِيبُهُ، وَأَنَّهَا سَتَدْفَعُهُ لِلتَّعَلُّمِ وَبَذْلِ جُهْدِهِ.
4 ـ التَّعَلُّمُ مِنَ الغَيْرَةِ، حَيْثُ إِنَّهَا تُسَاعِدُ عَلَى إِلْهَامِ الشَّخْصِ لِمَا يُحِبُّ القِيَامَ بِهِ، مِثْلَ الغَيْرَةِ مِنْ صَدِيقٍ يَعْزِفُ عَلَى الكَمَانِ، فَعِنْدَهَا يُمْكِنُ أَخْذُ دُرُوسٍ بِالعَزْفِ عَلَى الكَمَانِ.
5 ـ التَّحَدُّثُ مَعَ النَّفْسِ، وَيُخْبِرُ الشَّخْصُ نَفْسَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَاجَةٍ إِلَى الغَيْرَةِ، وَأَنَّهُ تَخَلَّى عَنْهَا.
6 ـ تَهْدِئَةُ النَّفْسِ عِنْدَ الشُّعُورِ بِمَشَاعِرِ الغَيْرَةِ الجَارِفَةِ، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ أَخْذِ نَفَسٍ عَمِيقٍ عِدَّةَ مَرَّاتٍ، وَفَصْلِ الذَّاتِ عَنْ مَشَاعِرِ الغَيْرَةِ القَوِيَّةِ، أَوِ الكِتَابَةِ عَنْ تِلْكَ المَشَاعِرِ فِي المُذَكِّرَاتِ الشَّخْصِيَّةِ، أَوِ الخُرُوجِ لِلمَشْيِ، وَفِي حَالِ كَانَتِ الغَيْرَةُ فِي الحُبِّ يُمْكِنُ التَّحَدُّثُ مَعَ الشَّرِيكِ عَنْهَا، لَكِنْ بَعْدَ الشُّعُورِ بِالهُدُوءِ.
7 ـ تَذْكِيرُ النَّفْسِ بِالأُمُورِ الجَيِّدَةِ فِي الحَيَاةِ، وَمَا تَمْتَلِكُهُ مِنْ خَيْرٍ وَصِفَاتٍ وَمَيِّزَاتٍ حَسَنَةٍ، بِالإِضَافَةِ إِلَى الإِدْرَاكِ بِأَنَّ لِكُلِّ شَخْصٍ نِقَاطَ ضَعْفٍ، بِالرَّغْمِ مِنْ نِقَاطِ القُوَّةِ لَدَيْهِ.
8 ـ التَّعَامُلُ مَعَ الغَيْرَةِ فِي الحُبِّ مِنْ خِلَالِ النَّظَرِ بِتَمَعُّنٍ إِلَى العَلَاقَةِ وَإِلَى الشَّرِيكِ، فَإِذَا كَانَتِ العَلَاقَةُ مَبْنِيَّةً عَلَى الثِّقَةِ وَالاِحْتِرَامِ وَالمَحَبَّةِ، وَكَانَتْ تَصَرُّفَاتُ الشَّرِيكِ تَتَضَمَّنُ تِلْكَ المَعَانِي، فَإِنَّ الشَّرِيكَ غَيْرَ الصَّادِقِ سَيَجْعَلُ العَلَاقَةَ غَيْرَ آمِنَةٍ، وَسَيُثِيرُ مَشَاعِرَ الغَيْرَةِ فِي النَّفْسِ، لَكِنْ فِي حَالِ كَانَتِ العَلَاقَةُ آمِنَةً، فَيَنْبَغِي النَّظَرُ إِلَى النَّفْسِ، حَيْثُ إِنَّ التَّوَاجُدَ فِي عَلاقَةِ حُبٍّ آمِنَةٍ وَمُتِينَةٍ، وَمَعَ ذَلِكَ يَشْعُرُ الشَّخْصُ بِالغَيْرَةِ، فَعَلَيْهِ العَمَلُ عَلَى بِنَاءِ احْتِرَامِهِ لِذَاتِهِ، كَمَا يُمْكِنُهُ الفَضْفَضَةُ لِأَحَدِ الأَصْدِقَاءِ المُقَرَّبِينَ عَنْ مَشَاعِرِ الغَيْرَةِ وَطَلَبُ المُسَانَدَةِ مِنْهُ، بِالإِضَافَةِ إِلَى التَّحَدُّثِ مَعَ الشَّرِيكِ عَنِ الأَمْرِ.
