سحر الجعارة

عندما نتحدث عن «النقاب» فلا شأن لنا بالدين الإسلامى، فقد حسم شيخ الأزهر الدكتور «أحمد الطيب» حين قال (إن النقاب ليس فرضاً ولا سنة ولا مستحباً، بل هو عادة وليس عبادة، وليس فرضاً وليس سُنة، ولا ثواب لمن ترتديه ولا إثم على من تتركه).. أيضاً يجب النظر إلى قضية اختطاف منتقبة لطفلة رضيعة من مستشفى الحسين باعتبارها «جريمة» تم استخدام النقاب فيها كوسيلة تَخفٍّ، بعيداً عن «الصعبانيات» وإدانة المستشفى وإدارتها.. وبالتالى علينا أن نحاكم الآن مجتمعياً «أداة الجريمة» أى النقاب.

 

إشارة: قال «الطيب» إنه من الممكن خلع النقاب لضرورات المهنة، بعد أن أصبح منتشراً بين المدرسات والممرضات والطبيبات، وكلها مهن حساسة تؤتمن فيها المنتقبة على عقل وروح أو جسد البشر. مع إشارة، محذراً بإصبعه «بلغة الجسد»: (ولكن التى تلبسه لا تقول إننى ألبسه شرعاً، إنه كمن تلبس خاتماً أو تخلعه، أى يدخل فى باب «الزينة».. فهو ليس به أمر ولا نهى ولا يتعلق به ثواب ولا عقاب).

 

أما تيار الاستنارة ودعاة الدولة المدنية وأحسب نفسى منهم، فقد نالنا وابل من السهام القذرة والتشكيك فى ديننا ومحاولة اغتيالنا معنوياً لأننا خضنا هذه الحرب ضد «أقنعة المتأسلمين» كان مطلبنا الرئيسى أن تنظم الدولة مسألة ارتداء النقاب داخل المؤسسات الرسمية بـ«قانون».. لكن يبدو أننا فى كلتا الحالتين أمام «مؤامرة»، سواء طالبت بحظره أو سمحت بخلعه!.

 

كانت البداية بمنع الدكتور «هاشم فؤاد»، رحمه الله، الذى كان عميداً لكلية طب قصر العينى، جامعة القاهرة، دخول المنتقبات للجامعة، ثم بدأت مرحلة الدكتور «جابر جاد نصار» الذى منع دخول المنتقبات العاملات بالتدريس داخل كليات الطب ومستشفياتها.. فشهدنا مئات القضايا من السلفيين أمام المحاكم لنصرة «النقاب» وآلاف اللقاءات التليفزيونية والآراء الفقهية.. حتى قضت محكمة القضاء الإدارى، برفض الدعاوى القضائية المطالبة ببطلان قرار رئيس جامعة القاهرة الدكتور جابر نصار بحظر النقاب لأعضاء هيئة التدريس بالجامعة.

 

وقتها حاولت الجامعة الأمريكية اتخاذ نفس النهج لكنها تراجعت أمام سيل الترهيب بالتقاضى.

 

وأخيراً، بعد أن هرمنا، أصدرت وزارة التربية والتعليم المصرية عام 2023 قراراً «يحظر ارتداء النقاب بين الطالبات فى جميع المراحل الدراسية».

 

كما حدّدت الوزارة مواصفات الزى «المدرسى الموحّد» بهدف التقليل من بروز الفروق الطبقية بين التلاميذ.. وتضمّن قرار وزارة التربية والتعليم تحديد مواصفات «الزى المدرسى الموحّد» لجميع الطلاب بالمدارس الرسمية والخاصة لجميع الصفوف الدراسية، على أن «يكون غطاء الشعر (الحجاب) للفتيات اختيارياً».

 

ووفق القرار فإنه «يُشترط فى (غطاء الرأس) الذى تختاره الطالبة برغبتها ألا يحجب وجهها، مع الالتزام باللون الذى تحدّده مديرية التعليم المختصة».. ونسيت الوزارة «المدرسة» وهى التى تتولى عملية تعليمية تحتاج إلى تواصل لا إلى ترهيب.. فهل نحن بالفعل «مرعوبون» من تيار الإسلام السياسى والسلفيين وكتيبة الدفاع عن النقاب أم أننا غافلون؟.

 

النقاب زى يهودى، يستخدمه تيار الإسلام السياسى لاستعراض قوته فى الشارع، ولتهريب المجرمين من يد العدالة، وهذا ثابت بالأدلة، كما أنه من الثابت أنه خطر على الأمن القومى.

 

فلا بد أن نسأل: لماذا لا تضع الوزارات والهيئات والمؤسسات، التى يشترط العمل بها «متطلبات خاصة»، يفرضها التفاعل الإنسانى، لوائح محددة لاختيار القيادات العليا؟.. لماذا لا يناقش مجلس النواب مشروعاً لقانون يمنع «النقاب» فى أماكن معينة، يعد فيها التعرف على هوية القائم بالعمل حقاً أصيلاً للمواطن؟. (سبق رفض قانون قدمه النائب محمد أبوحامد).

 

هل ما زلنا نخاف «كتائب الحسبة» التى جرجرت الدكتور «نصار» إلى المحاكم لتعيد المنتقبات للتدريس.. أم نخاف المناخ العام الذى أصبح سلفياً ويزداد تشدداً وتعصباً ونحن نستسلم له ولا نقاومه؟.

 

ورغم قرار مجمع البحوث الإسلامية عام 2009، بحظر ارتداء النقاب داخل قاعات الدراسة بجامعة الأزهر نفسها!، فنحن دولة «معاندة نفسها» تسير عكس الدستور الذى يحكمها، وعكس المنطق والعقل، وكل ما تنادى به من تصحيح الخطاب الدينى.

 

«تونس»، وهى دولة إسلامية رغم أنف الجميع، ومن قبلها «الجزائر»، قرَّرتا حظر «النقاب».. النقاب زى إرهابى هل أذكركم بمشاركة منتقبات فى حادث تفجير أوتوبيس السيدة عائشة قبل عدة سنوات؟.. بهروب «محمد بديع» منتقباً؟!.

 

 

أنا مللت هذا النوع من المعارك التى تستنزف طاقتنا وجهدنا وأعمارنا، مللت تسييس الدين وتديين الملبس.. وهذا الخلط المتعمد لكسب جمهور الشارع لأى جانب.. امنعوا النقاب.. فثورة السلفيين المزعومة لن تُرهب الشعب الذى أسقط الإخوان بميليشياتهم وأعوانهم وعملائهم.. «امنعوا النقاب» فى كل الأماكن العامة وليس فى الجامعات وحدها.. إذا احتل النقاب الشارع فلن يتبقى فى خريطة مصر موطئ قدم لسائح أو مستثمر أو طفل يلهو فى أمان.

نقلا عن الوطن