خالد منتصر
أصبح تجار الخرافات الطبية، أو بالأصح اللاطبية، من الذين يبيعون لك الوهم، بالألاف، ومنهم أطباء مثقوبو الضمير، ومنهم من له سطوة اعلامية، ومنهم من يغلف كلامه بمصطلحات دينية تخدر العقول ، المشكلة أن هناك حملة دكتوراه، وأساتذة جامعة، ومشاهير، ورجال أعمال، ورجال سياسة، يقعون في فخاخ هؤلاء، برغم كل الهلاوس والضلالات التي يقدمونها، والخطر ليس في مجرد أنها هلاوس، لكنها هلاوس تقتل المرضى، فهناك مرضى سكر أوقفوا الانسولين، وهناك من أوقف مثبطات المناعة وهو زارع كلية،
وهناك من امتنع عن الكورتيزون في مرض مناعي، ومات في اليوم التالي، فكيف نحمي أنفسنا ثقافياً قبل قانونياً وأمنياً من هؤلاء؟، فالقانون وحده، وملاحقة الشرطة وحدها، والبلاغات لن تكفي، لأن الثغرات كثيرة، والهروب من خلال علاجات الأون لاين، والشبكة العنكبوتية، صار متوافراً، ومستعصياً على الحصار والرقابة، تاجر الوهم الطبي، يقول لك هذا علاج لكل الأمراض، إذن هذا الشخص قولاً واحداً، دجال ونصاب، فلا يوجد علاج يعالج كل الأمراض، لأن الأسباب ليست واحدة، وأيضاً إذا قال لك اخترعت دواء للكبد أو القلب..الخ، فهذا عبث طبي، لا يوجد ما يسمى بعلاج عضو " كله على بعضه"، هناك دواء يشتغل على انزيم، على هورمون،
على جزء من الفيروس، على جين، على آلية معينة، وليس على عضو، وعندما يصرخ المخترع الوهمي، أو صاحب النظرية والافتكاسة، قائلاً:" هناك مؤامرة، والماسونية تريد سرقة اختراعي، والسي اي ايه يريد اختطافي..الخ"، ثق أنك أمام مدلس وأفاق، فتاجر الوهم يعشق نظرية المؤامرة، هذا التاجر يقول لك أنا اخترعت، واختراعي هو سر يجب أن أخفيه عن العالم، وهو محفوظ في الدرج، لا يوجد اكتشاف أو علاج أو نظرية، تخفى في الأدراج،
فالاختراع مثل الزواج لابد له من اشهار وعلانية، والاشهار في العلم والطب هو المجلة الطبية العلمية المحكمة، وليست النيوزويك أو مجلة الموعد، والمؤتمر الطبي الدولي الذي ترعاه وتشرف عليه الجمعيات العلمية الكبيرة، سواء الأوروبية أو الأمريكية، والذي لابد أن يعرض فيه المكتشف دواءه أو
نظريته أو طريقة علاجه، غير كده فهو بالبلدي " هجص" و " فنكوش"، الطب لم يعد وحياً، ولا يهبط كالمن والسلوى، وليس "افتكاسة"، وانما هو نتاج جهد ومعمل وخبراء، تجارب مجهدة على جزئ دواء، تمر بمراحل صارمة، في المعمل، ثم في الحيوان، ثم دراسات مقارنة بين مجموعتين في البشر، ثم يعرض على هيئة الغذاء والدواء، ثم بعد طرحه يراقب ويتابع، وإذا ثبت أن له أعراض جانبية أخطر من فوائده، يتم سحبه من الأسواق، وقد حدث كثيراً، مثل هذا
الاجراء، لكن أن يقول شخص، استيقظت من النوم، وجاء لي الهاتف أو الخاطر بالاختراع، هذا الشخص مكانه هو أقرب مصحة نفسية!، التجارب الطبية لها بروتوكولات محكمة وقاسية، ومن قبيل التخاريف أن يقول لك طبيب لقد أجريت تجاربي في العيادة!، فالتجربة الطبية مكانها مراكز متخصصة، بحثية،
جامعية، لها أكواد ومعايير، تتم في أكثر من مركز، وغالباً أكثر من دولة، وتجمع النتائج وتقارن، وعندما ينتهي البحث، يتم التحكيم بواسطة محكمين علماء لا يعرفون بعضهم في معظم الأحيان، ولا يرتبطون بالباحث شخصياً، هذا هو العلم، وذلك هو الطب، ومن يريد غير ذلك فليرتمي في حضن شمهورش، وليتحمل هو مسؤولية سذاجته.
نقلا عن جريدة الوطن