الغَيْرَةُ: الجُزْءُ الثَّانِي عَشَرَ
اثْنَا عَشَرَ ـ أَنْوَاعُ الغَيْرَةِ المَرَضِيَّةِ وَأَسْبَابُهَا وَكَيْفِيَّةُ التَّخَلُّصِ مِنْهَا:
1 ـ الغَيْرَةُ المَرَضِيَّةُ:
هِيَ شُعُورٌ بِعَدَمِ الرِّضَا لِمَا يَمْلِكُهُ الشَّخْصُ مُقَارَنَةً بِمَا يَمْلِكُ الآخَرُونَ، وَعَدَمُ الاِكْتِفَاءِ وَالاِقْتِنَاعِ بِهِ، الأَمْرُ الَّذِي يَخْلُقُ شُعُورَ الرَّفْضِ أَوِ الغَضَبِ أَوِ الحُزْنِ وَالاِسْتِيَاءَ. يَرَافِقُ الغَيْرَةَ فَقْدَانُ الثِّقَةِ بِالنَّفْسِ، وَعَدَمُ القُدْرَةِ عَلَى المُحَافَظَةِ عَلَى العَلَاقَاتِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ، أَوِ التَّفَوُّقِ الدِّرَاسِيِّ، أَوِ التَّفَوُّقِ فِي المَجَالِ المِهَنِيِّ، وَالَّذِي يَنْتُجُ عَنِ الشُّعُورِ بِأَنَّ هُنَاكَ دَائِماً مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ.
غَالِباً مَا يَكُونُ لِلنَّاسِ رَدَّاتُ فِعْلٍ مُخْتَلِفَةٌ فِي التَّعَامُلِ مَعَ الغَيْرَةِ المَرَضِيَّةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ تَخْلُقُ بِدَاخِلِهِ حَافِزاً لِيَكُونَ أَفْضَلَ فِي كُلِّ مَجَالاتِ الحَيَاةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَسْلِمُ لِهَذِهِ المَشَاعِرِ فَتُحْبِطُهُ وَتُقَلِّلُ ثِقَتَهُ بِنَفْسِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُهَا.
فَمِنَ الضَّرُورِيِّ فَهْمُ مَعْنَى الغَيْرَةِ المَرَضِيَّةِ وَأَسْبَابِهَا وَطُرُقِ التَّخَلُّصِ مِنْهَا.
2 ـ مَفْهُومُ الغَيْرَةِ المَرَضِيَّةِ:
يَتَضَمَّنُ تَعْرِيفُ الغَيْرَةِ فِي عِلْمِ النَّفْسِ شُعُورَ الشَّخْصِ بِوُجُودِ تَهْدِيدٍ حَقِيقِيٍّ لِحَيَاتِهِ الشَّخْصِيَّةِ أَوِ العَاطِفِيَّةِ أَوِ المِهْنِيَّةِ، حَيْثُ تَخْتَلِفُ الغَيْرَةُ الطَّبِيعِيَّةُ الَّتِي يَشْعُرُ بِهَا النَّاسُ فِي الحَيَاةِ الاِجْتِمَاعِيَّةِ وَالعَلَاقَاتِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَلَكِنَّ تَطَوُّرَ هَذِهِ الغَيْرَةِ وَتَسَبُّبَهَا بِأَضْرَارٍ نَفْسِيَّةٍ وَجَسَدِيَّةٍ مُبَاشِرَةٍ عَلَى الشَّخْصِ، مِثْلَ الحُزْنِ وَالغَضَبِ وَجُنُونِ العَظَمَةِ وَالعُنْفِ الجَسَدِيِّ، يُغَيِّرُ مِنْ مَفْهُومِ الغَيْرَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، وَيُسَمَّى هَذَا الشُّعُورُ حِينَئِذٍ بِالغَيْرَةِ المَرَضِيَّةِ.
