هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
في ضوء الحكم الصادر عن محكمة النقض المصرية في شأن رفض إثبات واقعة زواج لأطراف يدينون بالديانة البهائية في السجلات الرسمية، تبرز أهمية هذا الحكم باعتباره من الأحكام المفصلية التي تعيد طرح العلاقة بين حرية العقيدة من جهة، ومتطلبات النظام العام من جهة أخرى.
ويُعد الحكم محل التعليق سابقة لافتة، ليس فقط من حيث موضوعه، بل كذلك من حيث قبوله للطعن بالنقض في مسألة من مسائل الأحوال الشخصية، رغم ما استقر عليه الأصل العام من عدم جواز هذا الطريق. إلا أن المحكمة أسست قبولها للطعن على اعتبارات تتعلق بالنظام العام، وهو ما يتسق مع القاعدة القانونية الراسخة التي تجيز للمحكمة – من تلقاء نفسها – إثارة المسائل المتعلقة بالنظام العام متى توافرت عناصر الفصل فيها.
وقد أكدت المحكمة في حيثياتها على التفرقة الجوهرية بين حرية الاعتقاد – المكفولة دستورياً – وبين الآثار القانونية المترتبة على هذا الاعتقاد، مقررة أن هذه الحرية لا تمتد بالضرورة إلى إلزام الدولة بالاعتراف بكافة النتائج القانونية الناشئة عنها، خاصة إذا تعارضت مع النظام العام أو مع القواعد الدستورية المستقرة.
كما انتهى الحكم إلى أن الديانة البهائية لا تندرج ضمن الديانات السماوية الثلاث المعترف بها في الإطار القانوني المصري، وهي الإسلام والمسيحية واليهودية، ومن ثم لا يجوز إثباتها أو ترتيب آثار قانونية رسمية عليها في سجلات الدولة، بما في ذلك توثيق عقود الزواج. واعتبرت المحكمة أن القواعد المنظمة لذلك تدخل في نطاق النظام العام، الذي يسمو على ما عداه من اعتبارات إجرائية أو شكلية.
ومن زاوية قانونية بحتة، يكرّس هذا الحكم مبدأ بالغ الأهمية، مؤداه أن قواعد النظام العام لها أولوية مطلقة، بحيث تتجاوز القيود الإجرائية، بما في ذلك قواعد الطعن، وهو ما يفسر تصدي المحكمة للموضوع والفصل فيه رغم الجدل القائم حول مدى جواز نظره.
وفي المقابل، يثير الحكم نقاشاً مشروعاً في الأوساط القانونية والحقوقية بشأن التوازن بين احترام النظام العام وضمان الحقوق الشخصية، خاصة في ظل وجود واقع اجتماعي متنوع يفرض تحديات عملية تتعلق بإثبات العلاقات القانونية وحماية الأنساب والحقوق المدنية للأفراد.
ومن ثم، فإن هذا الحكم – مع كامل الاحترام لحجيته وقيمته القانونية – قد يفتح الباب أمام نقاش تشريعي أوسع داخل مجلس النواب المصري، بهدف إعادة تقييم الأطر القانونية المنظمة لمسائل الأحوال الشخصية لغير المنتمين للديانات المعترف بها، بما يحقق التوازن بين ثوابت النظام العام ومتطلبات الواقع العملي.
وفي تقديري يبقى هذا الحكم علامة فارقة في الفقه القضائي المصري، وسيظل محل دراسة وتحليل من جانب رجال القانون، لما يتضمنه من تأصيل لمفهوم النظام العام وحدوده، وتأثيره على الحقوق الشخصية في إطار الدولة القانونية.





