مارجريت عازر
يأتى عيد القيامة لدى المسيحيين كأحد أقدس أيام السنة، ليس فقط باعتباره مناسبة دينية ذات طقوس خاصة من صلوات وصيام وانقطاع عن ملذات الحياة بل لأنه يحمل فى جوهره معنى إنسانيًا عميقًا يتجاوز حدود العقيدة إلى فضاء الإيمان المشترك بين الأديان. فالقيامة فى فلسفتها هى انتصار للحياة على الموت وللنور على الظلام وللرجاء على اليأس.

فى المسيحية تمثل القيامة حجر الأساس فى العقيدة حيث يؤمن المسيحيون أن السيد المسيح قام من بين الأموات بعد صلبه منتصرًا على الموت ليمنح البشرية الخلاص من الخطيئة. كما جاء فى الإنجيل: «ليس هو ههنا، لَكِنه قام» (إنجيل لوقا 24:6)،

وفى موضع آخر: «أَنا هو الْقيامة وَالحق من آمَن بِى وَلَو مَاتَ فَسيحيا» (يوحنا 11:25).

هذه الرسالة تؤكد أن القيامة ليست حدثا تاريخيًا فحسب بل وعد بالحياة لكل من يؤمن بالحق والخير. أما فى اليهودية فما زال انتظار المسيا قائمًا باعتباره المخلص الذى سيأتى ليحقق العدل والسلام على الأرض. وقد ورد فى سفر إشعياء: «يَخْرُجُ قَضِيبٌ مِنْ جِذْعِ يَسَّى... وَيَقْضِى بِالْعَدْلِ لِلْمَسَاكِينِ» (إشعياء 11:1-4)،

وهى رؤية تحمل فى طياتها الأمل فى عالم أكثر إنصافًا ورحمة. وفى الإسلام، يحتل السيد المسيح مكانة عظيمة، حيث ورد ذكره فى القرآن الكريم فى مواضع عديدة تؤكد طهارته ورفعته. يقول الله تعالى: «إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ» (النساء: 171)، ويقول أيضًا: «وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ... بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ» (النساء: 157-158).

وتؤكد العقيدة الإسلامية أن المسيح حى عند الله، وسيعود فى آخر الزمان ليحكم بالعدل، كما جاء فى الحديث الشريف: «وينزل عيسى ابن مريم حكمًا عدلًا». من هنا نجد أن الاختلافات العقائدية لا تنفى وجود أرضية مشتركة واسعة تتمثل فى الإيمان بالمسيح كرمز للخير والسلام وكقيمة إنسانية تدعو إلى المحبة والتسامح. فالمسيح فى جوهر رسالته لم يكن دعوة للفرقة بل كان نداءً للوحدة ولم يكن سببًا فى النزاع، بل سبيلًا للسلام. وفى عالم يموج اليوم بالصراعات والحروب تبدو فلسفة القيامة أكثر إلحاحا من أى وقت مضى نحن بحاجة إلى أن نستلهم من هذه المناسبة روحها الحقيقية بأن نغلب قيم الرحمة على القسوة والحوار على الصدام والإنسانية على التعصب. لقد آن الأوان أن نعلى ما هو مشترك بيننا وأن نترك ما يفرقنا جانباً فجوهر الأديان واحد وهو الإيمان بالله والعمل الصالح. وكما جاء فى القرآن الكريم:

«قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ» (آل عمران: 64).

وفى هذه الأيام المباركة حيث ترتفع الأيدى بالدعاء وتخشع القلوب تبقى الرسالة الأسمى أن نطلب من الله أن يرفع عن العالم ويلات الحروب وأن ينشر السلام فى كل بقاع الأرض، وأن يجعل من إيماننا المشترك جسرًا للتلاقى لا سببًا للفرقة. فالقيامة فى معناها الأعمق ليست فقط ذكرى دينية بل دعوة متجددة لأن تحيا الإنسانية من جديد.
نقلا عن المصرى اليوم