وَقَدْ تَكُونُ الغَيْرَةُ المَرَضِيَّةُ مُؤَشِّراً عَلَى وُجُودِ مَرَضٍ نَفْسِيٍّ آخَرَ، مِثْلَ الفِصَامِ وَاضْطِرَابِ القَلَقِ وَجُنُونِ الاِرْتِيَابِ وَاضْطِرَابِ الشَّخْصِيَّةِ الحَدِّيَّةِ وَالذُّهَانِ.
٣ ـ أنواعُ الغَيرَةِ المَرَضِيَّةِ:
يُعَدُّ الطِّبُّ النَّفْسِيُّ فَرْعًا مِنْ أَفْرُعِ الطِّبِّ الكَثِيرَةِ، وَيَتَخَصَّصُ الطِّبُّ النَّفْسِيُّ بِتَشْخِيصِ وَعِلاجِ الاضْطِرَابَاتِ الَّتِي تُصِيبُ سُلُوكَ وَنَفْسِيَّةَ وَعَاطِفَةَ الإِنْسَانِ...
وَتُعْتَبَرُ الغَيرَةُ المَرَضِيَّةُ نَوْعًا مِنْ أَنْوَاعِ الغَيرَةِ، وَالَّتِي تَشْمَلُ:
الغَيرَةَ العَقْلانِيَّةَ وَالطَّبِيعِيَّةَ، الغَيرَةَ المَرَضِيَّةَ، الغَيرَةَ العَائِلِيَّةَ، الغَيرَةَ الجِنْسِيَّةَ، الغَيرَةَ العَاطِفِيَّةَ.
٤ ـ خَصَائِصُ وَعَلامَاتُ الغَيرَةِ المَرَضِيَّةِ:
تَظْهَرُ الغَيرَةُ المَرَضِيَّةُ بِعِدَّةِ أَشْكَالٍ، فَقَدْ يَقُومُ الشَّخْصُ الغَيُورُ بِالعَدِيدِ مِنَ المُمارَسَاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَكْشِفُ غَيْرَتَهُ، مِثْلَ:
أ ـ النَّقْدُ غَيْرُ البَنَّاءِ.
ب ـ إِلْقَاءُ اللَّوْمِ عَلَى الآخَرِينَ.
ج ـ الشَّكُّ فِي النَّاسِ دُونَ مُبَرِّرَاتٍ وَدَوَاعٍ وَاضِحَةٍ.
د ـ تَقَلُّبُ المِزَاجِ.
هـ ـ الإِسَاءَةُ اللَّفْظِيَّةُ أَوِ الجَسَدِيَّةُ لِلآخَرِينَ.
و ـ انْعِدَامُ الثِّقَةِ بِالنَّفْسِ.
ز ـ التَّفْتِيشُ عَنْ أَخْطَاءِ الآخَرِينَ.
ح ـ التَّحَفُّظُ عَلَى الأَشْخَاصِ أَوِ المُمتَلَكَاتِ بِشَكْلٍ غَيْرِ مُبَرَّرٍ.
ط ـ الغَضَبُ وَالاسْتِيَاءُ بِشَكْلٍ مُتَكَرِّرٍ.
ي ـ العُدْوَانِيَّةُ غَيْرُ المُبَرَّرَةِ تِجَاهَ بَعْضِ الأَشْخَاصِ.
