بقلم: عزت بولس
منذ قرون، وقف "جاليلو جاليلي" وحيداً أمام محاكم التفتيش، هامساً بجملته الشهيرة: "ومع ذلك فهي تدور".. لم تكن مشكلة القطيع حينها مع "دوران الأرض"، بل كانت مع "دوران العقل" خارج المدارات المرسومة له.
 
واليوم، ونحن في عام 2026، يبدو أن جاليلو لم يمت، بل ما زال يعيش بيننا في كل شخص يرفض أن يغمض عينيه ويمشي خلف الأجراس المعلقة في رقاب الأغنام.
 
إن "فكرة القطيع" لا تعني بالضرورة الجهل، بل تعني "الأمان الزائف". فالإنسان بطبعه يميل لدفء الجماعة ولو كانت على خطأ، ويخشى برد الحقيقة ولو كانت ناصعة. جاليلو المعاصر ليس عالم فلك بالضرورة، بل هو المحلل الذي يقرأ ما بين السطور في حين يكتفي الجميع بالعناوين، وهو صانع المحتوى الذي يرفض "الزفة الإعلامية" ليبحث عن جذور الصراع، وهو "الخنشور" المثقف الذي لا تخدعه المساحيق والوجوه الجميلة على الشاشات إذا كان المحتوى فارغاً.
 
المفارقة العجيبة أننا اليوم نعيش "عصر المعلومات"، لكننا نغرق في "تزييف الوعي". القطيع المعاصر يتبع "خوارزميات" لا تختلف كثيراً عن "خرافات" العصور الوسطى؛ فمن لا يسجد لصنم "التريند" يُعتبر مارقاً، ومن يحاول تشغيل عقله خارج صندوق "اللجان الإلكترونية" يُتهم بالخيانة أو الجنون.
 
المسكين ليس من يمشي عكس الريح، بل المسكين هو من يظن أن "الكثرة" دليل على "الحق". جاليلو دفع ثمن رؤيته، لكن التاريخ في النهاية لم يسجل أسماء الجلادين، بل سجل اسم الرجل الذي نظر إلى السماء وقال: "لا.. أنا أرى ما لا ترونه".
 
دعوتنا اليوم ليست لمخالفة الناس من أجل الاختلاف، بل هي دعوة لأن تكون "جاليلو" نفسك؛ لا تخشَ أن تكون وحيداً في طريق الحقيقة، فأن تكون "خروفاً شاردًا" يفكر، خيرٌ ألف مرة من أن تكون "كبشاً" في قطيع يساق نحو الهاوية وهو يظن أنه ينتصر.
 
تذكروا دائماً: الحقيقة لا تحتاج إلى إجماع.. الحقيقة تحتاج فقط إلى عين تجرؤ على النظر.