بقلم الأب يسطس الأورشليمى
أنظروا عظمة سرّ التدبير؟ فإنه هكذا إن كان بعد المُوت لم يكن قادراً على إزالة الخطية، فلم تنحل الخطية ولا طُرد المُوت، ولا زالت اللعنة عنهُم، ولا تكُون كرازتنا باطلة فحسب، بل ويكُون إيمانكُم باطلاً، وإن كان الصليب هُو فكرة خاطئة، فالقيامة أيضاً فكرة مُضللّة، وإن كان المسيح لم يقم فإننا نبقى في خطايانا، وأخيراً يصير كُل شيء بلا قيمة.. 
 
عندما يتحدث عن المسيح يقُول: مات، ليؤكد حقيقة آلامه وصلبه وموته وعندما يتحدث عن المُؤمنين يقُول: رقدوا في المسيح، ليؤكد أنهُم خلال شركتهُم معه كأعضاء جسده صار لهُم رجاء القيامة، فهُم أشبه بالراقدين حتى يستيقظوا، أما قوله: هلكوا، فيُشير إلى نفُوسهُم التي فُقدت في شقاء العالم غير المنظُور، ومن الصعب أن يقبل الإنسان عدم قيامة الأمُوات عندما يرقد أحد أقربائه أو أصدقائه ويكُون مقدساً للرّب، لأنه بهذا يكُون قد حسبه مفقوداً إلى الأبد، مَن يقدر أن يقبل هذه النتيجة المرة ؟!
 
وإن لم يكن المسيح قد قام، فباطلٌ إيمانكُم، أنتُم بعد في خطاياكُم، إذاً الذين رقدوا في المسيح أيضاً هلكوا، إن كان لنا في هذه الحياة فقط رجاءٌ في المسيح، فإننا أشقى جميع الناس، ولكن الآن قد قام المسيح من الأموات وصار باكُورة الراقدين، فإنه إذ المُوت بإنسانٍ، بإنسانٍ أيضاً قيامة الأمُوات، لأنه كما في آدم يمُوت الجميع، هكذا في المسيح سيحيا الجميع، ولكن كُل واحد في رُتبته: المسيح باكورة الراقدين.. 
 
إن كان رجاؤنا في المسيح يقف عند الحياة الحاضرة نكُون مخدُوعين لأننا نحتمل آلاماً أكثر من غيرنا، ونُمارس الإماتة اليومية ونُضطهد، وإن كان الوثنيون بلا رجاء (أف12:2؛ 1تس13:4)، فإننا نصير نحنُ أكثر بؤساً منهُم، لأننا لا نتمتع أيضاً بالملذات الحاضرة..
 
 فرجاؤنا ليس في انفصال النفس عن الجسد، وإنما اتحاد النفس بالجسد القائم من الأمُوات، فالمسيحي يشعر أنه أسعد كائن على وجه الأرض من خلال اتحاده بالمسيح القائم من الأمُوات..
 
 وانفتاح أبواب السماء أمامه مترجياً كمال المجد أبدياً، وإن كان الجسم لا يقوم تبقى النفس غير مكللّة، فلا نتمتع بشيء بالمرة وهنا شهادة واضحة أن ما قاله لا يخص القيامة من الخطايا، بل قيامة الأجسام، والقيامة من الحياة الحاضرة إلى الحياة العتيدة المُنتظرة..
 
ولكن الآن قد قام المسيح من الأمُوات وصار باكُورة الراقدين، أنها حقيقة لا يُشك فيها، وأمر لا يحتاج إلى برهان، فتحت لنا أبواب الرجاء وحُولت حياتنا إلى فرحٍ مجيدٍ لا يُنطق به، ويمتاز البكر بأنه السابق وأفضل الكُل، والمُكرس لله، وبه يتقدس المحصُول كُله، فمن جهة الزمن لم يكن السيد المسيح هُو أول القائمين من الأمُوات..
 
 فقد قام الميت الذي لمس عظام أليشع النبيّ، وأقام السيد الصبية أبنه يايرس، وابن أرملة نايين، ولعازر أخ مريم ومرثا (مر5؛ لو7؛ يو11)، لكن جميعهُم قاموا إلى حين وماتوا، أما المُخلّص فقام بسُلطان كبكر فائق لا يعود يمُوت، إنه السنبلة الأولى الناضجة التي يمسك بها الكاهن ويلوّح بها إعلاناً أنها مُكرسة لله، وبها يتقدس كُل الحصاد..
 
 يقُول هذا من أجل الأنبياء الكذبة الذين يدعُون أن المسيح لم يُولد قط، ولم يكن ممكناً أن يُصلب، والقيامة من بين الأمُوات تبرهن أن المسيح كان إنساناً وقادر ببره أن يستحق القيامة من الأمُوات..
 
يقصد بالإنسان هُنا آدم، وبعصيانه دخل المُوت إلى العالم، وحلّ بالطبيعة البشرية، لذا كان لزاماً أن يتحقق العلاج بنفس الطريقة، خلال إنسان قادر أن يمحُو هذا العصيان ويُجدد طبيعتنا، ويدخل بها إلى القيامة والخلود، وأدخل الإنسان (آدم) الفساد إلى العالم، وشفي الإنسان المسيح هذا الفساد، وهكذا جاءت القيامة بإنسانٍ آخر، هُو الكلمة الإلهي المتأنس المسيح الذي في سُلطانه أن يهب القيامة للمُوتى، ويرد للبشرية سلامتها وكرامتها وسُلطانها، فلا تعُود تمُوت بعد القيامة المجيدة..
 
جاء المُوت بآدم وتحقق الخلُود بالمسيح، وكما خضع الكُل بالطبيعة للموت بواسطة آدم، فبالنعمة ينالون القيامة بالمسيح يسُوع، وإن كان آدم هُو رمز لمُوت المسيح، فإن نوم آدم هُو رمز لموت المسيح، والجُرح الذي في جنب المسيح، يرمز بالحقيقة للكنيسة أم كُل حيّ.. 
 
الكُل يدخلُون بيتاً ما خلال بابٍ واحدٍ، لأنه لا يدخل أحد إلا من هذا الباب، وكما أن الكُل يمُوت في آدم، هكذا كُل الذين يحيُون فسيحيُون في المسيح، لأنه لا يوجد اسم آخر تحت السماء بجانب الوسيط الواحد بين الله والبشر الإنسان يسُوع المسيح، به يمكن أن نخلص..
 
وبعد ذلك النهاية، متى سلّم المُلك لله الآب، متى أبطل كُل رياسةٍ وكُل سُلطانٍ وكُل قوةٍ، لأنه يجب أن يملك حتى يضع جميع الأعداء تحت قدميه آخر عدوّ يبطل هُو المُوت، لأنه أخضع كُل شيءٍ تحت قدميه..
 
أعلنت قيامة مملكته بسُلطانها في السماء وعلى الأرض، وصار له اسم فُوق كُل اسم، حتى تسجد له كُل ركبة ويعترف كُل لسان أنه رّب، ويمسك القائم من الأمُوات بزمام المملكة حتى يُبطل القوات المقاومة، ويخضع أعداءه تحت قدميه، وينحلّ المُوت (في9:2-11)..
راجع (مت18:28؛ أع12:4؛ 1تي5:2)..