٥ ـ أَسْبَابُ الغَيرَةِ المَرَضِيَّةِ:
يَشْعُرُ الأَشْخَاصُ بِالغَيرَةِ المَرَضِيَّةِ بِدَرَجَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَبِالتَّالِي تَخْتَلِفُ قُدْرَةُ الأَشْخَاصِ عَلَى إِخْفَاءِ الغَيرَةِ أَوْ إِظْهَارِهَا بِاخْتِلافِ شَخْصِيَّةِ الفَرْدِ، وَالأَسْبَابِ الَّتِي تُحَفِّزُ هٰذَا الشُّعُورَ دَاخِلَهُمْ. وَلَعَلَّ أَهَمَّ أَسْبَابِ الغَيرَةِ المَرَضِيَّةِ مَا يَلِي:
أ ـ التَّنَافُسُ:
عَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ التَّنَافُسَ بَيْنَ الإِخْوَةِ، أَوْ زُمَلاءِ العَمَلِ أَوِ المِهْنَةِ، أَوِ الأَصْدِقَاءِ، يُحَفِّزُهُمْ لِرَفْعِ أَدَائِهِمْ وَتَطْوِيرِ مَهَارَاتِهِمْ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يُسَبِّبُ شُعُورَ الغَيرَةِ عِنْدَ البَعْضِ، نَتِيجَةَ العَوَامِلِ وَالتَّفَاصِيلِ المُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُمْ، مِثْلَ تَفَوُّقِ أَحَدِهِمْ فِي مِهْنَتِهِ، أَوْ تَمَيُّزِ أَخٍ فِي دِرَاسَتِهِ عَنْ إِخْوَتِهِ، وَعِنْدَ تَطَوُّرِ هٰذَا الشُّعُورِ وَتَأْثِيرِهِ عَلَى الشَّخْصِ بِشَكْلٍ سَلْبِيٍّ يُصْبِحُ أَقْرَبَ إِلَى الغَيرَةِ المَرَضِيَّةِ.
ب ـ عَدَمُ الشُّعُورِ بِالأَمَانِ:
قَدْ تَنْتُجُ الغَيرَةُ المَرَضِيَّةُ عَنْ الخَوْفِ مِنْ فَقْدَانِ مَكَانَةٍ مُعَيَّنَةٍ فِي حَيَاةِ أَحَدٍ مَا، أَوْ غَيْرَةِ الرَّجُلِ نَتِيجَةَ الخَوْفِ مِنْ خَسَارَةِ مَنْصِبٍ فِي وَظِيفَةٍ مَا، أَوِ الخَوْفِ مِنْ فَقْدَانِ حُبِّ وَاهْتِمَامِ شَخْصٍ فِي حَيَاتِنَا، وَهُوَ مَا يُفَسِّرُ غَيْرَةَ النِّسَاءِ فِي الغَالِبِ. جَمِيعُ هٰذِهِ الأَمْثِلَةِ تُمَثِّلُ عَدَمَ الشُّعُورِ بِالأَمَانِ وَالاسْتِقْرَارِ، وَالخَوْفَ مِنْ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ مُسْتَبْدَلًا أَوْ يُمْكِنُ الاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ، تُحَفِّزُ هٰذِهِ الظُّرُوفُ مَشَاعِرَ الغَيرَةِ تِجَاهَ مَنْ يَمْلِكُ هٰذَا الأَمَانَ أَوِ الاسْتِقْرَارَ فِي حَيَاتِهِ.
