د. منى نوال حلمى
(١)
لماذا لا تحبنى الكتابة، كما أحببتها؟. لماذا لا تعاملنى بالكرم والسخاء، كما أعاملها؟. هل الكتابة، «زعلانة»؟. ولماذا «تزعل» منى؟. هل وعدتُ الكتابة، بأشياء، وخنتُ الوعود؟. هل جاءت يوماً من السفر البعيد، تحمل حقائب الدهشة، وأسرار الأبجدية، ولم تجدنى فى انتظارها؟. هل غيرتُ عنوان إقامتى، دون أن أخبرها؟. هل قدمت لها يوماً، قهوة الصباح باردة؟. هل دعوتها إلى العشاء، ونسيت إخبارها أن المصعد معطل؟. ماذا أعطتنى الكتابة، غير وجع القلب، ووجع الدماغ؟. ماذا أعطتنى الكتابة، إلا أرق العيون، وآهات الألم فى الرقبة، والعمود الفقرى؟. أعطيتُ الكتابة حصرياً، حق تقرير مصيرى، حق الرقابة على عقلى وجسدى، وحق النوم والعربدة على سريرى. الليلة ليلة مولدى، ومثل السنوات الماضيات، لا أسهر إلا مع «الكتابة»، قصائدى هى صديقاتى، وحروفى هى ضيوفى. «أنا»، و«الكتابة»، نزلنا من رحم أمى، فى اللحظة نفسها، توأماً متطابقاً، ملتصقاً. ومنذ ذلك التاريخ، وأنا «تحت أمرها». سلمتُ للكتابة، «أعز ما أملك»، دون ندم. الحلم الذى يريد «زحزحة» عرش الكتابة قليلاً، أجهضه دون تردد، وهو ما زال جنيناً. أعطيتُ الكتابة كل شيء. ولم تعطنى الكتابة شيئاً، إلا الوحدة، والفراغ، واللانتماء، والقلق، والاضطرابات ثنائية وثلاثية ورباعية القطب. أعطيتُ الكتابة كل شيء، ولم تعطنى إلا الأشعار، فى بلد لا يقرأ، إلا صفحة الوفيات، ومواقيت الصلاة، وفتاوى المشايخ عن النكاح الأمثل... يقايض القصيدة، بزجاجات الزيت، وأكياس الأرز. سافرتُ إلى العالم. عندما يسألوننى ماذا أفعل بحياتى، أقول «كاتبة»، و«شاعرة». فوراً يظهر بريق الإعجاب، وكأن «الكتابة»، وخاصة «كتابة الشعر»، حدث عظيم، وظاهرة كونية مبهرة. فى بلادى، يوصف الشعر أحياناً بأنه «ازدراء المقدسات»، أو «فعل فاضح»، يجب أن يُحجب، ويُعاقب. بينما فى أى رقعة متحضرة، على كوكب الأرض، يُعتبر «محمية طبيعية»، تستحق الزهو. وفى أحيان أخرى، يتساءل الناس عن «أهمية» الشعر، فى عالم مازال مهدداً بالفقر والحروب وغياب العدالة؟. يعنى إيه «واحدة تقعد فى هدوء، تشرب قهوة، لتكتب عن مشاعرها وأفكارها؟». يقولون الشعر رفاهية، وتضييع للوقت والجهد. كان من المفروض، لأننى شاعرة، أن أخالف هذا الرأى، وأبدأ فى الدفاع عن الشعر، والشاعرات، والشعراء. لكن المشكلة، أننى لا أعترض. فالشعر، لا يشبع الجوعان، ولا يروى العطشان، ولا يعالج المريض، ولا يأوى المشرد، ومجلدات الشعر قديماً، وحديثاً، لا توقف سفك الدماء، لا تعمر الأرض الخراب. الشاعر الفرنسى جان كوكتو ٥ يوليو ١٨٨٩ – ١١ أكتوبر ١٩٦٣، كان معروفاً بتساؤلاته الفلسفية عن ماهية الشعر، ومعنى الشعر. من أقواله الشهيرة الجديرة بالتأمل: «الشعر لا غنى عنه، لكننى لا أعرف لأى شيء». وأنا مثل جان كوكتو، أرى الشعر «ضرورة»، لكننى لا أعرف لماذا. وأعرف أن الشعر هو «فن صناعة الكذب»، «موهبة الخداع النبيل؟». وهنا أيضاً يستوقفنا جان كوكتو، قائلاً: «الشعر أكذوبة تقود إلى الحقيقة.. لا أطلب منك أن تعجب بى، ولكن أطلب أن تصدقنى».
(٢)
حوادث الانتحار، عبر البث المباشر الحى، بالصوت والصورة، يتركها الناس فى القرى والمدن المصرية، كرسالة أخيرة. فتيات، ونساء زى الورد، يفضلن الموت عن عيشة القهر. مشاكل أسرية وعائلية متنوعة، متشابكة الأبعاد، ألقت بأثقالها على أنفاس أصحابها، حتى هانت عليهم الحياة، بكل ما فيها، بكل منْ عليها. أناس يعلمون جيداً، أن دينهم يجعل المنتحر كافراً. لكنهم لا يبالون. أصبحت سلطة الضغوط، أكبر من سلطة الدين والإيمان. أغلب حوادث الانتحار، وضحايا الجرائم، من الفتيات والنساء. هن «الحائط المائل»، فى مجتمع متأسلم، ذكورى، مهزوم، مكبوت، مزدوج المعايير، بلا أخلاق. سنظل فى الدائرة الدموية المغلقة، من الكذب، وإخفاء الحقيقة. عندما نعترف، أن مشكلتنا الكبرى، وأزمتنا الحقيقية، هى «تقديس» غشاء البكارة، و«تقديس» سلطة الذكور فى البيت، والفضاء العام، و«تقديس» تغطية المرأة، ربما نجد حينئذ، طريقاً للنجاة.
ختامه شعر
لا تقل لى
أننى حلم تحقق
قبل انتهاء الزمان
وبعد طول انتظار
فالأحلام السابحات فى الأفق
أجمل من الأحلام الممطرات
والكلمات المهمة تبقى صامتات
نقلا عن المصرى اليوم