ج ـ العَوَامِلُ النَّفْسِيَّةُ:
غَالِبًا مَا تُحَفِّزُ العَوَامِلُ النَّفْسِيَّةُ مَشَاعِرَ الغَيرَةِ لَدَى البَعْضِ، فَمَثَلًا، الأَشْخَاصُ الَّذِينَ يَشْعُرُونَ بِالقَلَقِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمْ هُمُ الأَكْثَرُ شُعُورًا بِالغَيرَةِ مُقَارَنَةً بِغَيْرِهِمْ، سَوَاءُ القَلَقِ مِنْ فَقْدَانِ أَحِبَّائِهِمْ، أَوِ القَلَقِ مِنْ خَسَارَةِ الأُمُورِ المُهِمَّةِ فِي حَيَاتِهِمْ، أَوِ الأَشْخَاصِ الَّذِينَ لَدَيْهِمْ تَجَارِبُ فَقْدٍ أَوْ خَسَارَةٍ مِنْ قَبْلُ.
د ـ احْتِيَاجَاتٌ فِي مَرْحَلَةِ الطُّفُولَةِ لَمْ يَتِمَّ تَلْبِيَتُهَا:
غَالِبًا مَا تَنْتُجُ الغَيرَةُ عِنْدَ الأَطْفَالِ نَتِيجَةَ تَعَرُّضِهِمْ لِلْحِرْمَانِ، وَقَدْ يَكُونُ الحِرْمَانُ العَاطِفِيُّ أَكْثَرَ تَأْثِيرًا مِنْ أَنْوَاعِ الحِرْمَانِ الأُخْرَى عَلَيْهِمْ، وَيَعُودُ ذٰلِكَ لِعَدَمِ تَغْذِيَةِ الاحْتِيَاجَاتِ العَاطِفِيَّةِ أَثْنَاءَ مَرْحَلَةِ الطُّفُولَةِ، وَالَّتِي تَظْهَرُ نَتَائِجُهَا عِنْدَمَا يَكْبَرُ الإِنْسَانُ.
هـ ـ المُرُورُ بِتَجَارِبَ سَلْبِيَّةٍ سَابِقَةٍ:
قَدْ تَكُونُ التَّجَارِبُ السَّيِّئَةُ السَّابِقَةُ سَبَبًا مُهِمًّا لِتَطَوُّرِ الغَيرَةِ المَرَضِيَّةِ عِنْدَ البَعْضِ، فَمَثَلًا، تَنْتُجُ الغَيرَةُ نَتِيجَةَ الخِيَانَةِ أَوِ المُرُورِ بِتَجْرِبَةِ الانْفِصَالِ أَوِ الطَّلَاقِ، وَالَّتِي تُوَلِّدُ شُعُورًا بِعَدَمِ الثِّقَةِ بِالنَّفْسِ نَتِيجَةَ الفَشَلِ فِي المُحَافَظَةِ عَلَى اسْتِمْرَارِ العَلَاقَةِ، فَالشُّعُورُ بِالخَوْفِ وَالقَلَقِ مِنْ خَوْضِ تَجَارِبَ جَدِيدَةٍ، وَقَدْ تَتَحَكَّمُ بِمَشَاعِرِ القَلَقِ أَثْنَاءَ العَلَاقَةِ الجَدِيدَةِ.
٦ ـ طُرُقُ التَّخَلُّصِ مِنَ الغَيرَةِ المَرَضِيَّةِ:
مِنَ المُهِمِّ مَعْرِفَةُ الأَسْبَابِ الدَّقِيقَةِ خَلْفَ الغَيرَةِ المَرَضِيَّةِ مِنْ أَجْلِ التَّخَلُّصِ مِنْهَا، وَتَغْيِيرِهَا، وَالعَمَلِ عَلَيْهَا لِتَحْوِيلِهَا إِلَى مَشَاعِرَ قُوَّةٍ وَدَوَافِعَ إِيجَابِيَّةٍ. وَتَشْمَلُ خُطُوَاتُ التَّخَلُّصِ مِنَ الغَيرَةِ المَرَضِيَّةِ مَا يَلِي:
أ ـ البَحْثُ عَنْ مَصَادِرِ الغَيرَةِ:
دَائِمًا مَا يُحَاطُ الشَّخْصُ بِأَشْخَاصٍ آخَرِينَ مُتَفَوِّقِينَ وَمُتَمَيِّزِينَ فِي مَجَالاتِ حَيَاتِهِمْ، وَلٰكِنْ يَجِبُ اسْتِغْلَالُ هٰذَا المُحِيطِ بِطَرِيقَةٍ إِيجَابِيَّةٍ، وَالبَحْثُ عَنْ أَسْبَابِ النَّجَاحِ وَالتَّمَيُّزِ، وَالعَمَلُ بِهَا. فَمَثَلًا، يَجِبُ مَعْرِفَةُ المَهَارَاتِ الَّتِي تَجْعَلُ أَحَدَ المُوَظَّفِينَ مُتَمَيِّزًا فِي عَمَلِهِ، قَدْ يَتَطَلَّبُ الأَمْرُ دِرَاسَةَ بَعْضِ المَوَادِّ العِلْمِيَّةِ، أَوِ التَّدْرِيبَ عَلَى مَهَارَةٍ مَا، وَبِهٰذِهِ الحَالَةِ تَتَحَوَّلُ الغَيرَةُ المَرَضِيَّةُ إِلَى ثِقَةٍ بِالنَّفْسِ.
وَهٰذَا لَا يَعْنِي بِالطَّبْعِ التَّعَالِيَ وَالتَّكَبُّرَ عَلَى الآخَرِينَ، بَلْ يَجِبُ مُشَارَكَةُ نَجَاحَاتِ الشَّخْصِ مَعَ الآخَرِينَ، وَطَلَبُ المُسَاعَدَةِ مِنْهُمْ، وَتَمَنِّي النَّجَاحِ لِلآخَرِينَ كَذٰلِكَ لِيَكُونَ النَّجَاحُ مُشْتَرَكًا.
ب ـ تَعْزِيزُ الثِّقَةِ بِالنَّفْسِ:
إِنَّ عَلَى تَطْوِيرِ الذَّاتِ وَالثِّقَةِ بِالنَّفْسِ وَالسَّيْطَرَةِ عَلَى المَشَاعِرِ مِنْ أَهَمِّ طُرُقِ التَّغَلُّبِ عَلَى الغَيرَةِ المَرَضِيَّةِ، لِأَنَّ ذٰلِكَ سَيُقَوِّي نَقَاطَ الضَّعْفِ، وَالَّتِي قَدْ تَكُونُ سَبَبًا مُبَاشِرًا لِسَيْطَرَةِ الغَيرَةِ عَلَى الشَّخْصِ.
ج ـ تَقْدِيرُ الذَّاتِ:
مِنْ أَهَمِّ خُطُوَاتِ التَّخَلُّصِ مِنَ الغَيرَةِ المَرَضِيَّةِ هُوَ تَذْكِيرُ النَّفْسِ بِالإِنْجَازَاتِ وَالنَّجَاحَاتِ الَّتِي قَامَ بِهَا الشَّخْصُ رَغْمَ كُلِّ الصُّعُوبَاتِ، وَتَذْكِيرُ النَّفْسِ بِالأَشْيَاءِ الَّتِي نُتْقِنُهَا بِشَكْلٍ جَمِيلٍ، وَمُعَامَلَةُ أَنْفُسِنَا كَمَا نُعَامِلُ صَدِيقًا مُقَرَّبًا لَنَا مَثَلًا، عَنْ طَرِيقِ التَّعَاطُفِ مَعَهَا، وَتَقْدِيرِ مَشَاعِرِهَا، وَتَخْصِيصِ وَقْتٍ لِفِعْلِ الأَشْيَاءِ الَّتِي تُشْعِرُنَا بِالسَّعَادَةِ، يُسَاعِدُ ذٰلِكَ عَلَى التَّغَلُّبِ عَلَى مَشَاعِرِ الإِحْبَاطِ الَّتِي تَنْتُجُ عَنْ مُقَارَنَةِ أَنْفُسِنَا بِالآخَرِينَ.
د ـ تَأَمُّلُ الصُّورَةِ الكَامِلَةِ:
كَمَا ذُكِرَ سَابِقًا، فَإِنَّ تَفْسِيرَ وَتَحْلِيلَ أَسْبَابِ الغَيرَةِ المَرَضِيَّةِ هُوَ اجْتِيَازٌ لِنِصْفِ الطَّرِيقِ لِلتَّخَلُّصِ مِنْ هٰذَا الشُّعُورِ، وَكَذٰلِكَ الأَمْرُ، يُسَاعِدُ التَّحْلِيلُ الكَامِلُ لِلْمَوَاقِفِ الَّتِي يَمُرُّ بِهَا الشَّخْصُ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنَ الغَيرَةِ.
فَمَثَلًا يَشْعُرُ المُوَظَّفُ بِالتَّهْدِيدِ وَخَسَارَةِ مَنْصِبِهِ الوَظِيفِيِّ، فَإِنَّ بِالتَّأْكِيدِ هُنَاكَ أَسْبَابًا لِهٰذَا التَّهْدِيدِ، قَدْ يَكُونُ هٰذَا المُوَظَّفُ مُهْمِلًا بِإِنْجَازِ مَهَامِّهِ، أَوْ لَا يَحْتَرِمُ قَوَانِينَ مَكَانِ عَمَلِهِ، أَوْ يُعَامِلُ زُمَلَاءَهُ بِأُسْلُوبٍ غَيْرِ لَائِقٍ، فَإِنَّ مَعْرِفَةَ السَّبَبِ الَّذِي يُهَدِّدُ مَكَانَتَهُ وَبَدْءَ العَمَلِ عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْ هٰذَا السَّبَبِ، سَيُعِيدُ فُرْصَةَ حُصُولِهِ عَلَى الاسْتِقْرَارِ الوَظِيفِيِّ مَرَّةً أُخْرَى.
هـ ـ التَّعْبِيرُ عَنْ مَخَاوِفِ النَّفْسِ:
فِيمَا يَخُصُّ العَلَاقَاتِ العَاطِفِيَّةَ، يُعْتَبَرُ الشُّعُورُ بِعَدَمِ الاسْتِقْرَارِ هُوَ المُسَبِّبَ الأَوَّلَ لِلشُّعُورِ بِالغَيرَةِ المَرَضِيَّةِ، حَيْثُ تَحْتَاجُ هٰذِهِ العَلَاقَةُ إِلَى التَّعَمُّقِ فِي التَّفَاصِيلِ لِمَعْرِفَةِ الأَسْبَابِ الحَقِيقِيَّةِ، وَمُنَاقَشَتِهَا مَعَ الطَّرَفِ الآخَرِ، فَقَدْ يَكُونُ عَدَمُ الاسْتِقْرَارِ هُوَ النَّتِيجَةَ النِّهَائِيَّةَ لِهٰذِهِ العَلَاقَةِ. فِي المُقَابِلِ، قَدْ تَحْتَمِلُ العَلَاقَةُ فُرَصًا جَدِيدَةً لِلْوُصُولِ إِلَى الاسْتِقْرَارِ وَالأَمَانِ.
وَيَجِبُ التَّنْوِيهُ هُنَا أَنَّ دِرَاسَةَ مُسَبِّبَاتِ هٰذَا الشُّعُورِ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بَيْنَ طَرَفَيْ العَلَاقَةِ فَقَطْ، دُونَ مُقَارَنَةِ تَفَاصِيلِهَا بِتَفَاصِيلِ عِلَاقَاتٍ أُخْرَى، أَوْ مُشَارَكَةِ هٰذِهِ المَشَاعِرِ مَعَ أَشْخَاصٍ آخَرِينَ، لِأَنَّ السِّرِّيَّةَ وَالخُصُوصِيَّةَ تُسَاعِدُ الطَّرَفَيْنِ فِي التَّرْكِيزِ عَلَى تَفَاصِيلِهِمَا فَقَطْ، دُونَ التَّشْتُّتِ بِأَقْوَالِ وَقِصَصِ الآخَرِينَ.
و ـ تَدْرِيبُ النَّفْسِ عَلَى الامْتِنَانِ:
مِنَ الأَسَالِيبِ المُهِمَّةِ فِي التَّخَلُّصِ مِنَ الغَيرَةِ المَرَضِيَّةِ التَّرْكِيزُ عَلَى إِعَادَةِ النَّظَرِ فِي العَلَاقَاتِ وَالأَشْخَاصِ فِي حَيَاةِ كُلِّ شَخْصٍ، وَالبَحْثُ عَنِ الرَّوَابِطِ الجَمِيلَةِ فِي هٰذِهِ العَلَاقَاتِ، وَخَلْقُ التَّفَاصِيلِ السَّعِيدَةِ بِهَا مِنْ أَجْلِ تَقْوِيَةِ العَلَاقَةِ، وَتَدْرِيبُ النَّفْسِ عَلَى الامْتِنَانِ عَلَى جَمِيعِ النِّعَمِ فِي الحَيَاةِ، وَمُحَاوَلَةُ عَدَمِ التَّفْكِيرِ فِي أَفْكَارِ الفَقْدِ أَوِ الخَسَارَةِ.
ز ـ إِعْطَاءُ النَّفْسِ وَقْتًا لِتَجَاوُزِ مَشَاعِرِ الغَيرَةِ:
مِنَ الطَّبِيعِيِّ أَنْ تَكُونَ المَشَاعِرُ مُتَقَلِّبَةً مِنْ وَقْتٍ لِآخَرَ، وَقَدْ تَضْعُفُ مَعَ مَرُورِ الوَقْتِ، فَإِذَا شَعَرَ الشَّخْصُ بِالغَيرَةِ الزَّائِدَةِ أَوِ الغَيرَةِ المَرَضِيَّةِ، فَيَجِبُ التَّذَكُّرُ أَنَّ هٰذَا الشُّعُورَ قَدْ يَكُونُ مُؤَقَّتًا، وَيَتَلَاشَى مَعَ مَرُورِ الوَقْتِ.
٧ ـ أَضْرَارُ الغَيرَةِ المَرَضِيَّةِ:
تُؤَثِّرُ الغَيرَةُ المَرَضِيَّةُ عَلَى العَلَاقَاتِ الاجْتِمَاعِيَّةِ لِلشَّخْصِ وَعَلَى الأَشْخَاصِ المُحِيطِينَ بِهِ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ، لَيْسَ ذٰلِكَ فَقَطْ، وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ أَيْضًا عَلَى صِحَّةِ الشَّخْصِ الجَسَدِيَّةِ، وَذٰلِكَ نَتِيجَةَ الغَضَبِ وَالاسْتِيَاءِ اللَّذَيْنِ يُرَافِقَانِهِ. وَمِنْ سَلْبِيَّاتِ الغَيرَةِ المَرَضِيَّةِ عَلَى الشَّخْصِ:
أَلَمٌ فِي المَعِدَةِ، الصُّدَاعُ، أَلَمٌ فِي الصَّدْرِ، ارْتِفَاعُ ضَغْطِ الدَّمِ، تَسَارُعُ نَبَضَاتِ القَلْبِ، فَقْدَانُ الوَزْنِ أَوْ زِيَادَتُهُ، فَقْدَانُ الشَّهِيَّةِ، ضُعْفُ المُنَاعَةِ.
✍️
الأَبُ أَغُسْطِينُوسُ بِالْمِيلَادِ مِيلَادُ سَامِي مِيخَائِيلَ بُطْرُسَ...





